Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سهاد الجمالي

سهاد الجمالي

( 19 أيار 2025 )

(49 عامًا)، أم لستة، من سكان حي الرمال في مدينة غزة، تحدثت عن فقدان ساق ابنها (14 عامًا) جرّاء القصف، تهجيرهم من منزلهم في بداية الحرب، اعتقال زوجها وأبنائها وسرقة ممتلكاتهم على أيدي الجنود

سهاد الجمالي مع ابنها محمد في المستشفى في قطاع غزة. صورة قدمتها العائلة مشكورة

حتى اندلاع الحرب في تشرين الأول 2023، كنا نسكن في منزلنا، أنا وزوجي بهاء الدين الجمالي (59 عامًا) وأبناؤنا الثلاثة: محمود (26 عامًا) وأحمد (19 عامًا) ومحمد (14 عامًا) في الطابق الرابع من مبنى في حي الرمال. عندما اندلعت الحرب، كان هناك الكثير من القصف في منطقتنا. وفي كانون الأول، اجتاح الجيش الحي وطوق المنطقة. لم نتمكن من مغادرة المنزل لمدة ثلاثة أيام. أطلق الجنود قنابل دخانية في المنطقة ولم نتمكن من رؤية ما يحدث حولنا. ثم نظرت أنا وزوجي من النافذة وفجأة رأينا جنودًا تحتها مباشرة. من المحتمل أنهم رأونا أيضًا وقصفوا المبنى من دبابة. تضررت الشقة جزئيًا وكان ذلك مخيفًا جدًا. بقينا لمدة يومين بالقرب من باب الشقة ولم نتمكن من الخروج بسبب الحصار الذي فرضه الجيش على المنطقة. وكان جميع الجيران أيضًا لا يزالون في المبنى. بعد ذلك، دخل الجنود إلى المبنى وأوقفوا النساء في جانب والرجال في الجانب الآخر. أمروا الرجال بخلع ملابسهم بالكامل تقريبًا. نحن النساء بقينا بملابسنا.

عندما خرجنا من المبنى، منعنا الجنود من أخذ أي شيء من أغراضنا. قيّد الجنود أيدي الجميع، حتى يديّ أنا رغم أنني كنت أحمل حفيدتي لين (عامان)، ابنة ابنتي ندى (25 عامًا) التي كانت حاملًا. فتشونا وأخذوا منا كل المجوهرات ومبلغًا يقارب 40 ألف دينار، وهو مال ادخره ابني محمود لزفافه. ومن ندى أيضًا أخذوا مجوهرات ذهبية وما يقارب 2000 دينار. في تلك المرحلة لم أكن أعرف ما حدث لزوجي وابنيّ أحمد ومحمد وأين كانوا.

تحدثت قليلاً بالعبرية والإنجليزية مع الجنود. شرحت لهم أننا مجرد مدنيين ولا علاقة لنا بالقتال. أمرنا الجنود بالتوجه جنوبًا. مشينا حتى وصلنا إلى أقارب لنا في وسط مدينة غزة. بقينا عندهم وبكيت طوال الليل لأنني لم أكن أعرف أين زوجي وأبنائي. في اليوم التالي أُطلق سراحهم ووصلوا إلينا، ثم ذهبنا إلى شارع "الوحدة" في مدينة غزة، إلى أقارب زوجي. بقي الجيش في حي الرمال لمدة 26 يومًا. عندما انسحب، عدنا لنرى ما حدث لمنزلنا. رأينا قتلى على جوانب الطرقات. فوجئنا عندما رأينا أن الجيش قصف جميع المباني تقريبًا. دخلنا إلى منزلنا المدمر لأخذ بعض الأشياء التي تركناها هناك، مثل الملابس والبطانيات وغيرها. كنا نأمل أن نجد المال أو الذهب الذي أخذه الجنود لكننا لم نعثر عليه. حتى كيس الطحين الذي حاول زوجي وأبنائي أخذه معهم عندما غادرنا لم نجده هناك.

محمد الجمالي في مصر. صورة قدمتها العائلة مشكورة

فجأة ظهرت سيارة جيب تابعة للجيش الإسرائيلي ونزل منها أربعة جنود. أطلقوا النار علينا وأصيب ابني محمد بثلاث رصاصات في فخذيه. دخلت الرصاصات وخرجت دون أن تصيب العظام. بدأ الناس بالفرار وغادر الجنود. ولأن الحي قريب من مستشفى "الشفاء"، فقد حضرت سيارة الإسعاف بسرعة، لكنهم لم ينقلوه إلى المستشفى بل عالجوه في سيارة الإسعاف. عانى محمد لمدة شهرين من الإصابة. لم يكن يتحرك ولم يكن قادرًا على المشي. في تلك الأثناء انتقلنا للعيش في منزل ندى وزوجها في حي الرمال، والذي كانت حالته معقولة. كان المسعفون يأتون إلينا ويغيّرون له الضمادات. في شباط 2024، تزوجت ابنتي مرح (21 عامًا) من شقيق زوج ندى.

في 28.8.24 في الساعة 00:30، وبينما كنا جميعًا نائمين، تم قصف المنزل. لم أسمع صوت الصاروخ أو الانفجار، لكن عندما استيقظت سمعت أحمد يصرخ أن محمدًا قد قُتل. بدأت أصرخ وأبكي. ناديْتُ طلبًا للمساعدة. قُتل ثلاثة من أفراد الأسرة في القصف - حمو وحماة ابنتيّ الاثنتين، عادل صهيون (64 عامًا) ونجوى صهيون (59 عامًا) وابنهما الدكتور محمد صهيون (24 عامًا). كما أصيب ابني محمد مرة أخرى وتم نقله إلى مستشفى "المعمداني" في مدينة غزة.

في تلك الليلة اتصل بي محمد وبدأ כالبكاء. قال لي: ״أين أنتم؟ حالتي صعبة جدًا״. لم ننم طوال تلك الليلة من شدة الخوف والصدمة والحزن على محمد. في الصباح، خرجت أنا وزوجي مبكرًا إلى مستشفى المعمداني وعندما رأيت ساق محمد اليسرى كانت سوداء. أخبرني الطبيب بأنهم سيبترون ساقه، لأن حالتها خطيرة جدًا. كانت أمام أعيننا جثث قتلى وقلت في نفسي الحمد لله أن محمدًا لم يُقتل.

أُدخلوا محمد إلى غرفة العمليات وبتروا ساقه من فوق الركبة. مكث في المستشفى لمدة أسبوع وكنت إلى جانبه طوال الوقت. عندما كانوا يغيّرون له الضمادات، كان يصرخ من الألم وكنت أبكي على حالته وعلى أنه لم يعد لدينا منزل أستطيع أن أحتضن فيه ابني وأحافظ عليه وأعتني به.

بعد الخروج من المستشفى، انتقلنا إلى منزل جدي في حي "الرمال" ومن هناك كنت آخذ محمدًا باستمرار للمتابعة الطبية في مركز منظمة ״أطباء بلا حدود״، حيث كان يتلقى العلاج. كان هناك نقص ومجاعة في ذلك الوقت، لم تكن هناك خضروات ولا لحوم. حاولت أن أقدم لمحمد طعامًا مغذيًا قدر استطاعتي. كان يعاني من فقر الدم (الأنيميا) وكان الهيموغلوبين في دمه منخفضًا جدًا. كنت أشتري له البيض عندما أستطيع. كانت كل بيضة تكلف حوالي 35 شيكلًا. بدأ محمد يمشي بمساعدة عكازين، وبعد ذلك حصلت له على تحويلة للعلاج وتركيب طرف صناعي خارج القطاع.

في 9.3.25 سافرنا إلى مصر عن طريق منظمة الصحة العالمية (WHO) ووصلنا إلى مستشفى "الحياة" في بورسعيد. ما زلنا هنا، ننتظر أن نتمكن من السفر إلى الولايات المتحدة عن طريق منظمة Heal Palestine، لكي يركبوا له طرفًا صناعيًا.

قبل الحرب، كان محمد يحب السباحة كثيرًا، كان سباحًا وحصل على المركز الأول في مسابقة النادي الذي كان يتدرب فيه. كان لاعب كرة قدم أيضًا، وأحب اللعبة بشكل لا يمكن وصفه. هو من مشجعي نادي ريال مدريد لكرة القدم. أحيانًا يحاول لعب كرة القدم، على الرغم من أن ساقه مبتورة. يحاول أيضًا ركوب الدراجة الهوائية. محمد غارق في حزن عميق على ما حدث له. إنه مجرد طفل بريء وحياته قد بدأت للتو، لكنه اعتُقل بالفعل من قبل الجيش وأصيب مرتين وفقد ساقه.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 19.5.25