Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سهير دبّور

سهير دبّور

( 03 أيار 2024 )

(37 عامًا)، أمّ لخمسة، من سكّان بيت حانون شمال قطاع غزّة، تتحدّث عن اليوم الذي فقدت فيه زوجها وأولادها الخمسة في القصف الذي قُتِل فيه نحو 60 شخصًا

في بداية الحرب تعرّضتْ منطقتنا لعمليّات قصف شديد، فانتقلنا أنا وزوجي، مازن دبّور (43 عامًا)، وأولادنا الخمسة: عزّة (19 عامًا) وخالد (17 عامًا) ومي (16 عامًا) ومحمّد (15 عامًا) ورهف (8 أعوام)، إلى مدرسة تابعة لوكالة غوث اللاجئين (لأونروا) في مخيّم جباليا للاجئين. وكانت هناك أيضًا عمليّات قصف كثيرة، قتلى وجرحى، لكنّنا بقينا هناك 10 أيّام، حتّى تلقّينا بلاغًا من الجيش الإسرائيليّ مفاده أنّه يجب علينا النزوح جنوبًا.

في 17.10.23 نزحنا سويّةً مع صهريّ شادي وأسامة، برفقة عائلة أسامة، إلى رفح. كان لأقاربنا من عائلة العايدي شقّة فارغة في مبنى مكوّن من 5 طوابق في حيّ الجنينة، والذي تجمّع فيه الكثير من المهجَّرين، سواء من عائلة العايدي أو من عائلات أخرى. كنّا 13 فردًا من عائلة دبّور. وكان معظمنا من الأطفال والنساء.

تجمّعنا باكتظاظ، 13 شخصًا من عائلة دبّور، معظمهم من النساء والأطفال، في شقّة في الطابق الأوّل. كان الوضع في رفح صعبًا أيضًا، وكانت هناك عمليّات قصف كثيرة. كنتُ خائفة جدًّا. لم أستطع أن أهدأ. طوال الوقت كان لديّ شعور بأنّ شيئًا سيّئًا سيحدث.

في 29.10.23، قرابة الساعة 12:00، كنّا جميعًا في الشقّة. كان زوجي مازن قد عاد للتو من التسوّق في السوق، وكنتُ أنا أنوي أن أحمّم رهف. حضّرتُ لها لتوّي ملابس نظيفة، وفجأةً وجدتُ نفسي تحت كومة من الحجارة. حتّى أنّي لم أسمع ضجيج القصف.

فتحتُ عينيَّ من تحت الركام، وكان كلّ شيء مُعتمًا حولي. كان جسمي مغطّى بالحجارة. تخيّلوا أنّ جميع الطوابق التي فوقنا كانت عليّ. ناديتُ على زوجي وأولادي ثمّ لم أعد متأكّدة ممّا حدث لي. ربّما فقدتُ الوعي.

علمتُ لاحقًا أنّني كنتُ عالقة تحت الأنقاض لمدّة ستّ ساعات تقريبًا. عندما استعدتُ الوعي، وكنتُ لا أزال في حالة ضبابيّة شديدة، سمعتُ أصوات أشخاص يبحثون ويصرخون: "هل هناك أحد على قيد الحياة تحت المبنى؟". اقتربت الأصوات منّي كثيرًا وأخذتُ أصرخ وأناديهم. رغم أنّني لم أتمكّن من الصراخ بصوت عالٍ بسبب كلّ الركام الذي كان عليّ، إلّا أنّهم سمعوني.

انتشلوني من تحت الأنقاض. كان وجهي أزرق وكان جسمي كلّه منتفخًا. عانيتُ من آلام شديدة جدًّا، وشعرتُ بأنّ يدي اليمنى ورِجلي اليمنى قد انقطعتا.

نقلوني بسيّارة إسعاف إلى مستشفى يوسف النجّار في رفح، وطوال الطريق كنتُ أنادي على أولادي، وأخبرتُهم بأنّ أولادي تحت الأنقاض. عندما وصلتُ إلى المستشفى وجدتُ إخوتي هناك، وسألتُ مرارًا وتكرارًا عن أولادي. قالوا لي جميعًا إنّ الأولاد على قيد الحياة وإنّهم سوف ينقذونهم، كما أنقذوني. لم يتمّ إبلاغي إلّا في وقت لاحق من ذلك اليوم بأنّ زوجي وأولادي وصهريّ شادي وأسامة وأبناء عائلة أسامة قد قُتلوا جميعًا.

انتشلوا الجثث واحدة تلو الأخرى. كلّ يوم كان عليّ أن أودّع أحد أولادي. كان ذلك مروّعًا. كنتُ على وشك أن يُغمى عليّ في كلّ مرّة أحضروا لي فيها واحدًا منهم. شعرتُ بأنّني أفقد عقلي. إنّها كارثة لا يمكن تصوّرها، أيّام سوداء، قُتل أولادي وزوجي وبقيتُ وحدي.

مكثتُ في المستشفى لمدّة أسبوع تقريبًا. كنتُ أشعر بأوجاع في يدي اليمنى ورِجلي اليمنى، ولا أزال حتّى اليوم، بعد مرور أكثر من ستّة أشهر، أعاني من صعوبة في استخدام يدي اليمنى. عندما تمّ تسريحي من المستشفى أخذني أخي، محمّد دبّور (45 عامًا)، إلى المدرسة التي نزح إليها هو وأمّي، فوزيّة دبّور (68 عامًا). كنتُ في حالة صدمة، لم أتمكّن من الأكل أو الشرب، ولم أتحدّث مع أيّ شخص. الحزن والبكاء على أولادي وزوجي استبدّا بي تمامًا.

بقينا في المدرسة شهرين تقريبًا. كانت تلك فترة عصيبة للغاية. من هناك انتقلتُ مع والدتي إلى خيمة أختي وردة (27 عامًا) وأطفالها الستّة. زوج وردة، محمّد الكفارنة (31 عامًا)، قُتل في جباليا في 9.10.23.

الآن نحن ما زلنا هنا، تسعة أشخاص مُحطّمي القلب في خيمة. حياتنا مأساة، مفعمة بالحزن على ما حدث لنا.

الظروف هنا صعبة بشكل لا يُطاق. علينا أن نفعل كلّ شيء هنا في داخل الخيمة؛ أن نأكل ونطبخ ونذهب إلى المرحاض.

أنا في حالة نفسيّة يُرثى لها، منهكة، إنّه إعياء يصعب وصفه. منذ ستّة أشهر وأنا لا أتمكّن من النوم حقًّا. منذ ذلك القصف، في كلّ مرّة أسمع فيها ضجيجًا وأصواتًا عالية، وخاصّة غارات جوّيّة، يرتعد جسمي كلّه وأشعر، حرفيًّا، بأنّ قلبي يتوقّف لبضع لحظات. قال الطبيب إنّه رِهاب الضوضاء (نوع من اضطراب ما بعد الصدمة).

أخذ الجيش الإسرائيليّ منّي أغلى ما عندي. قتل عائلتي بدم بارد، دون أن نفعل أيّ شيء. نحن مدنيّون أبرياء، ولم نعرّض الجيش للخطر بأيّ شكل من الأشكال.

هُجِّرنا إلى رفح بسبب عمليّات القصف وأوامر الجيش، لكنّهم قصفونا هناك أيضًا، بلا أيّ سبب. لم يحذّرنا الجيش ولم يأمرنا بإخلاء المنزل قبل أن يقصفه. لم يطلقوا حتّى صاروخًا تحذيريًّا على المنزل. كان القصف فجائيًّا تمامًا.

عشتُ مع زوجي عشرين سنة. كنتُ أمًّا 19 سنةً. أشعر وكأنّني استيقظتُ من حلم، وهم غير موجودين. لا أستطيع استيعاب ما حدث لي، حقيقة أنّني فقدتُ عائلتي كلّها خلال ثوانٍ.

الجيش الإسرائيليّ لم يترك لي أيًّا من أولادي. كلّ شيء جميل كان في حياتي مات معهم ومع زوجي. عندما أرى أولادًا في الشارع أظنّ أنّهم أولادي، أسير في الشارع وأصاب بالجنون.

أرى النساء من حولي يعتنين بأولادهنّ وأنا فقط وحيدة، بلا عائلة. لا شيء في العالم يمكن أن يحلّ محلّ زوجي وأولادي. قضيتُ شهر رمضان في حزن وحسرة وبكاء عليهم.

كان زوجي يعاني من سرطان القولون وعولج في مصر. أمضى وقتًا طويلًا جدًّا في المستشفيات ولم يكن في المنزل كثيرًا. ابنتي عزّة كانت طالبة تدرس الكيمياء، في سنتها الثانية في الجامعة. أرادت أن تصبح طبيبة. ابني خالد كان طالبًا في الثانويّة. عندما هُجِّرنا أخذ معه حقيبة المدرسة مع الكتب لمواصلة الدراسة، وكان هو أيضًا يريد أن يصبح طبيبًا. ابني محمّد كان تلميذًا متفوّقًا وكان يحفظ القرآن. ابنتي مي كانت تعاني من شلل نصفيّ في جسمها. تلقّت علاجات في شرقي القدس وكنتُ أرافقها إلى هناك. اعتنيتُ بها كثيرًا على الدوام. رهف، الابنة الصغرى، حبيبتي رهف، كانت تنام بجانبي دائمًا عندما كان والدها يتلقّى العلاج خارج القطاع. كانت معي دائمًا.

فقدتُهم جميعًا الآن وبقيتُ وحدي في هذه الحياة القاسية. أنا الآن جسد بلا روح. دُمِّرت حياتي عندما فقدتُهم. ما هو الذنب الذي ارتكبتُه بحقّ الجيش الإسرائيليّ حتّى يقتل عائلتي. يا ليتني قُتلتُ معهم ولم أبقَ وحدي بدونهم. بالنسبة لي انتهت الحياة. كلّ شيء أسود من السواد.

اللهمّ أسألك أن تتغمّد زوجي وأولادي، وصهري وعائلته، بواسع رحمتك. أنا فقط أعيش هنا في عذاب وأسى لفقدانهم.

قُتل نحو 60 شخصًا من جرّاء قصف المبنى الذي لجأ إليه أبناء عائلة دبّور في 29.10.23. سهير دبّور كانت الناجية الوحيدة.

 

القتلى من عائلة سهير دبّور:

مازن محمّد خليل دبّور (43 عامًا)، زوج سهير
وأولادهما الخمسة:

عزّة مازن دبّور (19 عامًا)
خالد مازن دبّور (17 عامًا)
مي مازن دبّور (16 عامًا)
محمّد مازن دبّور (15 عامًا)
رهف مازن دبّور (8 أعوام)

أسامة محمّد خليل دبّور (38 عامًا)، صهر سهير
زوجته، صمود سهيل راجح أبو هربيد (31 عامًا)
وأولادهما:

شريف أسامة دبّور (10 أعوام)
إيلين أسامة دبّور (4 أعوام)
دانا أسامة دبّور (8 أعوام)

شادي محمّد خليل دبّور (48 عامًا)، صهر سهير

* سجّلت الإفادة، هاتفيًّا، باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 3.5.24.