52 عاماً، أب لسبعة، يتحدّث عن الجوع الشديد في مخيّم المُهجَّرين في شمالَ قطاع غزّة، والذي نزح إليه مع أسرته بعد أن تضرّر منزلهم جرّاء القصف
لدينا، أنا وزوجتي، أربع بنات وثلاثة أبناء وحتى اندلاع الحرب كنّا نقيم في مخيّم جباليا للّاجئين وكنت أعمل في إسرائيل. في بداية الحرب لم نخرج من منزلنا. كنّا نسمع أصوات القصف الإسرائيليّ المستمرّ وكان الأمر مُرعباً فلم نجرؤ على الخروج. كنّا نشاهد في التلفزيون أناساً يُقتلون في منازلهم وفي الشوارع، والكثير من الناس يُقتلَعون من منازلهم وينزحون إلى مناطق أخرى في المخيّم أو إلى مدينة غزّة وجنوب قطاع غزّة. ليس لنا أقارب ولا أصدقاء في الجنوب ولذلك فضّلنا البقاء في المنزل. سمعنا من الناس أنّه كان هنالك حاجز للجيش الإسرائيلي في شارع صلاح الدّين الذي يؤدّي إلى جنوب القطاع، أيضاً، وأن الجنود يطلقون النار هناك طوال الوقت. كان الخطر كبيراً في الخارج وقد عشنا في رُعب دائم.
في بداية كانون الثاني 2024 قصفوا منزل جيراننا ولحقت أضرار بمنزلنا. احترق كلّ ما نملكه ولم يتبقّ شيء نأخذه معنا. تدمّر كلّ شيء. كان منزلنا مؤلّفاً من طابق واحد بنيته بالتدريج على مدار سنين وصرفت عليه "كلّ شقا عُمري". اضطُررنا للانتقال إلى مخيّم المُهجَّرين في مدرسة جباليا. نمنا في أحد الصفوف في اكتظاظ مُريع. نمنا فعليّاً فوق بعضنا البعض. في بعض اللّيالي كنت أنام على كُرسيّ خارج الصفّ فقط لكي أتجنّب ذلك الاكتظاظ. كان هناك آلاف الأشخاص الّذين نزحوا مثلنا عن منازلهم. أثناء تواجدنا هناك انتشرت الأمراض بسبب القذارة وقلّة المياه.
مكثنا هناك شهراً واحداً ثمّ انتقلنا إلى مخيّم آخر للمهجَّرين في الفالوجة، وها نحن لا نزال فيه. لا يوجد هنا طعام ولا ماء. والحقّ أنّه لا يوجد أيّ شيء. في السّوق أيضاً لا يمكن العثور على موادّ غذائيّة - لا معلّبات ولا طحين ولا أرزّ ولا حتّى شعير. كنّا أحياناً نجمع الخبّيزة من جوانب الطرقات أو الحقول، وإذا حالفنا الحظ وعثرنا على كرتون أو حطب لإشعال موقد نطبخها بالماء ونتناولها مرّة كلّ يوم أو يومين. نُسكت جوعنا على الأقلّ وننام بشكل أفضل. كنّا في الماضي نأكل الخبيزة مرّة في السّنة ربّما، والآن أصبحت هي مصدر غذائنا الوحيد. في الأيّام الأربعة الماضية لم نستطع النوم بتاتاً من شدّة الجوع، لأنّنا وبكلّ بساطة لم نتناول أيّ طعام. لم نتمكّن من الحصول على أيّ طعام. أنا منشغل طوال الوقت بالبحث عن طعام، ولا أنام اللّيل بسبب ذلك.
جميع الناس هنا في المخيّم وجوهُهم شاحبة وبالكاد يستطيعون الوقوف على الأرجل. وقد انتشرت هنا أمراض مثل التهاب الكبد الوبائيّ (اليرقان). الكثير من الناس يعانون طوال الوقت من غثيان ودُوار بسبب الجوع.
هذا كلّه إضافة إلى القصف المتواصل وخطر الموت المُحدق بنا هنا.
لم أستحمّ منذ عشرة أيّام إذ لا نجد الماء دائماً، وعندما نجده نحتفظ به لتنظيف المراحيض. حاوية المياه من سعة 6 لتر ثمنها 5 ش.ج.، وليتها مياه تصلح للشرب حقّاً. هذا مبلغ باهظ بالنسبة لنا. ابني يوسف (17 عاماً) يمشي مسافة كيلومتر تقريباً لكي يصل إلى المكان الذي يملؤون فيه الماء، وينتظر ساعات في الطابور لكي يملأ حاويتين ندفع ثمنهما من جيبنا. نستخدم إحداهما للشرب، رغم أنّها ليست مياهاً نظيفة، ونستخدم الثانية للاغتسال. أولادنا ما زالوا يرتدون الملابس نفسها التي كانوا يرتدونها عندما خرجنا من منزلنا. لا يوجد لدينا ما يكفي من المياه لكي نغسلها.
نحن لا نستطيع أن نقدّم لأولادنا أيّ شيء، ولا أن نوفّر أيّاً من احتياجاتهم. إنّه شعور مُريع. هكذا هي حياتنا الآن. نحن نستيقظ كلّ صباح لنبدأ يوماً آخر من البحث اليائس عن الطعام.
* هذه الإفادة سجّلها هاتفيّاً باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 20.2.24