Skip to main content
أصواتٌ من غزّة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

أصواتٌ من غزّة

 تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>

قبل نحو أسبوعين، غفوت لفترة قصيرة ثم استيقظت على صوت طفلتي تبكي بكاء هستيريًا. عندما حملتها اكتشفت أن الجرذان عضّت كفّ قدمها وهي نائمة. في تلك اللحظة شعرت أن روحي قد غادرت جسدي مني من شدة الخوف. بدأت أصرخ وأبكي وأركض بها أنا وزوجي بين نقاط الخدمات الطبية بحثًا عن دواء أو مادة تعقيم ضد الالتهاب والتسمم، لكن الجيش يمنع حتى إدخال الأدوية ومواد التعقيم إلى القطاع.
دخل الجرذان إلى خيمتنا دون أي عائق. أجدها أحيانًا تقرض الخبز أو الطعام الموجود لدينا داخل الخيمة فأسرع إلى رمي الطعام في القمامة خوفًا من أن نُصاب بالأمراض. بصراحة، لم أعد أعرف كيف يمكن التخلص منها. حاولت نثر السم، لكن ذلك لم يفد. أشعر أنها تزداد تكاثرًا فقط، بسبب أكوام النفايات المحيطة بالخيام ومياه الصرف الصحي وأيضًا لأن المهجرين يرمون بقايا الطعام قرب الخيام مباشرة. نحن نعيش في كارثة بيئية هائلة ولا نعرف كيف نتعامل معها.
الآن نحن على أبواب الصيف. تحولت الخيمة إلى فرن ملتهب، كما انتشر الذباب والبعوض. في الليل يلسعنا البعوض المنتشر بكثرة والذي أصبح حجمه كبيرًا بشكل غير معتاد، وفي الصباح نستيقظ منذ السادسة بسبب لسعات الذباب، الذي ينتشر هنا بأعداد هائلة أيضًا. هذه اللسعات تسبب لنا الحساسية والتورم في أجسادنا.
هُويدا الدّريملي
الحياة في مخيّمات المهجرين بائسة للغاية: الخُصوصيّة مفقودة والنساء معرّضات باستمرار لنظرات الرّجال الغرباء ممّا يضطرّهنّ إلى البقاء بالجلباب والحجاب؛ وهُناك مُعاناة الانتظار الطويل في طوابير المياه، انتشار الأمراض الجلديّة، الاعتماد على التكيّات، عربدة الزعران والاستغلال. وهناك ظاهرة أخرى لاحظتها: معظم مسؤوليّات الأسرة تُلقى على عاتق النساء. هناك رجال فقدوا عملهم ويعتمدون تماماً على زوجاتهم، رجال يفرضون مطالب جنسيّة دون مُراعاة لرغبة الزوجة أو حالتها النفسيّة ولا حتى ظروف المكان.
ألماظة السّلطان
[...] في تلك الفترة قمت بقصّ شعري وشعر بناتي لعدم وُجود موادّ تنظيف أو شامبو. كان القمل يتكاثر في شعرنا من قلّة النظافة. توفّرت في السّوق كميات قليلة من مواد التنظيف والصابون ومواد تنظيف الجسم، وكانت تُباع بأسعار خياليّة لا نقدر عليها. أحياناً كان زوجي يذهب إلى المنازل التي تعرّضت للقصف ويبحث هناك عن طعام، صابون ومواد تنظيف، فإذا عاد ومعه بقايا قطع صابون كنّا نستحمّ كما ينبغي، ليس بقليل من الماء فقط. آنذاك، كنّا جميعاً نشعر وكأنّنا وُلدنا من جديد.
كفاح الحسنات
كان ابني حمزة يذهب ليحضر المساعدة، رغم أنني منعته خوفًا على حياته، لكنه أصر وقال لي: "أنا ميت في كل الأحوال! نحن جائعون. نريد أن نأكل". كان يذهب ليلًا إلى "نتساريم"، يعرّض حياته للخطر ليجلب لنا قليلًا من الطحين وبعض المعلبات، وكنت أنا أجلس بملابس الصلاة وأصلي ولا أتخيل سوى أنهم سيأتون ليخبروني بأنه قُتل. عندما كان يعود سالمًا كنت أهجم عليه بالأحضان والقُبل.
أعاني أكثر ما أعاني من النار لأنّني أقضي أمامها أوقاتاً طويلة، وأحياناً أيّاماً بأكملها. إذا أراد أولادي الاستحمام، أشعل النار لأسخّن لهم الماء. وحين يطلب أحدهم أن يتناول طعاماً، أظلّ أمام النار لأعدّ الطعام - سواء كان الوقت صباحاً أو ظهراً أو ليلاً، طوال اليوم. خلال ساعات النهار يخرج زوجي وأبنائي إلى المزبلة للبحث عن قطع بلاستيك أو خشب، كي أتمكّن من إشعال النار. أصبحت بشرة وجهي داكنة بسبب النار وتجعدت يداي ولا يزول السّخام عنهما.
صابرين الدعمة
هذه الحرب سلبتني كل شيء: ابنتي وأحفادي وزوجها، كرامتي وإحساسي بقيمتي، وبيتي. أنا الآن بلا مأوى، أعيش في الشارع. أكره كلمة خيمة. لست معتادة على هذه الحياة ولا أعرف كيف سنتأقلم معها. ليت الله يعيد الحياة كما كانت قبل الحرب وأن أعود إلى بيتي وتنتهي هذه المأساة.
إكرام نصر
ولدتُ ابني سمير في الشهر الثامن من حملي وأسميتُه على اسم أخيه الذي استُشهد، أخيه غير الشقيق. خلال فترة الحمل لم يتوفّر لي الطعام الكافي ولم أتناول فيتامينات. عانيت من سوء التغذية وكان جسمي أشبه بهيكل عظميّ. كما عانيت من مشاكل في الكليتين أيضًا. عندما وُلد سمير كان وزنه 800 غرام ولذلك أبقوه ليتمّ نموّه في حاضنة. بعد الولادة عانيت من فقر الدّم وعندما عدت إلى الخيمة لم يكن لدينا أيّ طعام. كنت أتناول بعضاً من أوراق الخسّ. لا حاجة للحديث عن نقص الفواكه والحليب والبيض فهذه الأمور ظلّت مجرد حُلم.
نجد صعوبات في كلّ شيء. أنا ما زلت شابّة ولا أقدر على مُجابهة جميع هذه المصاعب وحدي. أصبحتُ عصبيّة المزاج لا صبرَ لي حتى على أولادي. أحياناً أتمنّى أن تكون لي خيمة كبيرة تتوفّر فيها زاوية خاصّة لي ولزوجي. أحتاج إلى خصوصيّتي. لا أستطيع حتى أن أبكي أمام أطفالي، لأنّني عندئذٍ سوف أنهار. أحاول قدْر الإمكان أن أبدو قويّة من أجلهم ومن أجلي ولأجل زوجي. أتمنّى البقاء وحدي ولو ليوم واحد، أن أكون مع نفسي في مكان بعيد أستطيع فيه أن أصرخ بأعلى الصّوت وأن أبكي على هذه الحياة الفظيعة التي فُرضت عليّ.
حاول زوجي أن يُصلح الخيمة بنفسه، أمسك بزوايا الخيمة محاولاً منع دخول المياه لكنّ محاولته باءت بالفشل أمام قوّة الرّيح وغزارة الأمطار. عندما رأيت ملامحه تعبّر عن العجز والإحباط ورأيت طفلتي الصغيرة ترتجف من البرد، أجهشت بالبكاء. بكيت كما لم أبك في حياتي من قبل. كلّ ما احتقن في داخلي خلال الحرب - الألم، الذلّ والمهانة، النزوح، الخوف، ومواجهة أضرار الطقس دون أيّة وسيلة حماية ـ كل ذلك انصبّ عندي في تلك اللّحظة التي وقفنا فيها وأقدامنا غائصة في المياه نحاول أن نحمي أنفسنا من الغرف في مأوىً من الكرتون والخيش كنا نسمّيه "بيت".
تيم الخواجا. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
كانت الرّياح شديدة لدرجة أنّها اقتلعت الشوادر التي وضعناها. فجأة سمعت روان تصرخ. عندما أسرعنا إليها رأيناها تحمل تيم وقد ازرقّ وجهه وجسمه. كان تيم كأنّه جَماد، لا يتنفّس. حملته فوراً إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت، فحصه الأطبّاء وقالوا إنّه يُعاني هبوطاً حادّاً في نسبة السكّر في الدّم نتيجة البرد القارس [...]
محمد غازي نصّار
أثناء وُجودي في السّوق سمعت أناساً يتحدّثون عن بناية في حيّ الشيخ رضوان انهارت فوق رؤوس ساكنيها. هبط قلبي لأنّه كان لديّ شعور أنّه بيتنا. عُدت إلى المنزل مُسرعاً وعندما وصلت رأيت السّقف قد انهار على عائلتي. صُعقت من هَوْل المشهد. كان لينا وغازي عالقين تحت رُكام المبنى بينما تمكّنت زوجتي وبقيّة الأولاد من الفرار عبر المدخل الثاني للمنزل. كانت زوجتي والأولاد يبكون ويصرخون.[...] يبدو أنّهما توفّيا اختناقاً تحت الأنقاض. حين أخرجوهُما ورأيت أنّهما ميتان انتابتني الصّدمة.
هديل حمدان. صورة قدمتها العائلة مشكورة
[...] ركضت نحو هديل وحملتها وراحت زوجتي تحمل أطفالنا الآخرين وتنقلهم إلى خارج الخيمة الغارقة. كان جسد هديل بارداً جدّاً وأزرق، حتى شفتاها كانتا زرقاوين. كان أولادنا الآخرون يرتجفون من البرد ولا يقدرون على المشي، كانت أجسادهم باردة كأنّها كتل من الثلج. [...] حاولت أن أدفئ جسدها وأن أوقظها، لكن دون فائدة. كنت أخاف أن تموت من البرد. [...] استدعى الجيران سيّارة إسعاف لكنّها تأخرت. وعندما وصلت بعد نصف ساعة كانت هديل قد فارقت الحياة.
رهف أبو جزر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
استيقظنا عند السّاعة 3:30 فجراً فوجدنا المياه قد أغرقت الخيمة. حين تفقّدنا وضع الأولاد كانت رهف مبلّلة كلّها وعندما أبدلت لها ملابسها لاحظت أنّ جسمها بارد جدّاً، شفتاها زرقاوان وملامح وجهها متغيّرة. استدعيت سيّارة إسعاف، لكنّ الأمطار الغزيرة أخّرتها فوصلت بعد ساعة ونصف الساعة تقريباً. ذهبت وزوجتي إلى مستشفى ناصر مع رهف، التي كانت تحتضر. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش لها لكن دون جدوى.
חוסיין א-זוויידי
كان هناك خمسة محققين. قيدوا يديّ بقوة شديدة لدرجة أنني فقدت الإحساس بيديّ. ربطوا ساقيّ إلى كرسي في وضعية "الموزة". هاجمني جميع الجنود الذين كانوا في الغرفة، ضربوني على ظهري وصدري وساقيّ وحتى على خصيتيّ. شعرت وكأن مثانتي على وشك الانفجار. صرخت وأخبرتهم أنني أحتاج إلى التبول. أمروا اثنين من السجانين بمرافقتي إلى المرحاض. عندما وصلت إلى هناك، كنت في حالة صدمة. لم أستطع التبول. عندما تمكنت أخيراً من التبول، كان هناك الكثير من الدم في البول.
محمود أبو فول
جرّني الجنود على الأرض وأدخلوني في زنزانة ضيقة، مثل تابوت. قال لي الجندي: "سنبقيك في هذا التابوت حتى تموت، يا ابن الزانية". كنت مرعوبًا وظننت أنهم سيقتلونني. بقيت محبوسًا في ذلك "التابوت" لعدة أيام، معزولًا تمامًا، بدون طعام وبدون ماء تقريبًا. كلما صرختُ طالبًا الماء أو الطعام، كان الجنود يفتحون "التابوت" ويضربونني بشدة ثم يغلقونه مرة أخرى. عندما كنت بحاجة إلى الذهاب إلى المرحاض، كنت أنادي الجنود، لكنهم لم يعيروني أي اهتمام. حاولت أن أصبر، لكني اضطررت في النهاية إلى التبول على نفسي. كان الجنود يفتحون "التابوت" من حين لآخر فقط لكي يتأكدوا أنني ما زلت على قيد الحياة. 
جبريل الصفدي
[...] استيقظت ووجدت نفسي مستلقياً في بركة كبيرة من الدم. كنت في حالة صدمة. نظرت إلى قدميّ فرأيت أنهما مصابتان وتنزفان. كان مشهداً مروّعاً وبدأت أصرخ وأبكي بشكل هستيري، على أمل أن يأتي أحد لمساعدتي. تم إدخالي إلى مستشفى السجن. [...] الطبيب الذي كان يرتدي زيًا عسكريًا، قال لي: "اسمع، حياتك في خطر. عليك أن تختار بين بتر ساقيك أو الموت". بدأت أبكي وأصرخ، على أمل أن يسمع أحدهم ألمي وعذابي وحزني. أحضروا لي وثيقة وأجبروني على التوقيع على موافقة لبتر كلتا ساقيّ.
محمد خضر
أمسك الجنود بي، رفعوني من يدي وعلقوني في وضعية "الشبح" بالسلاسل في وسط غرفة التحقيق. أحضروا "ديلدو" ووضعوه تحت مؤخرتي، ثم بدأوا بإنزال السلسلة الحديدية حتى دخل جزء منه في فتحة شرجي. تسبب لي ذلك بألم شديد لم أشعر به من قبل. بدأت بالصراخ والبكاء بصوت عالٍ. كان هذا أقسى وأصعب تعذيب تعرضت له طوال فترة اعتقالي في إسرائيل. في تلك اللحظة، لم أكن أتوقع أن يهاجموني جنسياً. عندما حدث ذلك، تمنيت الموت. كان الموت أفضل من مثل هذا التعذيب.
تعرضت لهجوم من وحدة "متسادا" وأصبتُ بعيار مطاطي. تم إدخالي إلى المستشفى ورقدتُ فيه لمدة 15 يومًا. خلال نقل إلى المستشفى، ضربوني. سألوني مرة أخرى عن حماس والمختطفين والمنازل المفخخة وهددوني بأنه إذا لم أعطهم معلومات، فسوف يعتقلون ويغتصبون زوجتي وأمي. كنتُ أتلقى الضرب والإهانة الشديدة في كل يوم تقريباً. أحياناً كانوا يروننا كيساً أسود مليئاً بالجثث ويقولون لنا: "هكذا فقط ستخرجون من هذا المكان"، ثم يطالبوننا مرة أخرى بإخبارهم عن مواقع حماس والأنفاق، وهي أمور لم تكن لنا علاقة بها.
أثناء التعذيب، قام أحد الجنود باغتصابي. دفع عصا خشبية بقوة في فمي وشرجي وتركها هناك لمدة قريبة من الدقيقة، ثم سحبها. بعد ذلك، أدخل الجندي العصا مرة ثانية وبقوة أكبر، فصرخت بصوت عالٍ. بعد دقيقة، سحب العصا مرة ثانية وأمرني أن أفتح فمي ثم أدخلَ العصا في فمي وأجبرني على لعقها. غمرتني مشاعر الظلم والإهانة، ومن شدة الإذلال فقدت الوعي لبضع دقائق.
[...] قضيت في "سديه تيمان" أصعب أيام حياتي. ما زلت أعاني حتى اليوم من صدمة شديدة. احتجزوني عارياً، وأطلقوا الجنود عليّ كلاباً هاجمتني. ضربوني على عضوي التناسلي وربطوه بحبل بلاستيكي وتسببوا لي بتورم ونزيف. أحد المعتقلين فقد خصيته بسبب التعذيب. [...] أصبتُ أنا وحوالي 200 شخص آخرين بمرض الجَرَب وكنا نحكّ أنفسنا حتى ننزف دماً. عندما طلبنا العلاج، قالوا لنا: "لم تروا شيئاً بعد". [...] كما قام الطبيب أيضًا بضربنا. كانت هنالك أيضًا حالات كسروا فيها أسنانًا للسجناء.
نسيم الرضيع
كان هناك ضابط وجندي، أمراني بخلع كل ملابسي وارتداء حفاض. ثم قيّدوا يديّ خلف ظهري وغطّوا عينيّ وعلّقوني (وضعية "الشبح") على رافعة بالسلسلة (بلانكو) من النوع الذي يستخدمه الجزارون لرفع الخراف بعد الذبح. تركوني معلّقًا هناك قرابة 10 ساعات متواصلة. كنت أعاني من آلام شديدة في الكتفين ومفاصل اليدين. علّقوا إلى جانبي، بالطريقة نفسها شابًا، آخر أعرفه. كانوا يضربوننا ونحن معلّقان، خصوصًا في منطقة الصدر. مع كل ضربة كنت أشعر أن روحي تكاد تخرج من جسدي من شدة الألم.
هيثم سالم
حاول الجنود طوال الوقت تخويفنا وكسر معنوياتنا. كانوا يقومون بعمليات قمع مرتين في الأسبوع، يلقون قنابل صوتية في الغرف، يصيبون السجناء بجروح، يجبروننا على الركوع وأيدينا فوق رؤوسنا ويشتموننا. عيَّنني الجنود "شاويشًا" ـ أي، مسؤولاً عن بقية السجناء، وأمروني بصفع السجناء الآخرين. قالوا لي "إذا لم تضرب السجناء، فسنضربك نحن"، وعندما صفعت السجناء، طلبت منهم السماح. رغم ذلك، ضربني الجنود وشتموني. كانت تلك أصعب أيام في حياتي. لم يكن هناك رحمة أو شفقة تجاه أي سجين.
محمد المشوخي
قيّد الجنود يديّ إلى الخلف وغطوا عينيّ وعيون بعض المعتقلين الآخرين ثم أدخلونا إلى حفرة. في الحفرة، ضربنا الجنود بأسلحتهم وشتمونا. ظننّا أننا سنموت في تلك الحفرة. ثم سمعت صوت سيارات جيب. كنا حوالي 30 معتقلاً، ألقوا بنا في سيارتيّ "جيب" عسكريتين وهناك بدأت رحلة تعذيبنا الحقيقية. كانوا يضربوننا بشدة طوال الرحلة، حتى وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم). عندما وصلنا، فوجئنا برؤية إسرائيليين يرتدون ملابس مدنية إلى جانب الجنود.
[...] بعد ذلك أمروني بخلع السروال الداخلي وبقيت عارياً تماماً أمام الجنديات. قاموا بتفتيشي بدقة شديدة باستخدام جهاز مسح. [...] غطوا عينيّ وقيدوا يديّ واقتادوني إلى مكان آخر، لم أعرف ما هو. هناك، ضربوني بالهراوات أو العصي لفترة طويلة. بدافع اليأس، حاولت صد الضربات والرد على الجندي، لكنني لم أستطع. في تلك اللحظة، تلقّيت ضربة قوية وشعرت بأنهم كسروا أحد أضلاعي. من هناك نقلوني إلى مكان آخر، في ناقلة جند مدرعة هذه المرة. فهمت أن المكان يسمى "الكلابات": ألقوا بي على الأرض وبدأت الكلاب تدوس عليّ وتهاجم بعض المعتقلين الآخرين.
أحمد أبو رُكبة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
نحو السّاعة 17:00، تقدّمنا نحن الثلاثة إلى الأمام. كان هناك أناس كثيرون ووصلت الشاحنات محمّلة بأكياس الطحين. حصل كلّ منّا على كيس من الطحين. في طريق عودتنا ابتعد بلال عنّا، وتابعت أنا السّير برفقة أحمد. كان إطلاق النار كثيفًا ومُباشرًا. فجأة أصيب أحمد ووقع أرضًا. حاولت أن أنقذه، خلعت قميصي وضمّدت به جُرحه، لكن تبيّن لي أنّه توفّي على الفور. لقد أصيب في القلب مُباشرة فغطى الدّم المتدفّق جسمه كلّه.
لقد دُمّرت حياتي. من الأفضل لي أن أموت هنا على أن أنزح جنوبًا. حتى لو تمكنا من دفع ثمن ذلك، فلن تتمكن زوجتي من العيش في خيمة بدون توفر شروط أساسية مع طفلة رضيعة ولدت للتو وتعاني من نقص الوزن. عندما غادرنا المنزل لم نأخذ شيئًا، بل الملابس فقط. كنت أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة. لقد ودعت منزلي وحيّي. يُشعرني النزوح وكأن الروح قد فارقت الجسد. [...] نحن مهجرون الآن، بلا أمل، تحت القصف والتدمير. ولا يوجد مكان آمن أو منطقة إنسانية في القطاع. كل الأماكن تتعرض للهجوم.
أحمد البطنيجي
 هكذا كان قدر ابني أحمد ونصيبه في هذه الحياة، لكنّه قدرٌ كان يمكن منعه لو أنّنا استطعنا فقط أن نحصل على طعام له. ليالٍ كثيرة مرّت وأحمد ينام جائعًا. كان يقول لي إنّه يتألّم أيضًا وهو نائم من شدّة الجوع وأنا أسمعه وأعجز عن فعل أيّ شيء من أجله. هذا العجز ما زال يحزّ في نفسي حتى الآن [...] فتى صغير في مُقتبل العُمر، لو أنّه من أيّ مكان آخر لعاش عُمرًا مديدًا وحياة جيّدة. توفّي جرّاء سوء التغذية. قتلته سياسة التجويع، قتله النزوح والتلوّث وانعدام العلاجات الطبّية المناسبة.
ميساء شعلان
[...] تم تسريح مريم من المستشفى بعد أن رقدت فيه لمدة يومين. عندما وصلنا إلى المنزل، قالت لزوجي إنها تريد أن تأكل حلاوة. ابتسم محمد وقال لها: "غدًا سأبحث في كل مكان ولن أعود بدون حلاوة". في اليوم التالي، الاثنين الموافق 18.8.25، ذهب إلى مركز توزيع المساعدات في منطقة "موراج" شمال رفح، على أمل العثور على حلاوة في إحدى رُزم المساعدات. غادر المنزل في الساعة 13:00. مرت ساعات ولم يعد. حوالي الساعة 17:00 اتصلت بي أخته نعمة (35 عامًا) من خان يونس وأخبرتني أن محمد أصيب بالرصاص وتم نقله إلى المستشفى، حيث توفي متأثراً بجراحه.
سيلا حوسو
وبينما كنا نحاول الهروب، تعرضت المدرسة للقصف مرة أخرى فأصيبت ابنتي سيلا بشظية في الرأس. غطى الدم رأسها. حضنتها وصرختُ طلبًا للمساعدة. خلع ابني محمد قميصه وحاول تضميد رأس سيلا به ووقف النزيف. صرختُ ليحضروا سيارة إسعاف لكنّ أحدًا لم ينتبه إليّ. [...] لا تزال سيلا ترقد في المستشفى حتى اليوم. [...]. تعاني من التهابات في الجروح ولا يوجد في المستشفى المضاد الحيوي الذي تحتاج إليه. [...] إنها بحاجة إلى عمليات جراحية إضافية في الرأس، لمنع تسرب السوائل من الجمجمة عبر الأنف أو محجر العين. يقول الأطباء إن حالتها صعبة ومعقدة وإنها بحاجة إلى علاج خارج القطاع [...]
محمود و  بسام الجرجاوي
بينما كنت في ساحة المدرسة وكان والدي، بسام الجرجاوي (57 عامًا)، وشقيقاي عمر ومحمود، في خيمة في الساحة، أطلق الجيش فجأة صاروخين أصابا الجزء من الساحة الذي كانت فيه الخيام، بالقرب من الكافتيريا. كانت الساحة مليئة بالناس في تلك اللحظة [...] أصبتُ أنا بشظية في ساقي وسقطت على الأرض. رأيت حولي أنقاضًا وغبارًا كثيفًا في كل مكان، وكذلك أشلاء جثث وجرحى على الأرض [...] في المستشفى تعرفتُ على جثتي أبي وأخي عمر. استغرق التعرف على أخي محمود بضع ساعات، لأنهم لم يجدوا في ساحة المدرسة سوى أجزاء فقط من جثته.

أشرف المفتي
في 21.12.24 نفدت مياه الشرب لدينا، وبسبب عدم قدرتي على الذهاب لجلب الماء، طلبت آمنة أن نسمح لها بالذهاب. ذهبت إلى المستشفى لملء المياه هناك، وفي طريق العودة أصابها صاروخ من الجيش الإسرائيلي - إصابة مباشرة. عندما علمنا بدأنا نصرخ ونبكي. لمدة ثلاثة أيام لم نتمكن من إحضارها لدفنها بسبب الوضع الخطير في المنطقة. بعد ثلاثة أيام دفناها تحت منزل مدمر. [...] أتذكر مرارًا وتكرارًا محادثتي الأخيرة مع آمنة. لا أفهم ولا أستطيع أن أستوعب كيف قتل الجيش طفلة لمجرد أنها كانت ذاهبة لجلب الماء.
صفاء الفرماوي
في الطريق إلى مركز توزيع المساعدات، أخرجت غزَل رأسها من النافذة لتشعر بالرياح، وقالت لي: "أمي، أنا شجاعة وقوية". كانت فخورة بنفسها. عندما وصلنا، كان هناك آلاف الأشخاص وفي كل مرة كان فيها الحشد يتقدم، كان الجيش الإسرائيلي يطلق النار عليه. استلقيت أنا وغَزَل بجانب منزل مدمر بجانب الطريق. عندما هدأ إطلاق النار، قال أحدهم إن المركز قد فتح وبدأنا جميعًا نركض إلى هناك. أثناء الركض، أطلقوا النار علينا مرة أخرى. فقدت غَزَل وصرختُ وناديت باسمها. سمعتها تجيب: "نعم أمي، أنا هنا"، لكنني لم أتمكن من رؤيتها بسبب الازدحام الشديد. بعد ذلك لم أسمعها مرة أخرى.
شام قديح
ولدت شام بعد أن حاولنا لمدة تسع سنوات إنجاب طفل آخر، وكنت أنا ووالدها سعيدين جدًا بها. ولدت طفلة سليمة وطبيعية، بوزن طبيعي. خلال الحرب، عندما تلقت شام التطعيمات في العيادات، اكتشفنا أنها لا تزيد في الوزن، ومنذ أن كانت في الشهر السادس من عمرها، كانت حالتها الصحية تتدهور باستمرار. وهي مصابة اليوم بسوء تغذية حاد. في سنّها، من المفترض أن يكون وزنها 12 كيلوغرامًا، لكنها لا تزن سوى 4,5 كيلوغرام فقط.
آلاء شحادة. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة.
بينما كنت في طريق العودة، حوالي الساعة 1:30 فجراً، بدأت أسمع الناس يقولون إنه قد تم قصف منطقة المشتل وأن هناك مذبحة في مخيم الخيام. بدأت أركض إلى خيمتنا حيث كان أطفالي ينتظرونني. [...] رأيت سيارات الإسعاف تنقل الأطفال القتلى والجرحى. كان المنظر مروعاً. قصفت جميع الخيام ودمرت المنطقة. لم أتمكن من العثور على خيمتنا. فجأة، سمعت فرح تناديني من سيارة الإسعاف. قالت "أمي، قصفونا، سيلا قتلت، وسند أصيب!".
عادل ماضي
رأيت أخي عادل يذبل وأصبح جسده نحيفًا وبدأت عظامه تبرز. [...] كنت أنا من اعتنى بعادل وكان متعلقًا بي جدًا. كان ينام بجانبي في الخيمة. في نهاية حياته، لم يكن عادل قادرًا على الكلام تقريبًا، بسبب حالته. ولكن في الليلة التي سبقت وفاته، ناداني بصوت خافت، كما لو كان يريد أن يودعني. في تلك الليلة سمعته يئن من الألم ولم يكن لدي أي طريقة لمساعدته. قلت له: "نم يا عادل. أنا هنا معك".
زينب أبو حليب
[...] تقيأت زينب قيئًا بني اللون وكانت عيناها متعبتين. قررت أنا وزوجي العودة بها إلى مستشفى ناصر. ركضت بها في الشارع وهي على يديّ. [...] عندما وصلنا، فحصها الأطباء وأخبرونا أنها ماتت قبل أن نصل إلى هناك. [...] في كل دقيقة وكل ثانية نتذكر طفلتنا الجميلة. [...] يسأل إخوتها إلى أين ذهبت زينب، وهذا هو أصعب سؤال على الإطلاق [...]. قبل يومين اتصلوا بنا من منظمة الصحة العالمية بشأن إرسالها للعلاج في الخارج فأخبرهم زوجي بأن زينب قد توفيت. قبل أن تمرض، كان وزن زينب خمسة كيلوغرامات وعندما توفيت كان وزنها حوالي كيلوغرامين اثنين.
هادي عبد ربه
كنا محاصرين هناك لأكثر من نصف ساعة تحت نيران كثيفة من جميع الاتجاهات. وطوال ذلك الوقت كنت أفكر فقط، "يا إلهي، فقط دعني أعود إلى المنزل سالمًا. لا أريد الطحين، أريد فقط العودة إلى عائلتي". أعتقد أن هذا كان شعور كل من كان محاصرًا هناك معي بينما كنا ننتظر القافلة الثانية. كانت تلك نصف ساعة صعبة للغاية، ربما الأصعب في حياتي. قُتل بجانبي أب وابنه وامرأة تبلغ من العمر حوالي 35 عامًا. قُتل هناك حوالي 20 شخصًا وكان هناك العديد من الجرحى.
محمد أبو عيطة. صورة قدمتها العائلة مشكورة
[...] מقصفت طائرات حربية إسرائيلية منزلنا. انهار كل شيء علينا خلال لحظة واحدة. كان معنا أقارب لي نزحوا من الشمال والشرق، قُتل 16 منهم - أعمامي وأبناء عمومتي - ودُفنوا تحت الأنقاض [...] صدمت بشدة عندما رأيت (ولديّ) حسن وريما. قُطعت أرجلهما وكانا ممددين على الأرض يصرخان. سقطت ولم أستطع النهوض [...] نقلناهما بسرعة إلى مستشفى العودة في تل الزعتر. كان المكان مزدحمًا للغاية بالعديد من الجرحى وبدون كهرباء وأدوية وأدوات جراحية [...] كانت غرف العمليات غارقة في الدماء. قال الأطباء إنه ليس لديهم ما يفعلونه سوى اليود والضمادات.
ليلى زيارة
في المستشفى، يتم تنظيف جروح هاني مرة واحدة كل يوم، في غرفة العمليات تحت التخدير. منطقة الحوض في خطر دائم من التلوث بسبب قربها من فتحة الشرج ومجرى البول. خضع لعملية جراحية أخرى في البطن ووُضعت له فغرة (فتحة صناعية). حالته صعبة للغاية. إنه بحاجة ماسة إلى علاج خارج القطاع لأنه لا تتوفر ظروف مناسبة له في المستشفى ولا أدوية ولا مسكنات للألم.
باسل كفينة
يخاطر الناس ويتقدمون نحو مدخل نقاط التوزيع لأن من يدخل أولاً لديه فرصة أكبر للحصول على المساعدات. أحيانًا يسمح الجيش بالاقتراب ثم يطلق النار [...]. في إحدى الليالي، كالعادة، ذهبت إلى هناك وانتظرت. بدأت أتقدم مع أناس آخرين لأننا اعتقدنا أن ذلك مسموح به، ثم بدأ الجميع يركضون معًا. فجأة، فُتحت نيران كثيفة من دبابات كانت متمركزة على بعد بضع مئات من الأمتار منا، وكذلك من طائرات مسيّرة. استلقيت على الأرض خلف ساتر ترابي، زحفت وهربت. في تلك الليلة، قُتل أكثر من 30 شخصًا [...] مشيت كيلومترات، زحفت، ركضت، تدافعت بين آلاف الأشخاص وطوال ذلك الوقت كانت حياتي في خطر. وفي النهاية عدت بدون طعام.
 ابن لؤي
اللحظة التي تلقيت فيها خبر إصابة يامن [ابني]، اللحظة التي وجدته فيها قتيلًا في ثلاجة الموتى، اللحظات التي يعلم الله وحده كيف وجدت فيها القوة للاتصال بوالدته وشقيقتيه وإخبارهن بأنه قُتل. أخبرني أصدقاء يامن أنهم ذهبوا إلى مركز المساعدات، على الرغم من أنني منعته من الذهاب إلى هناك. كان هناك إطلاق نار من الدبابات فقُتل أشخاص وأصيب آخرون. حاول يامن مساعدة شاب جريح، فأصيب هو أيضًا من جرّاء إطلاق النار. أصابته الرصاصة في خاصرته وقتلته على الفور. قُتل ابني يامن بالرصاص فقط لأنه ذهب إلى مركز المساعدات، فقط لأنه أراد إحضار الطحين للعائلة وحاول مساعدة جريح.
سمية أبو قَصّ
أعلن الجيش عن افتتاح "مراكز المساعدات الأمريكية"، التي شكلت، عمليًا، مصائد للموت. [...] توسل أسامة [ابني] للذهاب إلى هناك لإحضار الطعام لكنني عارضت. خفت أن أفقده. في النهاية، استسلمت لجوع الفتيات. في صباح يوم 19.6.25 ذهب [إلى هناك] مع أخي أحمد، وبعض الأصدقاء الآخرين [...]. في الساعة 23:00 ليلًا، عاد أخي بجثة أسامة. كان مغطى بالدماء والغبار. روى أحمد أن دبابة إسرائيلية أطلقت عليهم قذيفة أصابت أسامة في ظهره وقتلت خمسة أشخاص آخرين بينما كانوا يفتحون طرود المساعدات. قُتلوا جميعًا على الفور. [...] ترك وراءه زوجة حاملًا في شهرها الثالث وخمس أخوات يتيمات. لقد مات ليجلب الخبز لنا ولأخواته.
هادي عبد ربه
رأيت دبابات وجنودًا إسرائيليين، وأمريكيين بزي عسكري أيضًا، مسلحين بأسلحة الإسرائيليين نفسها، يطلقون نيرانًا كثيفة على أناس مثلي يريدون فقط الحصول على الطعام. قُتل الكثير من الناس، وأصيب معظمهم في الرأس أو الصدر. رأيت امرأة تقف على بعد أمتار قليلة مني تصاب في رأسها. انفجر رأسها ببساطة.
شادي الكرد. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
أخرج كل يوم تقريبًا إلى مراكز المساعدات - إلى "نتساريم" أحيانًا وإلى "زيكيم" أو النابلسي في أحيان أخرى. عندما أخرج من الشقة، أودع زوجتي وأطفالي وكأنها المرة الأخيرة. الذهاب إلى هناك هو الذهاب إلى الموت. ربما أعود، وربما لا. أرى الموت هناك بأم عيني. لقد حوّل الجيش مراكز التوزيع إلى مصائد للموت.
[...] عندما نصل ننتظر على مسافة حددها الجيش حتى يشير بأنه يسمح لنا بالتقدم إلى المركز نفسه [...]. توقفنا على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من مركز التوزيع وانتظرنا أن يشير لنا الجيش بالتقدم إلى المركز نفسه. فجأة بدأ إطلاق نار باتجاهنا [...] أطلقوا النار علينا من الدبابة ومن طائرة مسيّرة (كوادكوبتر). تمكن بعض الأشخاص الذين كانوا ينتظرون معنا من الهرب مثلنا، لكن البعض الآخر علقوا هناك في إحدى القنوات. [...] تُمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة، لذلك قام السكان بإخلاء الجثث والجرحى على عربات تجرها الحمير.
انتظرنا أن يُدخلونا إلى مركز المساعدات وأن نحصل على طعام. فجأة، أُطلقت النار علينا من الرافعات التي نصبها الجيش الإسرائيلي هناك. بدأ الجميع يركضون في كل الاتجاهات محاولين الهرب وركضت أنا وأخي أيضًا تحت نيران الجيش، ثم أصابتني 5 رصاصات. [...] عندما استيقظت، وجدت نفسي على سرير في مستشفى ميداني [...] أخرج الأطباء الرصاصة التي كانت في ظهري لأنها كانت تشكل خطرًا عليّ وأصابت أمعائي أيضًا. أجريت لي عملية جراحية في ساقي ووضعوا لي بلاتين. [...] كل ما في الأمر أنني ذهبت إلى مركز مساعدات لأحصل على طعام لأطفالي والآن لا أستطيع أن أؤمّن لنفسي العلاج والأدوية ولا أعرف متى سأتمكن من الوقوف على قدميّ.
ريم زيدان
[...] ذهبت أنا وأمي وأخي أحمد (12 عامًا). كان أبي متعبًا وقرر عدم مرافقتنا هذه المرة. [...] عندما اقتربنا من مركز المساعدات، بدأ الجيش الإسرائيلي فجأة بإطلاق نيران كثيفة. كان الأمر لا يصدق. [...] عندما توقف إطلاق النار، تحركنا مرة أخرى نحو نقطة التوزيع. مشيت أنا أولًا، وكانت أمي تسير ورائي تمسك بيد أحمد. ثم بدأ إطلاق النار مرة أخرى فأصابت رصاصة رأس أمي. استدرت ورأيتها ملقاة على الأرض. ظننت أنه أغمي عليها فقط، لم يخطر ببالي أنها قُتلت.
سمعت من الناس أن شاحنات المساعدات ستمر في منطقة التحلية. ارتديت ملابسي وخرجت من المنزل جريًا للوصول إلى المكان مبكرًا. عندما وصلت كانت هناك حشود من السكان، لكن لم تكن هناك شاحنات تحمل الطحين. عدد هائل من الناس فقط ينتظرونها. فجأة بدأت الدبابات الإسرائيلية بقصف الناس.. [...] كان هناك قتلى وجرحى. تقدم الناس للمساعدة ومحاولة إنقاذ الجرحى فقصف الجيش مرة أخرى. ومرة أخرى. كان منظر الجثث المشوهة مروعًا ومخيفًا للغاية. كان البعض بلا أيدٍ وأرجل والبعض بلا رؤوس بينما تمزق البعض الآخر إلى أشلاء.
محمد أبو سخيلة. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
[...] أطلقت طائرة مسيّرة عسكرية النار عليّ وأصبتُ في قدمي اليمنى [...] هكذا تم جرّي مع عائلتي كلها من مستشفى إلى آخر في ظروف مروعة. في كل منطقة كنا نصل إليها، كان القصف والنزوح مستمرّين. عشنا في خوف وجوع دون إمدادات طعام أو ماء ودون سقف آمن. لم يكن هناك أطباء متوفرون في أي مكان، ولم تكن هناك أدوية [...] اضطر الأطباء في مستشفى العودة إلى بترها في ظروف صعبة لإنقاذ حياتي.
عيسى ماضي
مشينا حوالي 3 كيلومترات مع آلاف السكان من مخيم النازحين الذين يتضورون جوعًا [...] فجأة ظهرت طائرات مسيّرة (كوادكوبتر) في السماء وأحاطت بنا وبدأت تطلق علينا نيرانًا حية. أصبتُ في يدي اليسرى برصاصة اخترقتها وخرجت.. استدرت للبحث عن أخي فراس والفرار من إطلاق النار، ثم أطلق علي قناص من الجيش من مسافة حوالي 300 متر وأصابتني الرصاصة في ظهري، بالقرب من العمود الفقري، وخرجت من البطن. [...] كان الوضع صعبًا للغاية لدرجة أن الناس داسوا على الجثث للهروب من هناك. بجانبي كان يرقد حوالي 20 قتيلاً وعشرات الجرحى الآخرين. كنت متأكدا من أنني أيضًا سأموت.
زياد الرضيع
ركضت مباشرة إلى الداخل للبحث عن زوجتي وأطفالي بين الأنقاض. وجدت ابني زياد جالسًا في إحدى غرف الطابق الأرضي وفوقه وحوله أنقاض. كان ينادي على أمه وإخوته وعندما رآني، بدأ يصرخ "أبي أنا هنا". كانت لديه حروق في جميع أنحاء جسده. رفعته وسألته إذا كان يعرف أين أمه ثم سمعتها تناديني.
 أحمد الغلبان. صورة قدمها هو مشكورًا
كنت ملقى على الأرض أنزف دمًا، نظرت إلى ساقي ولم أصدق. قلت لنفسي: "هذا حلم". صرخت أمي وطلبت المساعدة. بعد خمس دقائق، جاء شاب وعندما رأى أننا ما زلنا على قيد الحياة، أقلّني أنا ومحمد [أخي التوأم] على مركبة "توكتوك" إلى المستشفى الإندونيسي. وكذلك خالي وأمي والجميع. في الطريق، تلا محمد آيات من القرآن والشهادتين لكنني لم أكن أعرف أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.
عزيزة قشطة. صورة قدمتها هي مشكورة
حملتُ زوجي على ظهري ومشيت. كان جسده مترهلًا بسبب الإصابة وكان ثقيلًا جدًا. لم يكن هناك أي شخص لمساعدتي فاضطررتُ لحمله بمفردي. مشينا قليلًا واسترحتُ ثم أكملتُ. كان ينزف باستمرار. وصلنا إلى منزل عمي الذي يبعد عن منزلنا حوالي خمسين مترًا. [...] فجأة لاحظتُ أن يده اليسرى ترتجف بشدة. سألته إن كان يريدني أن أدلكه، لكنني رأيت حينها أنه قد مات. تحققتُ مرة أخرى ولم أكن مخطئة. لقد مات بين يدي.
سهاد الجمالي
بينما كنا جميعًا نائمين، تم قصف المنزل [...] قُتل ثلاثة من أفراد الأسرة في القصف [...] أصيب ابني محمد مرة أخرى ونُقل إلى المستشفى المعمداني في مدينة غزة [...] في الصباح، خرجت أنا وزوجي مبكرًا إلى مستشفى المعمداني وعندما رأيت ساق محمد اليسرى كانت سوداء. أخبرني الطبيب بأنهم سيبترون ساقه، لأن حالتها خطيرة جدًا. كانت أمام أعيننا جثث قتلى وقلت في نفسي الحمد لله أن محمدًا لم يُقتل.
خديجة العطار
في 18.3.25 تجددت الحرب وبدأ القصف مرة أخرى. أغلقت المعابر وبدأ نقص حاد في الغذاء. ارتفعت الأسعار بشكل كبير: وصل سعر كيس الطحين إلى 1,500 شيكل. لم يكن لدينا ما نشتريه. [...] نحن نعيش اليوم على ما تقدمه إدارة المخيم - نصف كيلو من الطحين مرة كل يومين. [...] بعد تجدد الحرب، توقفت العديد من "التكايا" عن العمل على الرغم من أنها كانت المصدر الرئيسي للغذاء للناس. ظل معظم الناس جائعين. لم نتلق وجبات مطبوخة منذ أكثر من شهر. نضطر إلى التسول للحصول على وجبة واحدة للأطفال في اليوم، وخاصة لنجاح.
فريال صافي. صورة قدمتها العائلة مشكورة
أرسل الجيش طائرة كوادكوبتر إلى داخل المنزل وأمرنا عبر مكبر الصوت برفع أيدينا. قامت طائرة الكوادكوبتر بتصويرنا. ثم دخل الجنود وأجبرونا على خلع ملابسنا [...] كما استخدم الجنود عبد الله [أحد أبنائي] كدرع بشري فأجبروه على القيام معهم بعملية تفتيش في المنزل وقاموا بتقييد أيدي الرجال الآخرين ثم بتقييد يديه واعتقاله هو أيضًا [...] أمرونا، نحن النساء - وتحت تهديد السلاح - بالمشي إلى جنوب القطاع على طول شاطئ البحر [...] بقينا نمشي طوال يومين [...] رأينا في الطريق عشرات الجثث - نساء، أطفال ورجال - ملقاة على الشاطئ والكلاب تنهشها. بعض الجثث كانت قد تحللت من ملوحة مياه البحر.
في 2.3.25 أغلقوا المعابر ومنعوا دخول المواد الغذائية. اختفت البضائع من السوق تدريجيًا ولم يعد من الممكن الآن شراء الطعام هنا ولا تتوفر أية مساعدات [...] استؤنفت الحرب في 18.3.25 وعدنا إلى العيش في ظل كابوس القتل والقصف والدمار والتهجير [...] لم تدخل المواد الغذائية إلى القطاع منذ أكثر من شهر ونصف الشهر [...] أتمكن أحياناً من الحصول على رغيف خبز واحد أو اثنين ونضطر إلى الاكتفاء بذلك. ننام جوعى ونستيقظ جوعى ومرعوبين من القصف وضجيج الطائرات.
نهى شحتو ـ فرج
كان الأطفال يلعبون مع زوجي بينما كان والداي وأخي حمزة وابن عمي محمد جالسين في غرفة الاستقبال وكنت أنا في المطبخ أعد القهوة والمعكرونة للأطفال. فجأة، وقع انفجار هائل. من شدة الانفجار انغلقت أذني وسقطت على الأرض. اعتقدت أن أسطوانة الغاز انفجرت. كان كل شيء من حولي يحترق. عندما صحوت، لم أجد أطفالي ولا بقية أفراد الأسرة. تم تدمير كل شيء. تم قصف المنزل بثلاثة صواريخ من الجو.. [...]نقلوني بسيارة إسعاف إلى مستشفى الشفاء. لم أكن أعرف أن الجثة الصغيرة التي كانت في سيارة الإسعاف هي جثة ابنتي جوري. في المستشفى فقط أخبروني أن كل من كان في المنزل قد قتل، باستثنائي أنا وعلي.
عبد الله شقورة. صورة قدمها هو مشكورًا
خلال هذه الحرب الشرسة عانينا من أشياء قاسية كثيرة: القتل، النزوح، الدمار والجوع. لكنّ الجوع الذي نعاني منه خلال الشهرين الأخيرين هو بمقاييس مختلفة. أغلِقت المعابر ومُنع إدخال البضائع إلى القطاع بشكل تامّ. هذه طريقة أخرى من طرق الحرب التي يستخدمها الجيش الإسرائيليّ ضدّ المدنيّين في القطاع: حرب التجويع. أولادي يتوسّلون إليّ أن أحضر لهم اللحم أو البيض وأنا أضطرّ أن أقول لهم إنّ هذه غير متوفرة وإنّني لا أستطيع. ما هي الجريمة التي ارتكبها أولادي؟ ولماذا يتمّ تجويعهم؟
كان ابني الصغير، عزّ الدين، يبكي كثيرًا ويردّد دائمًا "أنا جوعان". كان يذبحني سماع ذلك وكنتُ أبكي بسبب حالته، لكن هذا كان حال الجميع. شرحتُ له أنّ الجميع جائعون وليس في وسعي فعل أيّ شيء. [...] لم نحصل على قسائم لحزم الطعام لأنّنا كنّا في شقّة وليس في خيمة، ولذلك كان علينا أن ندفع أسعارًا مجنونة مقابل الطعام. أصيب اثنان من أولادي، ليان ومحمود، بالتهاب الكبد الفيروسيّ، ولم يكن لديهما أيّ علاج.
كنت حاملاً في الشهر التاسع وكان وزني 55 كغم فقط، لأنّني كنت أتناول وجبة واحدة فقط في اليوم - عدس، فول أو فلافل. عندما حان موعد الولادة وذهبت إلى المُستشفى لم يصدّق الأطبّاء أنّني حامل. كان وزن المولودة 2 كغم، بسبب قلّة الطعام.
رجاء عليّان
كنا جالسين نأكل فسمعنا انفجارًا في الشارع.. [...] كانت إيلياء تقف بجانبي. فجأة تعرض المنزل للقصف. انهار كل شيء وامتلأ بالدخان والغبار والأنقاض. قُتلت أمي ومرح وبيسان. أصبت أنا وإيلياء.. [...] أصيبت إيلياء بحروق من الدرجة الأولى والثانية في الوجه واليدين وإصابات في الرأس استدعت القُطَب. أصبتُ أنا بحروق من الدرجة الأولى في الوجه ومن الدرجة الثانية في الظهر واليدين. لم يتمكنوا من انتشال جثتي أختي بيسان وأمي ولا تزالان تحت الأنقاض. تم انتشال جثة أختي مرح بصعوبة، تحت إطلاق النار.
عمر أبو كويك. صورة قدمتها العائلة مشكورة
يعاني عمر كثيرًا منذ إصابته وفقدانه لعائلته. يختبئ طوال الوقت، لا يحب أن يراه أحد ويحاول إخفاء ذراعه المبتورة ووجهه [...] قُصف أفراد عائلته أمام عينيه دون أي ذنبٍ اقترفوه. سلبوا منه كل ما يمكن أن يجلب له السعادة في الحياة - أمه وأباه وأخته[...]. يقول لي: "لا أريد العودة إلى غزة. أريد البقاء هنا". إنه خائفٌ جدًا ولا يحب أن يتذكر ما حدث له.
 رزان بربخ
كانوا يُدخلون رزان إلى غرفة العمليات كل يوم لتنظيف الجروح وتغيير الضمادات ومع ذلك، أصيبت بتعفن الدم [...] بكيت عليها لأنني كنت أعرف أنها تعاني من آلام شديدة. ذات مرة قالت لي إنها ستموت وهذا حطم قلبي [...] لم تُجدِ مسكنات الألم نفعًا وكان جهازها الهضمي لا يعمل تقريبًا وكانت نسبة الأكسجين في دمها تنخفض باستمرار [...] أرادت أن تودعني وتودع والدها ولم ترفع عينيها عنا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وصمتت الأجهزة.
في 7.11.24 في ساعات الصباح، بينما كنت أنا وابني حمودة بالقرب من بوابة المدرسة وكنا على وشك الخروج للبحث عن الطعام، أطلقت طائرة بدون طيار صاروخاً علينا مباشرة وأُصِبنا نحن الاثنان بجروح خطيرة. بقينا مُلقيَن على الأرض لمدة ساعتين ولم تصل أي سيارة إسعاف لإخلائنا، بسبب القصف المكثف وصعوبة الحركة في المنطقة. بعد ساعتين، وبطريقة ما، تم إجلاؤنا على عربة "توك توك" إلى المستشفى الأهلي العربي.
مَلَك الشرفا
قصفت الطائرات منزلنا بينما كنا نائمين. جرّاء هذا القصف، قُتل أخي إبراهيم وزوجته سالي خضر صبحي ياسين وابنهما حمدي (عامان) وابنتهما الرضيعة ماسة (4 أشهر). تمزقت جثثهم أشلاء وتناثرت حتى أسطح المنازل المجاورة. أُصبتُ بجروح خطيرة في جميع أنحاء جسدي وفي بطني وخضعت لعدة عمليات جراحية. أُصيبت زوجتي أيضًا وجميع بناتي وأخي محمود وأفراد عائلته. [...] في التاسعة صباحًا، اضطر الأطباء لبتر ساق ابنتي مَلَك (5 أعوام)، لأن حالتها كانت خطيرة جدًا.
من اليمين: حنان ومِسك الدقي. صورة قدمتها العائلة مشكورة
أخشى اللحظة التي ستسألني فيها حنان ومِسك عن أرجلهما. ماذا سأجيبهما؟ عندما سأذهب لشراء أحذية لأطفالي، ماذا سأفعل مع حنان ومِسك عندما تسألانني لماذا لا أشتري لهما؟ إذا قالتا لي "نريد أن ألعب"، "نريد أن أرقص"، "نريد أن أركب دراجة" - بماذا يمكنني أن أجيبهما؟ [...] كيف ستتأقلمان مع الوضع الجديد؟ لقد فقدتا والدتهما وما كانت توفره لهما من الحب والحنان والأمان وفقدتا أيضًا أرجلهما، فلقدتا القدرة على الحركة واللعب. لقد ضاع كل شيء جميل في حياتهما. سُرقت طفولتهما. ما هي جريمتهما حتى يُدمّر عالمهما هكذا؟
قبل اندلاع الحرب بشهرين رمّمنا المنزل وغيّرنا أثاث الصّالون وغُرف الأولاد بمُناسبة نجاح ابنتنا نجاة في امتحانات التوجيهي وقُبولها في الجامعة. آنذاك أخذت قرضاً من البنك لكي أموّل الترميمات. قبل نحو شهر سمعت من معارفي وجيراني أن منزلنا قد دُمّر تماماً. يوم سمعنا ذلك كان يوماً أسود علينا جميعاً. أولادي بكوا لأنّ لديهم ذكريات كثيرة هُناك وأشياء كثيرة يحبّونها وقد تركوها وراءهم. أنا أصابني اكتئاب لأنّني أحسست أنّني رجعت إلى نقطة الصّفر وبتنا لا نملك شيئاً.
راسم نبهان. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً
في 28.12.23، قصف الجيش الإسرائيليّ المدرسة وأصيب صفّان دراسيّان كانا يؤويان عدداً من المهجرين. عندما دخلت إلى أحد الصفّين شاهدت نحو ثمانية شهداء وأشلاء جثث، وكان هناك أيضاً جرحى ودمٌ كثير. فجأة سمعت بكاءً وحين التفتّ رأيت طفلاً صغيراً، لا يتجاوز عُمره عدّة أشهُر. حملته وخرجت من الصفّ. شاهدت الناس يفرّون وهُم يبكون ويصرخون فزعاً. لم أعرف ما إذا كان والدا الطفل من بين الشهداء أو الجرحى. وقفت هناك وانتظرت أن يتوجّه إليّ أيّ كان، ولكن كلّ من خرج من الصفّ مرّ عنّي ولم يسألني أحد عن الطفل. أمر الجيش جميع الموجودين في المدرسة بإخلاء المكان والانتقال إلى جنوب قطاع غزّة فوراً. خرجت مع عائلتي من المدرسة وأخذنا معنا الطفل مجهول الهُويّة. أسميته حمودة.
بعض أفراد عائلة عامر السّلطان، الذين قُتلوا جرّاء قصف المنزل. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً
قالت أمّي: ها هي الحرب قد انتهت وأريد أن أفرح بك وبعروسك، وسوف أقيم لكما أجمل عُرس. لكن للأسف، في اليوم التالي حطّم الاحتلال جميع أحلامي، ومكان هذه الأمنيات خيّم حُزن وأسى ثقيلان. ففي يوم الأحد المُوافق 16.1.25، قصف الجيش الإسرائيلي منزلنا مباشرة، فاستشهد جميع من كانوا داخله: والدتي، أخي طارق، زوجته عُلا وأولادهما الثلاثة، محمد وريتال وأحمد الطفل الصّغير، وشقيقتي شيرين (43 عاماً) وولداها علاء (10 سنوات) وضياء (8 سنوات). كم كنت أمنّي نفسي بالعودة إلى جباليا والتقائهم بعد غيابي عنهم وعدم رؤيتي لهم طوال سنة، وأن أفرح معهم. لكنّ الاحتلال قتل هذا الحُلم أيضاً.
آية حسّونة السّوسي
طلب منّي ولداي أن يلعبا قرب والدهما فسمحت لهُما [...] سمعتهما يضحكان، وشاهدت زوجي ينظر إلى السّماء نحو طائرات الاستطلاع، وكان ممتعضاً من قوّة ضجيجها. فجأة سمعت دويّ انفجار هائل [...] التفتّ فوراً لكي أرى ما حالهم فلم أشاهد سوى دُخان أسود. صرخت "زوجي! أولادي!" وركضت نحوهم. وجدت رغد ابنتي مُلقاة على ظهرها وغارقة بدمائها. صرخت "رغد! رغد!". كنت مصدومة. بعد ذلك وجدت عبد الله، زوجي، وكانت ملابسه كأنّها فحم أسود. بعد ذلك رأيت ابني حمزة وكانت الدماء تغطي رأسه [...] فارقوا الحياة كلّهم.
خالتي نداء، التي كانت بجانبي، استُشهدت أمام ناظريّ. بقيت عالقة تحت الأنقاض طوال ساعة تقريباً، ثمّ أخرجوني وأخلوني إلى منزل الجيران. جاء معي والدي، الذي أصيب بشظايا في جميع أنحاء جسمه وخاصّة في الحوض. أخي أحمد انتُشل من بين الأنقاض قبلي، بعد مضيّ نصف ساعة على القصف، وأخلي إلى المستشفى بمُرافقة والدتي التي أصيبت بحُروق في يدها وشظايا وكدمات في جسمها، لكنّه فارق الحياة. عادت والدتي بعد نصف ساعة وقالت لنا إنّ أحمد قد استُشهد. [...] في ذلك اليوم انتشلوا أيضاً من بين الأنقاض جثث خالي وزوجته وخالاتي، وتمّ دفنهم بعد وقت قصير فلم ألق عليهم نظرة وداع. في ساعات المساء انتشلوا أيضاً جثة جدّي.
أولاد أسماء المصري الثلاثة الذين قُتلوا مع والدهم جرّاء قصف منزلهم في مخيّم البريج للّاجئين: ملك (16 عاماً)، مصطفى (17 عاماً) وسليمان (19 عاماً)
ظننت أنّ زوجي وأولادي جرحى لا أكثر، ولكن حين وصلت تبيّن لي أوّلاً انّ ولديّ سليمان ومصطفى استُشهدا وتمّ نقلهما إلى ثلّاجات الموتى. من شدّة الصّدمة لم أقدر على الذهاب لرؤيتهما. عندما سألت عن زوجي وعن ابنتي ملك قيل لي إنّهُما أيضاً استُشهدا، غير أنّ جثتيهما ممزّقتان ولا توجد سوى أشلاء. بقيت جثة زوجي في سيّارة الإسعاف طوال يومين إذ تعذّر وُصولها إلى المستشفى قبل انسحاب الجيش الإسرائيليّ من المنطقة.
كانت الأوضاع في سجن "عوفر" أصعب حتى من تلك التي في "سديه تيمان". الإهانات والضرب والإذلال والإهانة والركوع لفترات طويلة على الركبتين بينما اليدان فوق الرأس. شعرت وكأنني عبد. حقّق معي ضابط في "جهاز الأمن العام" (الشاباك). في طريقي إلى التحقيق، ضربني الجنود ضربًا مبرحًا. قال المحقق إن اسمه "كابتن جهنّم". كان الأمر جحيماً حقاً. كان يقول لنا "أهلًا بكم في جهنّم".
في الخيمة نعاني من البرد الشديد، ولا توجد لدينا وسائل تدفئة - لا يوجد كهرباء، ولا نملك المال لشراء الحطب فهو يُباع بأسعار باهظة. كذلك ليس لدينا ما يكفي من البطانيات والملابس الشتويّة. في اللّيالي تتجوّل بين الخيام قطعان الكلاب الضالّة وأولادي يخافون منها كثيراً. الحياة في الخيمة كانت صعبة بما يكفي أيضاً في الصّيف. بسبب الحرارة عانت زوجتي من صُداع مستديم طوال فصل الصّيف. وكنّا نعاني أيضاً من الحشرات والقوارض.
جمالات وادي
ذات مرّة، خلال فترة وقف إطلاق النار التي كانت في بداية الحرب، كنت عائدة من السّوق إلى المدرسة التي نزحنا إليها وإذ بي أرى محمد في المدرسة. كان قد وصل عبر حاجز "نتسريم". أخذت أصرخ بصوت عالٍ ثمّ عانقته وقبّلت رجله المُصابة. محمد عانقني بقوّة وراح يبكي. تلك كانت مفاجأة كبيرة جدّاً فأنا لم أكن أعلم هل سأحظى برؤيته مرّة أخرى. [...] في بداية شهر نيسان، فقدت الاتّصال مع محمد. جئت إلى المستشفى الأوروبيّ لكي أفحص ما الذي يجري معه ولكن لم أجده هُناك. شعرت بالاختناق وبكيت كثيرًا. [...] في مرحلة لاحقة أخبرني أحدهم أنّ محمد استُشهد.
عدنان القصّاص
قبل أن أغفو كانت رنا تُرضع عائشة وتتفقّدها. كانت عائشة بخير، وغفت معنا. حين استيقظنا، في السّادسة صباحاً، حملتُ عائشة فوجدتُها أشبه بكتلة ثلج - جسمها بارد ومتصلّب ولونه أزرق وعيناها مفتوحتان. كنت أحمل عائشة والصّدمة تلفّني، ولم تكن تتنفّس!
عصام صقر
أرضعت هديل عليّ وغيّرت ملابسه ثمّ نام، وكانت السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل. كان البرد شديداً في تلك اللّيلة. في الصّباح نهضت هديل باكراً وذهبت إلى المرحاض. عندما عادت تفقّدت الأولاد فوجدت عليّ متجمّداً من البرد. لم يكن يتنفّس وكان وجهه أزرق. أخذت هديل تصرخ وتناديني: "استيقظ! انظر إلى عليّ. وجدته متجمّداً، ووجهه أزرق!". أخذت بدوري أصرخ وأبكي. قلت "يا ألله! لا تأخذه منّي!".
[...] رأيت جثثًا تتطاير في فناء المدرسة [...] في البداية تجمدت من الصدمة، لم أكن قادرًا على الحركة على الإطلاق لعدة دقائق. عندما تعافيت قليلاً حاولت مساعدة الجرحى وإزالة الأنقاض من فوق الضحايا... قام الناس بإجلاء الجرحى والقتلى باستخدام سيارات خاصة وعربات تجرها الحمير. مما رأيته، أصيب معظم القتلى في الرأس والجزء العلوي من الجسم وأصيب العديد من الجرحى بحروق شديدة. جمعت مئات من أشلاء الجثث في هذه المذبحة.
أحمد الدلو
ألقيتُ بنفسي في النار وتمكنتُ من إخراج عبد الرحمن ورهف وفرح وزوجتي التي كانت نائمة بجانبها. رأيتُ النار تحرق جسد شعبان، الذي كان نائمًا على كرسي خشبي بجوار النقطة التي قُصفت مباشرة. رأيتُ وجهه يذوب من اللهب، كان مشهدًا مروّعًا. في تلك اللحظات، كنتُ في ذروة الهزيمة والانكسار وقلت له: "سامحني يا بني العزيز، لكنني لا أستطيع مساعدتك".
   ياسر أبو رُكبة قبل الحرب. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً
أشار الجنود نحو الطريق الذي علينا أن نسلكه، ولكن في الطريق كان قنّاصة يُطلقون النار عشوائيّاً، وقد أصابوا والدتي بجروح في رجلها، كما أصابوا امرأة أخرى من عائلة الشمالي وقتلوا اثنين من جيراننا - شخص مُسنّ ومُقعد على كُرسيّ عجلات من عائلة التالولي وشابّة من عائلة العجرمي. حملنا أمّي، أنا وبلال واحتمينا جميعاً داخل مخزن بقي صامداً في أحد المنازل التي تعرّضت للقصف هناك. قمنا أنا وبلال بتمزيق قميصينا وضمّدنا بهما رجل والدتنا لكي نوقف النزيف. في المخزن كنّا 13 شخصاً، وقد جلسنا هناك طوال اللّيل وكنّا نسمع دويّ الانفجارات جرّاء القصف الجوّي والمدفعيّ. بعد ذلك تسلّلنا إلى داخل المنازل المدمّرة في المنطقة، لكي نبحث عن طعام وأغطية، ولكن لم نجد شيئاً بين الأنقاض.
بسام العجوري، والد صفاء، وطفلاها زهير ووفاء. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.
في نهاية كانون الأول 2023 اختفت آثار شقيقي، ميسرة العجوري (30 عامًا). كان الاتصال مقطوعًا في تلك الفترة. انتظرنا يومين لكنه لم يعُد، انتظرنا أسبوعين ولم يعد ميسرة. بعد انسحاب الجيش من البلدة وعودة السكان، توجهنا إلى هناك للبحث عن ميسرة. لم نعثر عليه في صالون الحلاقة الخاص به. وعندما وصلنا إلى المنزل الذي كان يستأجره اكتشفنا أنه تعرض للقصف. نحن لا نعلم إن كان هناك وقت القصف. فتشنا أيضًا في المستشفيات وأبلغنا الصليب الأحمر لكننا لم نستطع الحصول على أية معلومة عنه.
أسامة القريناوي
فراق أختي لا يطاق، لكنني أتقبل قضاء الله. يبلغ أسامة من العمر اليوم تسعة أشهر ونصف الشهر. كانت أماني تطلب مني دائمًا أن أحافظ عليه وأعتني به وكأنها شعرت مسبقًا بأنها ستموت. كانت تقول لي دائمًا: "أنتِ من سيعتني به، لأنكِ تشبهينني". لقد كان كل شيء في حياة أماني وعندما قُتل والده حاولتْ أن تعوّضه. لا أعرف ما هو ذنب أسامة الذي حُكم عليه بأن يعيش ويكبر بدون أم وأب. لا يوجد أي مبرر لذلك. لقد قُتلا بدم بارد وبقي ابنهما يتيمًا. أنا حزينة وأشفق عليه وعلى أختي وزوجها اللذين انتظرا طفلاً لمدة 16 عامًا وعندما حصلا على أسامة أخيرًا، قُتلا على الفور وتركاه إلى الأبد.
من اليمين: معين عوض (10 أعوام) إلى جانب إخوته الثلاثة الذين قتلوا في القصف: أحمد (14 عاماً)، حسن (15 عاماً)، معتصم (5 أعوام). صورة قدمتها العائلة مشكورة
ابن أختي، معين، الناجي الوحيد من أسرته، ودّع والدته وإخوته بالدموع والبكاء الهستيريّ. صُدِم ولم يصدّق أنّهم رحلوا جميعًا وتركوه وحيدًا. معين الآن مُحطَّم، مكسور الجناح. يسأل باستمرار عن والدته وإخوته. يقول لي: "تركنا والدي. ثمّ تركتني أمّي وإخوتي. لماذا بقيتُ حيًّا؟". لم تكن لديّ كلمات لمواساته.
علي النويري مع زوجته إيناس الحاج يوسف وابنهما حسن (3 سنوات). الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
استيقظتُ لأجد نفسي بين كومة من الحجارة والركام. قبل ذلك، وأنا نائم، حلمتُ بأنّ صاروخًا سقط عليّ وأنا أمشي. في الحلم كان أبي وزوجتي وابني وأختي والكثير من الناس يسيرون أمامي. السماء لم تكن مثل السماء التي نعرفها. أوقفني شخصان يرتديان ملابس بيضاء في الحلم وقالا لي: "أنت لن تذهب معهم". توقّفتُ، وواصلت زوجتي وابني سيرهما. بعد بضعة أمتار توقّفا ولوّحا لي بأيديهما مودِّعين
عندما تمكنت من الخروج من خيمة المطبخ، بدأت أصرخ وأبحث عن أبنائي. رأيت جثث قتلى على الأرض وكانت ساحة المدرسة مليئة بالدماء. وجدت [ابني] نظير سليمًا معافى، لكنني خشيت أن يكون عبد الرحمن [ابني البكر] قد قتل لأنه كان في المنطقة التي قصفت. [...] ركضت مثل المجنونة إلى الشارع وتمكنت من اللحاق بسيارة الإسعاف التي كانت تنقله وركبت معه إلى المستشفى [...] في المستشفى، قرر الأطباء بتر ساق عبد الرحمن اليسرى من تحت الركبة [...]. 
كان والدي وأخي زيد (18 عامًا) في خيمة في ساحة المدرسة ينتظران وجبة الغداء عندما قصف الجيش الإسرائيلي المدرسة، فجأة. [...] نزلنا جميعًا إلى الساحة وبدأنا نبحث بجنون عن والدي وزيد بين الجثث الممزقة والجرحى، الذين فقد الكثير منهم أطرافهم. [...] عثرت على جثة أخي زيد، الذي أصيب في منطقة البطن. عندما رأيته، أصبت بهستيريا وبدأت بالصراخ. تجولت في الساحة حافية القدمين، على الرغم من أن الأرض كانت ملتهبة من القصف، ولم أكن أعرف ماذا أفعل. رأيت أعمامي، الذين هم أيضًا مهجّرون في المدرسة، يرفعون والدي ملفوفًا ببطانية، فأغمي علي.
أخذت طفلي الرضيع وأمسكت بأطفالي الثلاثة وبدأنا نركض نحو بوابة المدرسة، مع بقية المهجرين. هربنا جميعًا ونجونا. كانت أهوال ذلك اليوم أشبه بمشاهد يوم القيامة. كانت المدرسة موقعًا للخراب - دمار وحجارة وزجاج في كل مكان. في طريقنا للخروج، دسنا جثثًا، بعضها محترقة وأجزاء من الجثث ودسنا على جرحى ينزفون وقد بترت أطرافهم. كان هناك دم وجثث في كل مكان.

معين وعماد، طفلا جيهان سويلم ـ عويضة، اللذان قُتلا جراء القصف يوم 16.11.23. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.
في يوم الخميس الموافق 16.11.23 أعددنا طعام العشاء وجلسنا لنأكل. كان طفلي مُعين نائمًا في الغرفة المجاورة. عندما أنهينا الطعام - أنا وزوجي وابننا عماد وأخت زوجي، إلهام (33 عاماً)، دخلنا جميعاً إلى الغرفة التي ينام فيها مُعين. في تلك اللّحظة لم نسمع أصوات طائرات أو قصف، ولكن فجأة انهار البيت فوق رؤوسنا. [...] في اليوم التالي أخبروني بأنّ طفلي عماد قد استُشهد. بقيت عند طفلي مُعين أربعة أيّام حين كان في العناية المشدّدة. [...] فقدت مُعين في يوم 20.11.23.
رجاء الهربيطي
أمسكت بيد ابنتي ورفعتها وتوسلت إلى الجيش ألا يدهسنا نحن أيضًا، لكن الدبابة صعدت فوقنا أيضًا وسقطنا على الأرض. رفعت رأسي ويدي وكنت متأكدة أنني أحتضر. لم أستطع سماع محمد، لكنني تمكنت من رؤية أحمد الذي كان ظهره مليئًا بالدماء وزوجي الذي كان ينزف من كل جسده باستثناء وجهه. كانت يده اليسرى مبتورة. قال لي: "رجاء، حبيبتي، سامحيني". أجبته: "أنا أسامحك يا أكرم".
محمّد بهار. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
انقضّ الكلب على محمّد وعضّه في صدره. ذُعِر محمّد كثيرًا وبدأ يصرخ على الكلب: "روح! ابعد عنّي! ابعد!". لكنّ الكلب لم يبتعد عنه، بل أمسك به من ذراعه اليسرى، من تحت الكتف. [...] كان محمّد ينزف بشدّة من ذراعه. كان ذلك المشهد صعبًا للغاية ولم نتمكّن من فعل أيّ شيء من أجله. حاولنا أن نصرخ على الجنود بأنّنا مدنيّون، وبأن يُبعدوا الكلب عن محمّد، وبأنّ محمّد يعاني من إعاقة. ولكنهم لم يهتمّوا بنا.
تغطت السماء بالكامل بالغيوم والغبار والتراب. بدأ الناس يركضون في كل الاتجاهات. [...] بدأنا بإنقاذ الجرحى، قدر استطاعتنا. بعضهم بُترت أيديهم والبعض الآخر أرجلهم. كان هناك ما لا يقل عن 100 جريح. بعض الجرحى الذين أنقذناهم ماتوا بين أيدينا. عندما دخلنا لتفقد الخيام التي بقيت في المكان، رأينا أنها مليئة بالجثث، معظمها لنساء وأطفال.
نهاية جرادة
كان الأمر أشبه بأحداث يوم القيامة. دوي انفجارات رهيبة وكتل من النار والجحيم تهبط علينا والحجارة والأشجار والرمال تتطاير في كل اتجاه. اختلطت أصوات إطلاق النار من الطائرات بدون طيار مع صرخات المهجرين وكانت هناك جثث ممزقة وأشلاء لحم في كل مكان، جثث لأطفال ونساء ورجال. هربت أنا وإخوتي وجميع الناس من حولنا من هناك بخوف رهيب. أثناء الركض وضعت يدي على رأسي وكأنّ ذلك سيحميني إذا سقط صاروخ آخر [...]
بدا الأمر وكأنّ ملاك الموت بنفسه هو الذي كان يقود الطائرة بدون طيار وكان يريد التأكد شخصيًا من أنه قد تم إيقاع الضحايا كما ينبغي [...] شعرت بأنني في فيلم زومبي. رأيت أذرعًا مقطوعة بجانبي وتعثرت بساق مقطوعة وأعتقد أنني رأيت أيضًا جثة متفحمة لشخص بنصف وجه، أي أن رأسه قد انقسم إلى قسمين وبقيت عين واحدة وأذن واحدة ونصف أنف ونصف فم؛ لكنني لم أعد متأكدًا مما رأيته حقًا في لحظات الرعب الرهيبة تلك [...] كان الموت يلفّ كل شيء هناك. 
فادي بكر بعد بضعة أشهر من الإفراج عنه. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا.
أطفأوا سجائر في فمي وعلى جسمي، وربطوا بخصيتي لاقطات كانت موصولة بشيء ثقيل. استمرّ الأمر على هذا النحو يومًا كاملًا. تورّمت خصيتاي وكنت أنزف من أذني اليسرى. سُئلت عن قادة حماس وعن أشخاص لا أعرفهم ولم أقابلهم. سألوني أين كنت في يوم 7 تشرين الأوّل، وأجبت أنّني كنت في البيت ولم أخرج منه إلّا لإحضار الطعام لزوجتي. ضربوني. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الغرفة المجمّدة بالبرد ذات موسيقى الديسكو الصاخبة، وتركوني هناك عاريًا مرّة أخرى لمدّة يومين
خليل سكيك
طوال الطريق كانوا يضربوننا ضرباً مبرّحاً بالبنادق، ويدوسون عدّة مواضع في أجسادنا ويشتموننا. كان معهم أيضاً صواعق كهربائيّة هاجمونا بها في كلّ أنحاء الجسم. وصلنا إلى مركز اعتقال. لم أعرف في أيّ مكان هو ولا اسمه. عندما أنزلونا من الشاحنات أوقعوني أرضاً على وجهي. أصبت في الفكّ وأحسست أنّه كُسر، كما انخلع عدد من أسناني.
محمود البسيوني
كبّلوا أيدينا وعصبوا أعيننا ثمّ أدخلونا إلى بئر كبيرة وأبقونا فيها ستّ ساعات في الحرّ الشديد. في البداية ظننّا أنّهم سوف يهيلون علينا الرّمال ويدفنوننا أحياء. لكنّهم أخرجونا من البئر وأخذونا إلى مركز اعتقال لا أعرف أين يقع. استغرق السّفر إلى هناك نحو 4 ساعات، وكان الجنود يهينوننا ويشتموننا طوال الطريق.
ضياء الكحلوت
كان المحقّق يقول ويكرّر "أنت حماس"، "أنت قائد في حماس في شمال قطاع غزة"، و-"لدينا معلومات أنك مؤيّد لحماس". في هذه المرّة استخدموا "الشبح" أثناء التحقيق: ربطوني واقفاً على أطراف أصابعي ويداي ممدودتان إلى أعلى ومشدودتان إلى الخلف، وأبقوني هكذا طيلة ساعتين.
صافيناز اللّوح
صوّرت أشخاصاً يحملون أولادهم والدم ينزف منهم، شابّاً يحمل نصف جثّة شابّ آخر، نساءً يركضن في الشارع دون وعي وبلا غطاء رأس، أشخاصاً يقعون في الشارع لكثرة النيران والفوضى العارمة. أنا أيضاً وقعت أرضاً، ووقع بقربي شابّان آخران وامرأة. رأيت أطفالاً في الشارع دون عائلاتهم، وطفلاً مستشهداً ولا أحد قربه.
نبيل كحيل في المستشفى خلال فترة مرضه. صورة قدّمتها االعائلة مشكورة.
كان قسم الأطفال في المستشفى مليئاً. مرضى سرطان ومرضى يرقان وأمراض أخرى. كانت الممرّات تعجّ بالمرضى والجرحى ومرافقيهم. تعجز الكلمات عن وصف ما كان يجري هناك. طوال فترة علاج نبيل في مستشفيات القطاع لم يتلقّ أيّ علاج كيماويّ.
د. عدنان البُرش. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
اتّصل بنا طبيب من مستشفى العودة وأبلغنا بأنّ الجيش الإسرائيليّ أمر جميع الأطبّاء الذين فوق سنّ الأربعين بالخروج إلى ساحة المستشفى بملابسهم الداخليّة فقط. وقال إنّ عمّي عدنان نزل واعتُقل. [...] المعلومات الوحيدة التي كانت لديه هي أنّ عمّي عدنان موجود في سجن عوفر وبأنّه محتجز بموجب قانون المقاتلين غير القانونيّين. بعد ذلك أخبرنا أحد المُطلَق سراحهم من السجن بأنّ عمّي لم يكن في "تسريفيم" [معتقل "سديه تيمان"] بل في مركز اعتقال آخر. ثمّ، وقبل أن يتمّ إعلان ذلك في الأخبار، علم والدي أنّ عمّي عدنان توفّي في السجن.
د. خالد حمودة وابنته رزان، قبل الحرب. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
في السّاحة أجبرونا أن نسجد وأيدينا ما زالت مكبّلة وأعيننا معصوبة. بقينا هكذا نحو ساعتين. كان الجنود يضربون كلّ أسير يأتي بأيّة حركة. سألني أحد الجنود عن مهنتي وعندما قلت له إنّني طبيب جرّاح في المستشفى الإندونيسيّ انقضّ عليّ وركلني عدّة ركلات قويّة جدًّا.
محمّد وحسن العجلة
أنا في منتصف صلاة العشاء عندما سمعنا فجأةً انفجارًا قويًّا جدًّا. كلّ شيء أصبح مظلمًا، والغرفة امتلأت بالدخان وانهارت علينا. أصِبتُ في ظهري، وأصيبت ابنتي سلمى بجروح بالغة في رِجلها اليسرى، ودُفن ابني أحمد تحت الأنقاض. حضر سكّان من الحيّ وتمكّنوا من انتشالنا جميعًا وإخلائنا إلى مستشفى ش
شمس مهنّا. الصورة منها مشكورة
في أحد الأيّام أثناء الحصار على المستشفى كان خالي أمير وأولاده يجلسون بجانبنا. وكان ابنه كريم (3 سنوات) يجلس في حضنه عندما أصابته فجأة رصاصة في رأسه. أخذ ينزف، لكن لم يكن هناك أيّ طاقم طبّيّ. احتضنته والدته وضمّدنا رأسه بقطعة شاش ثمّ أخذه والده سيرًا على الأقدام، رغم الخطر القائم في الخارج، إلى عيادة الفاخورة التابعة للأونروا. في العيادة أخبروه بأنّ حالة كريم حرجة للغاية وبأنّ عليه أن ينقله إلى المستشفى المعمدانيّ في غزّة. لم يتمكّن من أخذه إلى المستشفى، وفي الساعة 18:00 توفّي كريم.
سامية عبد اللطيف عبد الغفور
في لحظة ما قالت ابنتي أفنان: "أبي، أين أبي!؟ لم يستيقظ!". سلّطت مصباح هاتفي على زوجي فوجدته مصاباً بشظايا في رأسه ويحتضر. أصيبت أيضاً ابنتي شيماء في رأسها وكانت في شبه غيبوبة. سلفتي إيمان (45 عاماً) كانت تصرخ "رجلي! رجلي!" وعندما حاولت أن أساعدها أطلقت نحونا قذيفة أخرى من دبّابة وقتلت بناتي الثلاث، أفنان وضُحى وشيماء وابني محمود، وابن أخي واسمه أيضاً محمود (19 عاماً)
ثمّ نادى الجنود علينا عبر مكبّرات الصوت للخروج إلى الشارع. أمروا الرجال بالوقوف ووجوههم نحو الحائط، وأجبرونا على خلع ملابسنا والبقاء بالملابس الداخليّة. كنّا هناك ما يقرب من 300 شخص، عراة. أجبرونا على الركوع، وكبّلوا أيدينا وأرجلنا بأصفاد بلاستيكيّة. أبقونا هكذا لمدّة أربع ساعات، وطوال الوقت كانوا يشتموننا ويلعنون أمّهاتنا. ضربونا بأسلحتهم على الرأس وعلى سائر أعضاء الجسم، وركلونا على الوجوه بأحذيتهم العسكريّة. أخذ دمي ينزف بسبب تلك الركلات.
حتّى الحرب كنتُ أسكن أنا وزوجي وأولادنا التسعة في حيّ تل الزعتر في مخيّم جباليا للّاجئين. لكن منذ 7 تشرين الأوّل أصبح المخيّم ساحة معركة. في كلّ مكان كان هناك قصف وقتلى. قُصفت العائلات في بيوتها، من أطفال وشيوخ ونساء. كما قُصفت مدارس الأونروا التي أصبحت مخيّمات للنازحين. أمرنا الجيش الإسرائيليّ بالانتقال إلى أماكن كان من المفترض بها أن تكون آمنة، ثمّ قصفَها. لم يبقَ أيّ مكان آمن هنا في شمال القطاع.
ملَك الحتّو. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في 16.11.23، قرابة الساعة 2:00 ليلًا، استيقظتُ وسمعتُ زوجي يصرخ ويناديني. سمعتُه يقول إنّهم قصفوا المحطّة. كنتُ مصدومة لأنّني لم أسمع القصف. كلّ ما رأيته حولي هو النار والغبار. سمعتُ أصوات ناس لكنّي لم أرهم. لم أستطع المشي فحملوني وأخذوني إلى سيّارة الإسعاف. عندما كنتُ في سيّارة الإسعاف أبلغني المسعفون بأنّ أولادي بخير باستثناء ملَك. قالوا لي إنّها قُتلت، فبكيتُ وصرختُ. نقلونا إلى مستشفى شهداء الأقصى. في الطريق حاولتُ الاستفسار عمَّن بقي على قيد الحياة وعمَّن مات. كان هناك 13 قتيلًا إضافة إلى مصابين كثيرين.
سفيان أبو صلاح
عندما وصلت إلى المستشفى سمعتهم يقولون إنّه "شيبا" في "تل هشومير". جاء طبيب مختصّ بالأوعية الدمويّة وقال لي: "يجب أن نقطع رجلك، وينبغي علينا أن نستشير طبيبًا مختصًّا بالعظام"، وكان الجنود يتضاحكون ويتهكّمون عليّ: "اقطعوا له رجله". [...] عندما جاء طبيب العظام وفحصني قال لي: "عليك أن تختار: رجلك أو حياتك. يجب أن تقرّر". كان ذلك أصعب قرار اتّخذتُه في حياتي كلّها. أن أختار وأقرّر قطع رجلي. كنت مصدومًا، خاصّة وأنّني وحيد ولا أحد بجانبي من أفراد الأسرة لكي أستشيره.
دخلت إلى خيمتنا فوجدت كلّ من فيها قد أصيب أو استُشهد. أخواتي الثلاث، أفنان (16 عامًا) وشيماء (15 عامًا) وضُحى (13 عامًا)، وأخي محمود (16 عامًا)، وابن عمّي محمود (19 عامًا) الذي حاول استدعاء الإسعاف من قبل – جميعهم استُشهدوا. زوجة عمّي أصيبت في رجلها، وابنها أحمد (15 عامًا) أصيب في فخذه اليمنى. كان المنظر مُرعبًا، حتى أنّني تمالكت نفسي بصُعوبة لكي لا أنهار. لم أستطع إسعاف الجرحى لأنّني خشيت أن يقصفونا مرّة أخرى، فاضطُررت أن أتركهم.
الاء الكرد عابنها كريم
قرّر الأطبّاء بتْر رِجلي. قالوا إنّه بدون ذلك سيحصل لديّ إنتان (تعفُّن الدم) وقد أموت. واكتشفوا أيضًا أنّ نسبة السكّر في دمي غير متوازنة، ولذلك ربّما كنتُ أشعر بالعطش طوال الوقت. خضعتُ لعمليّة جراحيّة مرّة أخرى وعندما استيقظتُ لم يكن لديّ رِجل. كان ذلك شعورًا قاسيًا جدًّا، لا يمكنني وصفه. بعد البتر كان الممرّضون يبدّلون لي الضمّادة كلّ يوم بدون تخدير، لعدم وجود مخدِّر طبّيّ. كنتُ أصرخ من الأوجاع.
آمال رفعت الكرد
ابني يوسف التفّت ستارة حول رقبته. بدأ يختنق وساعدتُه على إزالتها لكي يتمكّن من التنفّس. كان كريم، ابن آلاء، بجانبي. كان رأسه مغطّى بالدم وكان فاقدًا الوعي. حاولتُ إيقاظه. كان هاتفي معي فاتّصلتُ بحماتي وأخبرتُها بأنّ المنزل تعرّض للقصف وبأنّنا تحت الأنقاض. أنا لم أصب بأذى والحمد لله. ناديتُ على بشرى ولم أسمع صوتها. سمعتُ صوت ابني يوسف للحظة ثمّ لم أعد أسمعه
كان وجهي أزرق وكان جسمي كلّه منتفخًا. عانيتُ من آلام شديدة جدًّا، وشعرتُ بأنّ يدي اليمنى ورِجلي اليمنى قد انقطعتا. نقلوني بسيّارة إسعاف إلى مستشفى يوسف النجّار في رفح، وطوال الطريق كنتُ أنادي على أولادي، وأخبرتُهم بأنّ أولادي تحت الأنقاض. عندما وصلتُ إلى المستشفى وجدتُ إخوتي هناك، وسألتُ مرارًا وتكرارًا عن أولادي. قالوا لي جميعًا إنّ الأولاد على قيد الحياة وإنّهم سوف ينقذونهم، كما أنقذوني. لم يتمّ إبلاغي إلّا في وقت لاحق من ذلك اليوم بأنّ زوجي وأولادي وصهريّ شادي وأسامة وأبناء عائلة أسامة قد قُتلوا جميعًا.
يُمنى الريفي
قُتلت مرام بعد قتل طفلتها الصغيرة بنحو عشرة أيّام، ودُفنت دون أن نتمكّن من توديعها. تزوّجتْ قبل الحرب بنحو سنة ونصف السنة. كانت خرّيجة إدارة أعمال وعملت في هذا المجال. كانت إنسانة مفعمة بالحياة، ذات مزاج حلو وضحكة جميلة. كانت في منتهى السعادة عندما وُلدتْ يُمنى. أعدَّتْ لها غرفة جميلة وأقامتْ حفلة.
شيماء أبو جياب - أبو فول
كان ذلك في الليل. أصعدونا إلى ناقلة جند مدرَّعة. قيَّدوا أرجلنا بالأصفاد أيضًا، لكنّهم لم يغطّوا أعيننا. شعرتُ بألم شديد بسبب الأصفاد. أحضرونا إلى مبنى كان فيه جنود. أعتقد أنّ ذلك كان لا يزال في خان يونس. غطّوا عينيّ بقطعة قماش وسمعتُهم يأمرون الشباب بخلع ثيابهم. بعد ذلك ضربوني ببندقيّة على رقبتي ورأسي، وضربوا الشباب أيضًا – سمعتُهم يصرخون من الألم.
أحسست أنّني مشلولة. لاحقاً علمت أنّ رصاصة أصابتني في العُنق وأخرى في الظهر. حاولت محاسن مراراً أن تجرّني. بعد مضيّ نصف ساعة جاءت ابنتي ملك ترفع راية بيضاء، وحاولت هي أيضاً حمايتي بجسمها. من بعدها جاءت فاطمة ابنة عمّي (42 عاماً)، وكانت ترفع راية بيضاء هي أيضاً.
وفاء الكرد- عيسى
كان المستشفى الذي أنجبتُ فيه ابنتي مدمَّرًا، وكانت المنازل المحيطة به مدمّرة. العلاج في المستشفى كان محدودًا جدًّا، لكن الحمد لله فقد أنجبتُ تيماء بسهولة وعدتُ إلى المنزل في اليوم نفسه. ولدت تيماء صغيرة الحجم، أقلّ من ثلاثة كيلوغرامات. لم يكن لديّ ما آكله بعد الولادة أيضًا، ولم يكن لديّ ما يكفي من الحليب لإرضاعها، ولم أجد أيضًا بدائل الحليب لتكملة نظامها الغذائيّ. خفتُ جدًّا عليها.
سحبتُ والدي بصعوبة بالغة من رِجليه وأبعدتُه عن نطاق النار. أصيب بثلاث رصاصات، واحدة في الصدر وأخرى في البطن. أمّا الإصابة الثالثة، وهي الأشدّ، فكانت في الخاصرة اليُسرى. انكشفت أمعاؤه. أحضرتُ قطعة قماش نظيفة ووضعتُها على الجرح. طلب منّي أن أتركه، وكأنّه كان يعلم بأنّه سيموت ولا سبيل لإنقاذه.
كان زوجي بائع خضروات وكنّا نعتاش من القليل الذي يتمكّن من بيعه من حين إلى آخر. في 2.11.23 خرج زوجي مع ابن عمّه زكي الرّيفي وأشخاص آخرين لكي يحاولوا بيع الخضار فنتمكّن من شراء احتياجاتنا وخاصّة حفاضات لماهر. حاولت أن أقنعه بعدم الخروج لأنّني كنت خائفة حيث القصف مستمرّ من حولنا، لكنّه أصرّ على الخروج وقال إنّهم مدنيّون ولا يشكّلون خطراً على أحد. بعد 20 دقيقة عاد زكي مُصاباً بجروح خطيرة وقال إنّ زوجي قد استُشهد.
رامي أبو راس
تساءلتُ أيضًا لماذا اعتقلوني، ولماذا لا يزالون يحتجزونني، وماذا سيحدث لي هنا، ومتى سيطلقون سراحي؟ فكّرتُ في وضعي الصعب، خصوصًا في الظلمة التي انغمستُ فيها وأنا معصوب العينين، دون أن أرى شيئًا، والبرد القارس والرياح الشديدة. تجمّدتُ من الصقيع وكنتُ جائعًا وعطشانَ طوال الوقت.
نادية الحلو
أخذوني إلى قفص حديديّ وأبقوني داخله طيلة 11 يوماً ويداي مكبّلتان، وكانت معي معتقلات أخريات. كانوا يجلبون لنا طعاماً بكميّة قليلة جدّاً، وحتى هذه الكميّة بالكاد كنت آكلها، لكي أتجنّب دخول المرحاض - لأنّه كان بعيداً ولا توجد فيه حنفيّة أي. من كانت في دورتها الشهريّة حصلت على فوطة صحيّة واحدة فقط. في المرحاض كنّا نساعد بعضنا البعض. لم يكن هناك حمّام. طوال الوقت كان من حولنا جنديّات وجنود يمنعوننا طوال الوقت من النوم. كانوا يُشعلون الأضواء ويشغّلون مكبّرات الصّوت، يأكلون أمامنا ويشتموننا.
هديل الدحدوح-ظاظا
وضعوني في حفرة في الأرض. عندما كنتُ في داخلها، مع جميع المعتقلين الآخرين، أمرني الجنود بخلع الحجاب. قال لي أحدهم: "أنا قتلتُ زوجك وأريد أن أقبركما وأنتما حيّان، حتّى تأكلكما الكلاب". بعد نحو نصف ساعة أخرجونا من الحفرة وأصعدونا إلى شاحنة. كان هنالك رجال ملتصقين بي تمامًا. في تلك المرحلة اعتقدتُ أنّ زوجي قد قُتل فعلاً. بعد إطلاق سراحي رأيتُ أنّهم صوّرونا في الشاحنة.
نبيلة مقداد
أخرجونا من القفص وجرّونا إلى الحافلة كما يجرّون الحيوانات. سافرنا، وطوال الطريق كلّه منعتنا الجنديّات اللواتي كنّ يحرسننا من رفع رؤوسنا، وشتمننا وضربننا على أيدينا وصوّرونا. بعد بعض الوقت توقّفت الحافلة، أنزلننا، وسألن كلّ واحدة عن اسمها وصوّرنها. أمسكتْنا إحدى الجنديّات برؤوسنا أيضًا وأمرتنا بتقبيل العلم الإسرائيليّ. وخبطت جنديّة أخرى رأسي بجانب الحافلة بعنف.
فاطمة بكر
نحن في الخيمة تسعة أنفار، بدون ماء ولا كهرباء ولا دواء، وبدون طعام تقريباً. نشعر أنّ حياتنا تحوّلت إلى ما يشبه الكارثة. نحن عالقون هنا في الصحراء وفي ظروف لا تليق ببني البشر. من الصّعب الحصول على مياه صالحة للشرب وحتى مياه للتنظيف. لا توجد أيّة إمكانيّة للاستحمام، كما أنّنا لا نغسل ملابسنا. نعاني من البرد الشديد إذ لا نملك ملابس دافئة. الحشرات في كلّ مكان - بعوض وذباب، وزواحف أيضاَ. جميعنا فقدنا الكثير من وزننا ونشعر بالوهن والإرهاق طوال الوقت. نكاد لا ننام في اللّيالي.
هالة عبيد
علمتُ من أقاربي بأنّ الجيش الإسرائيليّ اقتحم حيّ الزيتون، حيث بقي زوجي. وقالوا إنّه انتقل للسكن لدى عمّه سمير، وإنّ الجنود اقتحموا المنزل هناك واعتقلوا سمير وسبعة من أبنائه وكذلك زوجي شادي. حتّى أمس لم أسمع أيّ شيء جديد من شادي. ثمّ اتّصل بي واحد من أبناء عمّ زوجي، جواد (17 عامًا)، والذي كان قد اعتُقِل وأطلِق سراحه أمس، وأخبرني بأنّه في يوم الاعتقال قام الجنود بإخراج جميع الرجال من المنزل وأمروهم بخلع ملابسهم، وبأنّهم أمروا جميع النساء بالذهاب جنوبًا. وأخبرني بأنّهم قيّدوا أيدي جميع الرجال بالأصفاد خلف ظهورهم، وعصبوا أعينهم بقطعة قماش، وضربوهم وسكبوا عليهم ماء باردًا. كان زوجي لا يزال مصابًا، وقال جواد إنّ الجنود ضربوه هو أيضًا.
فقدتُ أبناء عمّي وجاري، وجميعهم أصدقائي، وكلّ ذلك فقط من أجل الحصول على قليل من الطحين والمعلّبات، بعد أشهر من المجاعة. المجاعة هنا حقيقيّة ومُدقعة، وليس لدينا أيّة طريقة أخرى للحصول على طعام. نحن نذهب ونخاطر، لأنّ ذلك هو الخيار الوحيد، لكن عندما تذهبُ إلى هناك فأنتَ لا تعلم ما إذا كنتَ ستعود أم لا. الآن، لا أعرف ما إذا كنتُ سأقدر أن أذهب إلى هناك مرّة أخرى. من ناحية أخرى، عندما ينفد الطحين عندنا في المنزل فلن يكون لديّ أيّ خيار، على الرغم من الخطر.
جوليا
كنت مع حفيديّ جوليا ومجد على الشرفة وكان بقية أفراد العائلة في داخل الشقّة يستعدّون لوجبة الغداء. فجأة شعرت بجسمي يطير في الهواء ثمّ وقعت أرضاً. كذلك تهاوى كلّ من جوليا ومجد على الشرفة وامتلأ المكان بالغبار والركام. كذلك انتشر دخان كثير وشممت رائحة حريق. شعرت أنّ كتفي قد خُلعت ولم أقدر على الحركة أو النهوض. بعد ذلك شعرت بأنّ البناية تنهار تحتي حتى أصبح الطابق الثالث في مستوى الطابق الأوّل.
شريف الكفارنة
دفنّا يزن في اليوم نفسه هنا في المقبرة في رفح. خسارته فظيعة. أنظر إلى الفرشة التي كان ينام عليها هنا حتّى دخوله إلى المستشفى ولا أشعر إلّا بالأسى والحزن العميق. حاولتُ دائمًا أن أوفّر ليزن كلّ شيء يحتاج إليه وأن أعتني به، لكنّ الظروف هنا صعبة جدًّا الآن لدرجة أنّه لم يعد لديّ ما أقدّمه له. قتله الجوع الفتّاك الذي يسود هنا الآن.
 سامي الحداد
تتحدّث ألما دون توقّف عن عائلتها، إخوتها وأختها. تحكي كيف رأت أخاها تحت الأنقاض. وظلّت طوال الوقت تطلب أن تعود إلى هناك للبحث عن أفراد عائلتها تحت الأنقاض. شرحنا لها أنّه لم يعد هنالك مكان يمكن العودة إليه، حتّى أنّني أخذتُها إلى مكان يمكن منه رؤية شمال القطاع من بعيد لكي ترى الدمار وتفهم أنّه من المستحيل العودة إلى هناك حاليًّا.
אחמד אבו פול. התמונה באדיבותו
أزحنا بأيدينا حطام المبنى الذي كان على جثث أفراد عائلتي. نفّذنا كلّ العمل يدويًّا وبمساعدة بعض المعدّات الخفيفة. في النهاية تمكّنا من انتشال جثث محمّد وزوجتي إسلام وأبي وشقيقتَيَّ وعمّتي. فعلتُ ذلك بأعصاب مُخدَّرة. فلم يعدْ لديّ أيّ مشاعر، ومكَّنني ذلك من انتشالهم جميعًا. بعد ذلك دفنتُهم الواحدَ بجانب الآخر في مقبرة الفالوجة في مخيّم جباليا.
إبراهيم حسّونة
منذ ذلك الحين وأنا وحدي في هذا العالم. فقدتُ عائلتي. ليس لديّ منزل ولا مستقبل. أنا أبكي كلّ يوم. أذهب للنوم وأستيقظ وحيدًا وتائهًا. عدتُ من تركيّا قبل شهر من بدء الحرب، بسبب عائلتي، لأنّ والدتي كانت تريد بشدّة أن أتزوّج. رجونا أن تنتهي الحرب ونعود إلى حياتنا، لكنّهم قتلوا أمّي وأبي وجميع أفراد عائلتي الآخرين. قتلوا الجميع. وهكذا أصبحتُ يتيمًا ووحيدًا. حياتي الآن سوداء. لا أعتقد بأنّني سأتغلّب على هذه الصدمة ذات يوم.
حازم المدهون
بقيت دون أسرتي. كانت حياتنا الأسَريّة في بدايتها وعشنا معاً حياة سعيدة كأسرة. في 13 تشرين الأوّل احتفلنا بعيد زواجنا الأوّل. من هذا كلّه لم يتبقّ لي سوى خاتما زواجنا، وأنا أحتفظ بهما. الآن لا أملك أيّة ذكرى حيث فقدت الصّور والفيديوهات جميعها. ملابسنا وأغراض زوجتي وابنتي جميعها اندثرت. منزلي في غزّة سُوّي بالأرض خلال القصف. لقد قُصف المنزل قبل أن أغادر غزّة بيوم واحد. جميع ذكرياتي مع أسرتي ضاعت إلى الأبد.

شادي فطاير
سمعنا انفجاراً قويّاً وانهار علينا سقف المبنى وأعمدته. كان المكان مظلماً ومليئاً بالغبار. كانت حنان لا زال تمسك بيدي عندما وقعت عليها كتلة من الباطون ولم أعد أستطيع أن أتحرك. صرخت أنادي الأولاد فلم يُجبني منهُم سوى إبراهيم. قال: "أبي أنا على وشك أن أموت" فطلبت منه أن يتلو الشهادتين. صرخت مستغيثاً، لعلّ أحدهُم يسمعني ويُنقذ زوجتي والأولاد. ناديت حنان ولكنّها لم تردّ.
خميس الأعرج
لم أستحمّ منذ عشرة أيّام إذ لا نجد الماء دائماً، وعندما نجده نحتفظ به لتنظيف المراحيض. حاوية المياه من سعة 6 لتر ثمنها 5 ش.ج.، وليتها مياه تصلح للشرب حقّاً. هذا مبلغ باهظ بالنسبة لنا. ابني يوسف (17 عاماً) يمشي مسافة كيلومتر تقريباً لكي يصل إلى المكان الذي يملؤون فيه الماء، وينتظر ساعات في الطابور لكي يملأ حاويتين ندفع ثمنهما من جيبنا. نستخدم إحداهما للشرب، رغم أنّها ليست مياهاً نظيفة، ونستخدم الثانية للاغتسال. أولادنا ما زالوا يرتدون الملابس نفسها التي كانوا يرتدونها عندما خرجنا من منزلنا. لا يوجد لدينا ما يكفي من المياه لكي نغسلها.
إبراهيم الغندور. الصورة قدمها الشاهد مشكوراً
بسبب الجوع بالكاد تستطيع زوجتي إرضاع طفلنا يامن (9 أشهُر)، كما لا يمكن العثور على بدائل الحليب في أيّ مكان. منذ فترة تمكّنا من شراء كيلو تمر بـ40 ش.ج. وهذا ما يُبقينا على قيد الحياة. نحن نقتات ممّا نستطيع الحصول عليه. القليل من الأرزّ، القليل من الذرة المطحونة وأيضاً الشعير، وهُما في الأصل مخصّصان لإطعام الدّواجن. ناهيك عن أنّ أسعار الشعير أضحت جنونيّة، والآن حتى الشعير قد نفد وبدأ الناس يطحنون حبوب إطعام العصافير والأرانب، وهذه أيضاً متوفّرة بكميّات قليلة. لم يعد هناك غذاء للبشر ولا للحيوانات.
آمنة المصري
أنا مشتاقة لأيّامنا السّابقة قبل الحرب ودون كلّ هذا القصف والقتل. لقد تعبنا. نحن محطّمون وقد انهدّ حيلنا. في إحدى الغارات فقدت الكثير من أفراد عائلتي، وقد نجا والداي بأعجوبة. الآن من المحتمل أن يقتحم الجيش رفح ويطردنا من هنا أيضاً. لا أعرف إلى أين يمكننا الفرار بعد. لقد اقتُلعنا ونزحنا أربع مرّات ولا أدري أيّ مصير ينتظرنا. جميع المناطق في قطاع غزّة خطيرة ولا يوجد بعد أيّ مكان آمن. أتمنّى أن تنتهي هذه الحرب، أن لا يقتحموا رفح، وأن يوقفوا ذبحنا هنا.
عبد القادر طافش في رفح. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 7.2.24
كانت يداي مكبّلتين بقيود حديديّة ليلاً ونهاراً، وأحياناً كانوا يضعون القيود في رجليّ أيضاً. من حين إلى آخر كانوا يعلّقونني من إحدى يديّ ويُبقونني هكذا 3-4 ساعات، إلى أن يُغمى عليّ. لم أستطع تحريك يدي الثانية، ربّما لأنّ كتفي كُسرت من كثرة الضرب عندما خرجت قطعة البلاتين. [...] أخذوني نحو 5-6 مرّات إلى غرفة التحقيق حيث كانوا يسألونني عن أصدقائي وجيراني وإن كنت قد اجتزت تدريبات عسكريّة. للأكل، أعطونا فقط كسرات خبز وخيارة وقطعة صغيرة من الجبن وأحياناً قليلاً من التونة وقليلاً من المياه للشرب.
أحمد أبو عِيدَه. تصوير: ألف الكُرد، بتسيلم، 30.1.24
أخذت تنتابني حالات إسهال وقيء وأصبح جسمي واهناً. قبل شهر تقريباً أصابني انتفاخ وآلام في البطن، وكذلك خدر في أنحاء مختلفة من جسمي. صرت أقيء كلّ ما يدخل جسمي من طعام، حتى الماء الذي أشربه. بعد أن استمرّ ذلك أسبوعين ذهبت إلى المستشفى الكويتي هنا في رفح وتبيّن في الفحوصات أنّني أصبت باليرَقان. قال لي الطبيب إنّ سبب ذلك قلّة النظافة ونصحني بالحرص على النظافة وتناوُل طعام صحّيّ. قال أيضاً إنّه لا يوجد علاج وإنّ الأعراض سوف تتلاشى من تلقاء نفسها إذا اتّبعت التعليمات.
محمّد أبو مرسة في مخيّم النازحين في رفح. تصوير: محمّد صبّاح، بتسيلم، 25.1.24
أصعدوني ثانيةً إلى سيّارة الجيب مع شبان آخرين ونقلونا إلى مبنى كبير أرضيّته خشنة كالأسفلت وسقفه من الصفيح. كان المبنى مفتوحًا من الجوانب وكان الجوّ باردًا جدًّا جدًّا هناك. كان هناك شبان كثيرون وعندما وصلنا عصبوا أعيننا وأمرونا بالركوع على ركبنا. سُجنت هناك لمدّة 35 يومًا وخلال تلك الفترة كلّها منعونا من التحرّك أو التحدّث مع بعضنا البعض. كنا نأكل وننام ونحن مقيَّدين ومعصوبي الأعين، وهكذا أيضًل كانوا يأخذوننا إلى المرحاض.
محمود أبو قادوس. تصوير:  محمد صباح، بتسيلم، 23.1.24
في كلّ يوم، من الخامسة صباحاً وحتى المساء، كان الجنود يأمروننا بأن نجلس راكعين على رُكبنا. كنّا نأكل ونشرب وأيدينا مقيّدة إلى الأمام. وإذا التفتنا جانباً أو حتى تكلّمنا مع بعضنا البعض، كان عقابنا الوقوف واليدان مرفوعتان إلى أعلى طوال ثلاث ساعات تقريباً. إضافة إلى ذلك، كانوا يمنعون عنّا استخدام المراحيض عندما نطلب، ولم يسمحوا لنا بأداء الصّلاة في جميع الأوقات.
رامي رياض أبو ضلفة
طوال رحلتنا هذه كان الأولاد يبكون من الجوع والعطش والخوف من مشاهد الجثث في الشوارع. مشينا حتى وصلنا الحاجز العسكريّ في جنوب حيّ الزيتون، مع أناس آخرين كثيرين كانوا يرفعون رايات بيضاء. عندما وصلنا إلى الحاجز أخذ الجنود يشتموننا عبر مكبّرات الصّوت: "امشوا يا حيوانات". واصلنا السّير حتى مدخل مخيّم النصيرات للّاجئين. كنت أعاني طوال الطريق من آلام شديدة في الرّجلين، لأنّني أعاني من انزلاق غُضروفيّ وقد خضعت لعمليّة جراحيّة قبل الحرب بشهرين.
ماجد السطّري في منزله. تصوير: محمد صباح، بتسيلم،  19.1.24
كان ينبغي أن أعود إلى "تل هشومير" في 8.10.23 لكي أخضع لعلاج بيولوجيّ طوال 30 يوماً بهدف منع عودة المرض، وأيضاً لإجراء زرع مفصل الحوض في 10.10.23. عندئذٍ وقع هجوم حماس واندلعت الحرب. كان يُفترض أن أتلقّى العلاج البيولوجي في المستشفى طيلة 30 يوماً، حبّتان كلّ يوم، لمنع عودة المرض. منذ ذلك الحين لم أتمكّن من العودة إلى المستشفى ولم أتلقّ العلاج، فهو لا يتوفّر في قطاع غزّة. منذ ذلك الوقت أعاني من توتّر نفسيّ وضيق مستمرّ وخوف من عودة المرض. لا أخضع لأيّة متابعة طبيّة، لا أتلقّى أيّ علاج ولا أستطيع الوصول إلى المستشفى. أنا أيضاً أفتقد كثيراً الدّعم النفسي الذي كنت أتلقّاه في "تل هشومير".
عصبت المجندات عينيّ بقطعة قماش وقيّدن يديّ من الأمام بأصفاد بلاستيكيّة بيضاء. كنّا ستّ فتيات هناك. كانت إحدى الصبايا تعاني من آلام. طلب منّي الجنود أن أترجم ما كانت تقوله إلى الإنجليزيّة، فترجمتُ لهم أنّها تعتقد أنّها أجهضت طفلها. قال أحد الجنود Oh My God. دخلتْ طبيبة وغطّتها ببطانيّة وقالوا لها أن تنتعل حذاءً لكي تخفّف من شعورها بالبرد. طلب منّا الجنود أن ننام، لكنّ الجوّ كان باردًا جدًّا وتمدّدنا مقيّدات بالأصفاد على الحجارة، لذلك لم نتمكّن من النوم حقًّا.
سامي عوض الله بكر
استمرّ القصف واشتدّ أكثر فخشيت على أدهم [ابني] وذياب [ابن أخي] وخرجت أبحث عنهما، لكنّني أصبت في الطريق بنيران أطلقتها طائرة استطلاع إسرائيليّة. سمعت أدهم وذياب يصرُخان مُستنجدين ولكن لأنّ القصف كان شديداً لم أستطع الوصول إليهما، رغم أنّهما كانا على بُعد نحو خمسة أمتار.
منذ أن بدأت الحرب قلّ حليبي ولم أعد قادرة على إرضاع ألما، بالمرة تقريباً. اضطررت إلى إحضار حليب صناعيّ وإعطائها زجاجتين أو وجبتين في اليوم. في البداية تدبّرت أمرها مع الحليب الصناعي، ولكن لاحقاً لم يعد بالإمكان الحصول على هذا النوع المحدد، وعندما أحضرنا لها نوعاً آخر كان مفعوله عليها سيّئاً [...] هي تعاني السّعال والإسهال والقيء وترتفع درجة حرارتها من حين إلى آخر. في عيادة الهلال الأحمر في خان يونس أعطوها دواءً مضادّاً للقيء لكنّه لم يُساعدها فعليّاً. أوصى الطبيب بنوع آخر من الحليب وقد جرّبته لكنّها واصلت التقيؤ.
وسام القاعود في مخيّم النازحين في خان يونس. تصوير: ألفت الكُرد، 5.1.24
قبل بضعة أيّام أخذت وسام إلى الطبيب هنا في المخيّم فقال إنّه يحتاج إلى جهاز استنشاق ووصف لي ثمانية بخّات، واحدة في كلّ يوم. أخذته إلى المستشفى الاوروبيّ في شرقيّ خان يونس فأعطوه بخّة واحدة ثمّ عُدنا مخيّم النازحين. لم أرد البقاء هناك لأنّني خفت أن يقصفوا المستشفى، ولذلك لم يتلقّ وسام بقيّة العلاجات.
فريد عامر. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 1.1.24
أبقوني نحو نصف ساعة ملقىً على الأرض في حديقة منزلنا. بعد ذلك أخذوني هكذا - عارياً - إلى منزل آخر في الحيّ يبعد عن منزلي مسافة 150 متراً تقريباً. قاموا بتصويري وأعطوني رقم (058793)...
في المساء نقلوني سويّةً مع نحو 15 امرأة أخرى، كانوا قد اعتقلوهنَّ، إلى مكان آخر. قالوا لنا إنّنا موجودات في منشأة اعتقال للجيش الإسرائيليّ. في كلّ مرّة تحرَّكتُ فيها تلقّيتُ ضربة على رأسي. في كلّ مرّة سمعتُ فيها أصوات جنود خفتُ من أن أتلقّى ضربة مرّة أخرى. طوال الوقت كانوا يمشّطون السلاح لإخافتنا، وكلّما كنتُ أسمع ذلك كنتُ أتلو الشهادتين لأنّني كنتُ متأكّدة من أنّهم سيُطلقون النار عليّ. طوال الوقت كنّا مُقيَّدات بأصفاد بلاستيكيّة.
الحياة في خيمة عائلة نور الحلو. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 31.12.23
حتى الآن مضى على وجودنا هنا شهر ونصف الشهر، وما زلنا 32 شخصاً في خيمة واحدة. نعاني جرّاء البرد الشديد وبالكاد لدينا ملابس شتويّة. نجلس ملتصقين ببعضنا البعض لكي نستدفئ. بعض أفراد العائلة حُفاة إذ لا يوجد ما ينتعلونه في أرجلهم. كلّ عدّة أشخاص يتناوبون على انتعال ’شبشب‘ واحد. الاكتظاظ لا يُطاق ولا توجد أيّة خصوصيّة. يوجد ضجيج طوال الوقت ممّا يُفاقم توتّرنا النفسي.
نهال النجّار
لقد تلاشت كلّ أحلامي. استشهدت شقيقتاي وقُصف منزلي. ملابس العُرس ومصاغي الذهبيّ بقيت كلّها تحت الأنقاض. لم يُبق لي الجيش الإسرائيليّ شيئاً. سلب منّي كلّ ما هو جميل في حياتي. كلّنا نعيش الآن في بؤس فظيع. أنا أبكي شقيقتيّ طوال الوقت وأبكي بسبب الوضع وانعدام الأمل.
آلاء الكُرد. تصوير: ألفت الكُرد، بتسيلم، 30.11.23
في 17.11.23 خرجنا من المنزل عند السّاعة 7:30 صباحاً وغادرنا سيراً على الأقدام. في السّاعة 8:30 وصلنا إلى حاجز "نتسريم" وهناك أمرنا الجنود أن نرفع بطاقات هويّاتنا ونسير ببُطء دون أن نلتفت يميناً أو يساراً. من كثرة الناس هناك ربطت أيدي أولادي بكوفيّة لكي لا يضيعوا منّي. المعاملة في الحاجز كانت مُهينة. أجبرنا الجنود على الوقوف طيلة ساعات دون حراك ودون أن يسمحوا لنا بالجلوس. فقط عند السّاعة 13:30 سمحوا لنا بالتحرّك فخرجنا من البوّابة الإلكترونيّة عند مدخل الحاجز العسكريّ.
غادة أبو طبيخ
الاتصال مع والدتي وأخي اللّذين بقيا في مخيّم الشاطئ للّاجئين كان شبه منقطع تماماً لأنّ شبكة الاتصالات كانت بالكاد تعمل. وقد أقلقني ذلك كثيراً جدّاً. تمكّنت من التحدّث مع كليهما هاتفيّاً مرّة واحدة فقط - بعد عشرات المحاولات - وكنت أسمع في الخلفيّة أصوات قصف مخيّم الشاطئ بوضوح، وفعلاً خفت أن يحدث لهما سوء. رجوتُهما أن يخرجا من هناك كيلا يُقتلا هناك. لكنّ والدتي قالت إنّها لا تستطيع المشي وظلّت تكرّر "اللّي كاتبُه ألله بيصير". 
كنت معتقلاً في هذه الظروف مدّة 23 يوماً. كانت تلك من أصعب أيّام حياتي، خاصّة في سجن "عوفر". لقد أشبعونا إهانات وضرباً وصراخاً وشتائم وتوبيخاً، وعانيت الجوع والعطش وقلّة النوم. كنت خائفاً طوال الوقت. خفت على نفسي وعلى عائلتي في غزّة. خفت على زوجتي وأولادنا وعلى إخوتي وعائلاتهم، وخاصّة بعد أن قال لي المحقّق أنّهم قصفوا عائلتي. اعتقدت أنّهم ماتوا جميعاً. كنت في حالة من عدم اليقين كل الوقت وكان ذلك صعباً جدّاً.  
عصام الداعور مع ابنته جوري وابنه فضل الذي استُشهد جرّاء قصف منزل الأسرة. صورة قدّمها الأب مشكوراً
أعمل طبيباً عموميّاً في المستشفى الإندونيسيّ في شمال قطاع غزّة [[… في يوم الأحد، 15.10.23، كنت أبيت في منزلي وفي الصّباح جاءت سيّارة إسعاف لتقلّني إلى المستشفى، لأنّ الوصول إلى هناك بوسيلة أخرى كان محفوفاً بالأخطار. قبل أن أخرج من المنزل دخلت إلى غرفة طفليّ، وكانا لا يزالان نائمين، ونظرت إليهما دون أن أوقظهما. كانت هذه المرّة الأخيرة التي أرى فيها ابني ابن التاسعة وهو حيّ
قبل ثلاثة أيام، قررنا الانتقال إلى مدرسة صلاح الدين في حي الرمال. في المدرسة كان الاكتظاظ شديداً جداً وكان الكثير جداً من الناس، لم يكن هنالك حتى مكان نجلس فيه فجلسنا على الأرض. كان الوضع صعباً جداً. وقفنا في الطوابير للحصول على أي شيء وللدخول إلى الحمامات ولملء الماء أو للحصول على الغذاء. وفي 10.11.23 تعرضت المدرسة للقصف فقررنا الرحيل من هناك. انتقلنا إلى بناية جمعية الشبان المسيحيين. يوجد معنا هنا حوالي مائتي شخص آخرين أيضاً. هنا أيضاً توجد طوابير للحمامات والمراحيض ولا يتوفر ما يكفي من الغذاء والماء.
نحن الآن في مستشفى الشفاء. قبل بضعة أيّام قصف الجيش الإسرائيلي السّاحة وأسفر عن ذلك قتلى وجرحى. لاحقاً أصابوا أيضاً الألواح الشمسيّة خاصّة المستشفى كما أصابوا قسم الجراحة. من حول المستشفى حدث إطلاق نار مكثّف أسفر عن إصابة نازحين. في أعقاب ذلك فرّ قسم من النازحين من المستشفى. جثث الشهداء لم تُدفن. بقيت في السّاحة لأنّه من الخطير الوصول إليها.
كانت تسير أمامي سيّارة ميتسوبيشي على بُعد نحو مائة متر أصيبت بقذيفة وانحرفت إلى اليمين. توقّفتُ خلفها ورأيتُ رجلًا يخرج منها. نزلتُ من سيّارتي وركضتُ نحوهم. رأيتُ في داخل السيّارة مصابين، كما رأيتُ رجلًا وامرأة مقتولَين. [...] أوصلتهم إلى مستشفى شهداء الأقصى. في الطريق فقدت المرأة والبنت وعيهما...
المدرسة والساحة ممتلئتان بالناس. يمرض الأطفال هنا لأنّه من المستحيل الحفاظ على النظافة الجسديّة وربّما بسبب رداءة نوعية المياه التي نشتريها هنا. يعاني الكثير من الأشخاص من آلام في المعدة ومن الإسهال.
في رفح خرجتُ في الصباح لشراء خبز. كان هناك بعض المخابز وكان هناك طابور طويل في كلّ منها. انتقلتُ من مخبز إلى مخبز حتّى وجدت أقصر طابور، 80-90 شخصًا. وقفتُ هناك من الساعة العاشرة صباحًا حتّى الساعة الثالثة بعد الظهر حتّى تمكّنتُ من شراء رزمة مكوّنة من 30-40 رغيفًا صغيرًا. عدتُ منهكًا أجرّ قدميّ جرًّا بعد خمس ساعات من الوقوف المرعب في الطابور بينما كنّا نسمع أصوات القصف حولنا. منذ ذلك الحين يتكرّر هذا الأمر كلّ يوم.
تمّ توزيع الطعام والماء علينا لأوّل مرّة بعد نحو ثلاثة أيّام. نحن نقف في طوابير طويلة كلّ يوم للحصول على رغيفين صغيرين ونصف علبة من اللحوم المعلّبة وبعض الماء في اليوم. 
منذ يوم الجمعة الأخير ونحن موجودون هنا، في مركز الأونروا في خان يونس. أنا أنام في الساحة وزوجتي وبناتي ينمن في إحدى الغرف. بعضنا لديه فرشات والبعض الآخر لديه بطانيّات فقط يضعها على الأرض. هناك الكثير من الناس هنا في الساحة لأنّه لا يوجد مكان للجميع في الغرف. إذا تغيّر الطقس وأصبح الجوّ باردًا وممطرًا، لا أعرف أين سنذهب. 
في يوم السبت الموافق 14.10.23 تركنا بيتنا في مدينة غزّة وسافرنا إلى مركز الأونروا في خان يونس. نحن الآن نحو 40 ألف شخص هنا. لا يوجد ركن لا يوجد فيه ناس. البعض موجود في مخازن والبعض الآخر في خيام نصبوها في الساحة. نصبتُ أنا وأفراد عائلتي خيمة من البطانيّات ولكنّها مفتوحة من الجوانب. لا توجد هنا خصوصيّة. 
أحضرنا معنا أربعة قضبان حديديّة غرسناها في الأرض ومددنا عليها بطانيّات. نحن ستّة أفراد هنا، وأخت زوجتي موجودة معنا أيضًا، في خيمة مساحتها نحو ثلاثة أمتار مربّعة. لم يكن لدينا أيّ شيء نفرشه على الأرض فذهبتُ إلى السوق وبالكاد تمكّنتُ من شراء بعض البطانيّات. فرشناها على الأرض ونمنا عليها.
ألفت الكرد
لقد فقدتُ في هذه الحرب، حتى الآن، أكثر من 16 شخصاً من أقاربي ـ أعمام وأبناء أعمام. أنا مصدومة وغير قادرة على البكاء، إطلاقاً. أشعر بأنني مشلولة عاطفياً. أحاول أن أتظاهر بالتماسك أمام أفراد عائلتي، لكن الأمر صعب جداً. ليست لدينا أدنى فكرة متى سينتهي هذا وماذا سيكون مصيرنا. قد تكون هذه أيامنا الأخيرة.  
محمّد صباح
في اليوم التالي عدتُ إلى الحيّ للتحقّق ممّا حدث لبيتنا. كان من الصعب الوصول بسبب الدمار. الشوارع كانت مسدودة وكان مدخل البناية مسدودًا بالأنقاض. دخلتُ إلى الشقّة ووجدتُ ضررًا بالغًا. وقفتُ هناك لحظة وتملّكني الأسى على البيت الذي كان لنا. لكنّني لم أستطع البقاء طويلًا لأنّني خفتُ أن يكون هناك قصف آخر. التقيتُ بجيراني الذين جاءوا هم أيضًا لرؤية ما حدث لمنزلهم. كان الجميع مصدومين ومفجوعين على الشقق التي تحوّلت إلى أنقاض. وقفنا في الشوارع بين الأنقاض وشممنا رائحة دخان النيران. 
في الحوانيت هناك نقص في المواد الغذائيّة بعد أن وصلت أعداد كبيرة من الناس من شمال قطاع غزّة إلى هنا. لهذا السّبب، ولأنّ الثلاجة لا تعمل ولا يمكن الحفاظ على الطعام، نحن نتناول حاليّاً وجبة واحدة في اليوم.  اليوم، اتّصلنا منذ الصّباح مع مزوّدي المياه لكنّهم قالوا لنا إنّه لا يمكنهم تزويدنا بالمياه نظراً لعدم استطاعتهم تشغيل محطّات التحلية. بعد قليل سوف ينفد لدينا الغاز أيضاً. بقي القليل فقط في حاوية الغاز وهناك ثلاث حاويات فارغة. مزوّد الغاز قال لنا إنّه لا يوجد غاز في الحانوت. أنا لا أعرف ماذا سأفعل إذا نفد الغاز، لأنّ الكهرباء مقطوعة ولن نستطيع أن نطبخ.  
سعيد نصّار. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم
عندما يصبح الجوع غير محتمَل نذهب إلى جيراننا ونطلب منهم طعامًا. إذا تناولنا وجبة إفطار فلا نأكل طيلة اليوم بعد ذلك. عديّ يبقى جائعًا لأنّ مطبخنا فارغ بكلّ بساطة. لا يوجد طعام. أحلم باليوم الذي أستطيع فيه تقديم وجبات عاديّة لأسرتي. أن نتناول وجبتين على الأقلّ في اليوم. نحن أيضًا لا نملك المال لشراء الحفّاظات، لذا فأنا أطلبها من الأصدقاء الذين لديهم.
داود البوجي. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم
بعد الكورونا بدأتُ أتجوّل في الشوارع بعربة ساندويتشات. أتجوّل بالعربة في الشوارع كلّ يوم من الساعة 10:00-17:00 لكنّ الدخل زهيد جدًّا. الساندويتش بشيكل لا يربّح شيئًا تقريبًا. أريد أن أرفع السعر لكنّ هذا مستحيل بسبب الوضع الصعب في القطاع. الدخل من هذا العمل لا يكفي لسدّ احتياجاتنا وأنا لا أستطيع دفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت مثلًا من بيع السندويتشات. يحطّم قلبي أنّي لا أستطيع توفير حياة كريمة لزوجتي وأطفالي.

رحمة الزعانين. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم
عندما قالوا إنّه يجب إخلاء المنزل أصيبتْ تمام بصدمة. أعددتُ أنا بسرعة حقيبة لثلاثتنا وبدأنا نقود أمّنا على الكرسيّ المتحرّك حتّى نهاية الشارع لمسافة 900 متر تقريبًا من المنزل. هرب جميع الجيران من البيوت وساعدنا بعضهم. جاء أخي نمر (55 عامًا) الذي يسكن في بيت حانون وأخذ أمّي إلى منزله. بقيتُ أنا وتمام هناك ثمّ جاءت طائرة بدون طيّار وأطلقت صاروخًا على منزل زهير الزعانين الذي كان على بُعد بضعة أمتار عن منزلنا. بعد نحو 25 دقيقة أطلقت طائرة إف-16 صاروخًا ثمّ حدث انفجار قويّ جدًّا. 
أريج عبدو
بنتي هيام مصابة بالشلل في رجليها منذ سقوطها عن ارتفاع عالٍ قبل بضع سنوات وأصيب العمود الفقري لديها بأضرار. تلقت العلاجات في مستشفى المقاصد وهناك قالوا لنا إنها بحاجة إلى علاج في إسرائيل أو في خارج البلاد، لكننا غير قادرين على تمويل ذلك. لا تستطيع التحرك ولا تتحكّم باحتياجاتها. إنها بحاجة إلى حفاضات. نحن لا نستطيع أن نشتري لها كرسياً كهربائياً على عجلات، الأمر الذي يقيدها جداً ويصعّب عليها كثيراً في المدرسة أيضاً. يوجعني قلبي أن أراها على هذا الحال لكنني لا أملك أية وسيلة لمساعدتها.

سماح أبو موسى.  تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم
أحيانا أشعر وكأنّني امرأة مطلّقة أو حتّى أرملة. أنا وحيدة وأحلم بأن نتمكّن، أنا وزوجي من القيام بأشياء معًا، زيارة الأقارب وحتّى التنزّه معًا فقط. أحلم بأن نتمكّن يومًا ما من أن نعيش كلّنا معًا في بيت واحد وأن نجلس على نفس الطاولة في رمضان وفي الأعياد ونقضي الوقت معًا مثل سائر العائلات.
رضا صهيون
حتى في الفترة بين حرب وأخرى ليس هنالك هدوء في الواقع. لا نكاد نتعافى من الصدمة حتى تحلّ علينا صدمة أخرى. صدمات متلاحقة، الواحدة تتبع الأخرى. لقد فقدت صديقتين حتى الآن. الأولى قُتلت في حرب 2014 والثانية في حرب 2021. أصبتُ باكتئاب حاد إلى درجة أنني كنتُ أتمنى في بعض اللحظات أن يقوموا بقصفنا نحن أيضاً، كي ننتهي من هذا. لقد سئمنا هذه الحياة وأشعر في بعض الأحيان بأنّ الموت أفضل. إنها الحرب ذاتها والخوف ذاته، كل مرة من جديد. تغيرت ملامح غزة نهائيًا، الشوارع، البنايات، لم يعد شيء كمان كان. تبددت كل الذكريات الجميلة.
أميرة حرورة
مشاعر الجزع والقلق والمخاوف التي تصاحبني أثناء الحروب لا تتركني حتى بعد انتهائها. أظلّ في حالة تأهب وقلق بانتظار التصعيد القادم. لا يوجد استقرار ولا ارتياح، لكن علينا الاستمرار في الحياة رغم هول القصف والقتل والدمار. في المنزل ومع الأطفال أحاول تغيير الشعور العام والابتعاد عن الأخبار عبر مشاهدة أشياء أخرى على التلفزيون. أضحك وأمزح وأحاول إخراج الأطفال من أجواء الحروب التي يعيشونها. من الصعب فعل ذلك ولكنني أحاول.
حلا العبسي
طوال فترة الحرب بقيت داخل غرفة أمي وأبي، واستمر ذلك أيضًا لمدة أربعة أسابيع فيما بعد. شعرت أنه المكان الأكثر أمانًا في المنزل لأنه المكان الوحيد الذي لم تتحطم فيه النوافذ. كنت أطلب من أمي وأبي أن يُحضرا لي الطعام إلى هناك، وحين كنت أريد الذهاب إلى الحمام كنت أطلب منهم التحقق من أنه لا يوجد أي خطر. عندما كنت أخرج من الغرفة كنت أخشى المرور من جانب النوافذ، وكنت أنحني بجسدي حين أقترب منها، لأنني كنت أخشى أن يدخل الرصاص أو القذائف عبرها.
مي الشيخ خليل. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 11.6.23
عندما يقصفنا الجيش الإسرائيلي فلا مكان آمنًا لنا في المنزل. لا يوجد لدينا ملاجئ في بيوتنا. وفي الخارج أيضًا لا يوجد أمان. كل من يعيش في القطاع يشكّل هدفًا للجيش الإسرائيلي الذي لا يميّز بين المدنيين والمقاتلين أبدًا. يقصفون بشكل عشوائي وأشعر دومًا أن دوري قادم، وأنهم سوف يقصفون منزلنا مجددًا فوق رؤوسنا. حين أستيقظ بسبب القصف في منتصف الليل، أشكر الله على كوننا ما زلنا على قيد الحياة.
خولة التوم. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 5.6.23
السرطان بات منتشرًا في كلّ أنحاء جسمي... أنا بحاجة إلى هذه العلاجات. لديّ الحقّ في تلقّيها ولا أفهم سبب رفضهم طلباتي بشكل متكرّر. لم أفعل أيّ شيء سيّئ. حالتي النفسيّة تتدهور بسبب كثرة الأفكار ولم أعد قادرة على النوم في الليل... أدعو الله أن أحظى بتلقّي العلاج.
منّة الله خصوان
لم أكنْ مستعدّة لفقْد والديّ في هذه السنّ المبكّرة جدًّا. لستُ مستعدّة أن أعيش في واقع لا يتواجد فيه أبي وأمّي... لا بدّ لي من الصمود وتحمّل المسؤوليّة. أخشى أن يتعرّض إخوتي لحالة نفسيّة قاسية بسبب الصدمة التي مرّوا بها. فجأةً كبرتُ عشرات السنين وأصبحتُ أمًّا وأبًا لإخوتي رغم أنّي لا أزال فتاة صغيرة.
محمّد أبو هربيد
في يوم الأحد الموافق 7.8.22 قرابة الساعة 18:00 حينما كانت العائلة بأكملها جالسة في الساحة انقطعت الكهرباء فجأةً ثمّ حدث انفجار بقوّة يصعب وصفها. قصفت طائرة إسرائيليّة منزلنا. امتلأ كلّ شيء بالدخان واشتعلت النار. تطاير الزجاج والقطع المعدنيّة في كلّ الاتّجاهات. كان ذلك مخيفًا جدًّا، وقد أصبْنا جميعًا بالصدمة. 
يوسف فلفل
لقد دُمِّر منزلنا بشكل شبه كامل ومن غير الممكن السكن فيه. سنضطرّ إلى إعادة بنائه من جديد لكنّنا لم نتلقَّ أيّ تعويض من أيّ أحد بعد. فور القصف مباشرة اضطررنا إلى الانفصال لأنّه لم يكن لدينا مكان نسكن فيه معًا. تنقّلتُ أنا بين منازل الأصدقاء وانتقل والداي وأخي سمير وأخواتي للسكن لدى خالتنا في رفح. بعد بضعة أسابيع وجدنا مكانًا مؤقّتًا لنسكن فيه كلّنا معًا في بير سالم.

إيمان الجمل مع ابنتها زينات. تصوير: ألفت الكرد، 2.3.23
في بعض الأحيان، عندما يكون هناك نقص في الدقيق في الأسواق أو عندما تنقطع الكهرباء مرارًا وتكرارًا في اليوم ذاته، أخاف أن تفشل المصلحة التجاريّة وهذا يجعلني أكتئب كثيرًا. نحن نتابع جدول ساعات تزويد الكهرباء على موقع شركة الكهرباء لكي نخطّط عملنا لكن مع ذلك فإنّ العجين يفسد أحيانًا بسبب انقطاع التيّار الكهربائيّ المتكرّر وهذا محبط للغاية. 
أحلم بأنْ أتمكّن من إعطاء أولادي مصروف الجيب عندما يذهبون إلى المدرسة. موسى، ابني الأصغر الذي عمره 5 سنوات، لا يذهب إلى الروضة لأنّنا لا نستطيع دفع الرسوم المدرسيّة. أحلم بشراء ملابس للأطفال في السوق، مثل سائر الأمّهات. كلّنا نرتدي ملابس حصلنا عليها من أصدقاء وجيران. ممتلكاتنا كلّها موجودة في أكياس وكراتين.
في بعض الأحيان يقطعون عنّا التيار الكهربائي. أحلم بتزويد منتظم خلال ساعات النهار على الأقلّ. حتّى في الليل يكون الأمر صعبًا للغاية بدون كهرباء. أولادي الصغار يخافون جدًّا من الظلام وعندما يصابون بالذعر يصرخون كثيرًا. محمّد، الذي لا يستطيع أن يرى إلّا الصور الظلّيّة، يجد صعوبة خصوصًا في الظلام. للأسف، لا أستطيع شراء مولّد كهربائي.  
سارة حطّاب. تصوير:  ألفت الكرد، بتسيلم، 11.9.22
أحيانًا أقف على الشاطئ، أنظر إلى البحر الرائع وأحلم أحلامًا كبيرة. أحلم بأن نعيش حياة طبيعيّة، بدون احتلال وبدون هذا اليأس الرهيب. 
نحن نعيش في القطاع كأنّنا في سجن كبير. مغلَقٌ علينا هنا دون إمكانيّة للخروج وللذهاب إلى أماكن أخرى، حتّى في وطننا. آمل جدًّا أن أتمكّن يومًا ما من الصلاة في المسجد الأقصى في القدس ومن زيارة الضفّة الغربيّة للتعرّف على جميع المدن والقرى هناك. أنا وزوجي وأولادي لا نمتلك جوازات سفر. ليس لديّ أيّ فكرة عن هذا الشعور، شعور التجوّل في العالم. 
سعيد لولو
ذهبتُ لدراسة الإعلام والعلاقات العامّة في جامعة الأزهر في القطاع وأنهيتُ الدراسة عام 2007. أثار هذا المجال اهتمامي واعتقدتُ أنّه سيكون بإمكاني إيجاد عمل فيه حتّى في أثناء الدراسة. لكنّني أدركتُ بعد ذلك أنّه لا توجد فرص عمل للشباب في هذا المجال أيضًا بسبب الحصار. فانطوى هذا الحلم أيضًا.
ختام الحمامي في روضة الأطفال التي تعمل فيها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 16.2.23
أحلم أيضًا بأن يكون لي ولزوجي عمل نكسب منه رزقنا بكرامة، لكي نتمكّن من السكن في بيت خاصّ بنا ونشتري اللحوم والفواكه والخضار بانتظام، وربّما المياه النقيّة أيضًا. الوضع في غزّة صعب وببساطة من غير الممكن العثور على عمل دائم براتب طبيعيّ.