Skip to main content
Menu
المواضيع

قطاع غزة

كارثة إنسانيّة تحدث في قطاع غزّة ليست نتيجة كارثة طبيعية وإنّما هي من صُنع يد الإنسان - نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل المعلنة. وعليه فإنّ في يد إسرائيل تغيير هذه السياسة وإحداث تحسين جدّي في جودة حياة السكّان وفي يدها الاستمرار في سياستها غير المبرّرة وعديمة الرحمة، إذ هي تحكم على نحو مليونَي إنسان يسكنون قطاع غزة أن يعيشوا في فقر مدقع وفي ظروف تكاد لا تليق ببشر.

في بداية شهر أيلول 2015 نشرت لجنة التجارة والتنمية - التابعة لهيئة الأمم المتحدة - تقريرًا حول الوضع في القطاع - بعد ثماني سنوات من الحصار وثلاث جولات من الحرب. حذّر التقرير من أنّه دون تغيير جدّي في سياسة إسرائيل لا إمكانيّة لإعادة إعمار القطاع وأنّه في العام 2020 قد يصبح هذا المكان "غير قابل للعيش فيه". في الفترة التي مرّت منذ نشر التقرير لم تغيّر إسرائيل سياستها بل وتشدّدت في تطبيقها والوضع يستمرّ في التدهور.

مسؤوليّة إسرائيل

تدّعي دولة إسرائيل أنّ وجودها كسلطة احتلال في قطاع غزّة قد انتهى منذ أيلول 2005 - حين أخلت جميع المستوطنات وسحبت قوّات الجيش من القطاع وأعلنت إنهاء الحكم العسكري هناك. وفقًا لهذا التصوّر فإنّ إسرائيل معفيّة منذ ذلك الحين من أيّة مسؤوليات أو واجبات تجاه السكّان سوى الحدّ الأدنى من الواجبات الإنسانيّة بقصد منع وقوع أزمة حادّة في القطاع. هذا الموقف ليس له أساس. في السنوات الأولى بعد تنفيذ "خطة الانفصال" ساد إبهام قضائيّ في شأن الواجبات الملقاة على عاتق إسرائيل. ولكن منذ ذلك الحين أخذ يترسّخ التصوّر القائل أنّ نطاق الواجبات ينبغي أن يوازي نطاق السيطرة. ورغم أنّه من الواضح أنّ إسرائيل لم تعد مسؤولة عن حفظ النظام العامّ داخل القطاع ولا يقع عليها واجب عموميّ تجاه رفاهية سكّانه وفقًا لأحكام الاحتلال، فإنّ إسرائيل ما زالت هي التي تحدّد كيف تبدو الحياة اليومية لسكّان القطاع وبالتالي فهي التي ينبغي أن تتحمّل مسؤوليّتهم.

رغم إعلان إنهاء الحكم العسكري تُواصل إسرائيل السيطرة على نواحي جوهرية من حياة السكّان في القطاع: فهي تتحكّم بالمعابر البرّية – باستثناء معبر رفح وبالمجالَين البرّي والبحريّ. نظرًا لذلك تشرف إسرائيل إشرافًا يكاد يكون تامًّا على حركة الأشخاص والبضائع من وإلى القطاع وتسيّرها وفقًا لاعتباراتها هي. إنّها تفعل ذلك حتّى عندما يطلب سكّان القطاع المرور في إسرائيل ليصلوا إلى الضفة الغربية أو إلى دول أخرى.

صحيح أنّ فتح معبر رفح في يد مصر التي لم تفتحه منذ الانفصال سوى لفترات قصيرة. ولكنّ هذا المعبر غير مهيّأ منذ البداية لعبور البضائع بشكل جارٍ وإنّما لعبور الأشخاص فقط. غير أنّ سكّان القطاع لكي يصلوا إلى دولة أخرى عليهم أن يسلكوا طريقًا طويلة بل وخطيرة؛ أمّا الذين يبتغون الوصول إلى الضفة الغربية - بما في ذلك القدس الشرقيّة - أو إلى الأردن فطريقهم أطول بكثير ممّا يتقبّله العقل.


نظرًا إلى الواقع الحالي فإن إسرائيل لا تستطيع التبرؤ من مسؤوليتها تجاه حياة سكان القطاع.  إنّ نطاق مسؤوليّة إسرائيل عن حياة سكّان القطاع يتغيّر وفقًا لتغيّر نطاق سيطرتها: حين يكون لسياسة إسرائيل تأثير مباشر أو غير مباشر على سكّان القطاع فمن واجبها أن تأخذ بعين الاعتبار آثار هذه السياسة عليهم.

فرض الحصار ونتائجه

إنّ عزل قطاع غزّة عن العالم - وضمن ذلك عزلها عن الضفّة الغربية - جزء من سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنين طويلة. ابتدأ تطبيق هذه السياسة منذ تسعينات القرن الماضي عندما فرضت إسرائيل الحصار على جميع الأراضي المحتلّة وفرضت على كلّ فلسطيني يسكن هناك - سوى سكّان المناطق التي ضمّتها إلى حدودها - تقديم طلب شخصيّ للحصول على تصريح دخول شخصيّ إذا أراد دخول إسرائيل، حتّى إذا كان ذلك عبورًا في أراضيها بغرض الوصول من غزّة إلى الضفة أو العكس أو بغرض السفر إلى الخارج.

بعد اندلاع الانتفاضة الثانية شدّدت إسرائيل القيود على حركة وتنقّل الفلسطينيين وفرضت قيودًا صارمة على حرّية الحركة من قطاع غزّة وإليها، وبذلك عزلت القطاع عزلاً شبه تامّ عن الضفة الغربية. منعت إسرائيل دخول سكّان القطاع إلى إسرائيل لغرض زيارة الأقرباء أو الاجتماع بالزوج/الزوجة. إضافة إلى ذلك قلّصت إلى الحدّ الأدنى زيارات الفلسطينيين مواطني إسرائيل والقدس الشرقيّة لأقربائهم في القطاع. فوق ذلك صعّبت إسرائيل على عموم سكّان القطاع السفر إلى دول أخرى وبالنسبة لكثيرين منهم منعت ذلك منعًا تامًّا. كذلك قيّدت تصدير واستيراد البضائع وأحيانًا أوقفت ذلك تمامًا. علاوة على ذلك منعت دولة إسرائيل معظم سكّان القطاع من العمل داخل إسرائيل وبذلك فقد عشرات الآلاف مصدر رزقهم. القيود التي فرضتها إسرائيل على حركة البضائع والعمّال نتج عنها ركود اقتصادي عميق في القطاع ومسّ في القدرة على كسب الرزق وتدنّي مستوى المعيشة بشكلٍ حادّ.

في صيف العام 2007 بعد سيطرة حماس على قطاع غزّة استغلّت إسرائيل سيطرتها على المعابر لمحاصرتها: حوّلت نحو مليونَي شخص إلى سجناء داخل القطاع وجلبت على القطاع انهيارًا اقتصاديًّا وجعلت سكّانه عالة على الغوث الدوليّ.

في إطار سياسة الحصار منعت إسرائيل خروج الأشخاص من أراضي القطاع والدخول إليها واستيراد البضائع- وشمل ذلك تقييد دخول الموادّ الغذائية والألعاب والورق والتصدير من القطاع إلى إسرائيل والضفة الغربية والخارج. في شهر تشرين الأول 2010 كُشفت وثائق في أعقاب التماس يتعلّق بحرّية الوصول إلى المعلومات قدّمته منظمة "جيشاه - مسلك" تُظهر أنّ إسرائيل انتهجت "سياسة تقليص مقصودة" تقوم على حساب الحدّ الأدنى لاستهلاك السُّعرات الحراريّة المطلوب لبقاء سكّان القطاع على قيد الحياة.

في حزيران 2010 في أعقاب ضغط دوليّ على إسرائيل تلت أحداث السيطرة على سفينة مرمرة التركية قرّرت إسرائيل إجراء عدد من التسهيلات في سياسة الحصار. ضمن ذلك قبلت إسرائيل إدخال إضافات على قائمة البضائع التي تسمح بإدخالها إلى القطاع، وإتاحة دخول موادّ بناء للمشاريع العامّة ومشاريع الإسكان بإشراف دوليّ.

في هذا الإطار ألغت إسرائيل قائمة البضائع المسموح إدخالها إلى القطاع واستبدلتها بقائمة ممنوعات تفصيليّة تشمل موادّ يُمنع دخولها تمامًا - كالأسلحة وقائمة موادّ "مزدوجة الاستخدام" ترى إسرائيل أنّها قد تُستخدم لأغراض مدنيّة وعسكريّة في آن، وعليه ينبغي تقديم طلب تصريح خاصّ لإدخالها. تشمل هذه القائمة مئات الموادّ التي يمنع نقصها تطوير المصانع وإعادة إعمار البنى المدنيّة. إضافة إلى ذلك جعلت القيود المشدّدة على التصدير والتي بقيت على حالها قطاع غزة معزولاً، دون أيّة إمكانيّة لتنمية اقتصادية حقيقية. وما زال الحصار مستمرًّا منذ سنوات باستثناء تسهيلات معدودة أجريت خلالها.

كجزء من سياسة الحصار قلّصت إسرائيل المجال المسموح فيه الصيد البحري في قطاع غزة: حدّدت اتّفاقيات أوسلو مجالاً بعمق 20 ميل بحريّ (نحو 37 كم)، ولكن إسرائيل لم تُتح أبدًا الصيد في عمق يتجاوز 12 ميل بحريّ. وبمرور السنين قلّصت إسرائيل المجال أكثر وأكثر فجعلته أحيانًا بعُمق 3 ميل فقط ويتراوح اليوم بين 6-9 ميل بحريّ. كذلك يقيّد الجيش الصيد في المناطق المتاخمة لحدود مصر وإسرائيل. يطلق الجيش النيران على الصيادين بحجّة تجاوزهم المجال المحدّد ويعتقلهم ويصادر معدّاتهم. بذلك تمنع إسرائيل الصيّادين من الوصول إلى الثروة السمكيّة الغنيّة الموجودة في عُمق أبعد وتمسّ بقدرة آلاف الصيّادين والعمّال الأجيرين في الصناعات المتعلّقة على كسب الرزق وإعالة أسَرهم، إضافة إلى أنّها تحرم سكّان القطاع من مصدر غذائيّ حيويّ.

تسبّب الحصار في انهيار الاقتصاد في قطاع غزّة: في الرُّبع الثاني من العام 2017 بلغت نسبة البطالة 44%. في أوساط النساء بلغت هذه النسبة 71.5%، وفي أوساط الشباب تحت سنّ 29 بلغت 61.9%. نحو 80% من السكّان يعتمدون على مساعدات تقدّمها منظمات إنسانيّة ونحو 60% منهم يفتقدون الأمن الغذائي. في العام 2000 قبل فرض الحصار كانت نسبة البطالة في القطاع 18.9%.
 
وضع مرافق البنى التحتيّة والخدمات العامّة في القطاع في غاية السوء: نحو 96.2% من المياه المستخرجة في القطاع ملوّثة وغير صالحة للشرب بحيث يضطرّ السكّان إلى شراء المياه المحلّاة . أمّا الكهرباء فتزوّد للسكّان فقط لساعات معدودة في اليوم؛ ويعود ذلك في جزء منه إلى أزمة الوقود وثمن المياه الباهظ والقيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال قطع الغيار اللازمة لمعالجة المنظومات القائمة بما في ذلك ترميم محطّة توليد الكهرباء - التي قصفتها إسرائيل عام 2006. النقص في الكهرباء يؤثّر أيضًا على مرافق المياه وتصريف مياه المجارير إذ يرتبط عملها بتزويد الكهرباء على نحوٍ مستمر. في غياب الكهرباء هذه المرافق تكاد تكون معطّلة تمامًا.

تزويد الكهرباء على نحوٍ منقوص وغير منتظم جلب نتائج هدّامة: انقطاع الكهرباء الدائم يسبّب أضرارًا للأجهزة الطبّية بحيث تضطرّ المستشفيات إلى اعتماد مولّدات الكهرباء وتقليص الخدمات التي تقدّمها - بما في ذلك تأجيل العمليّات غير المستعجلة وإخراج المرضى إلى بيوتهم قبل الأوان. تزويد الكهرباء غير المنتظم يمنع أيضًا تشغيل مضخّات المياه والآبار بشكل منتظم ممّا يعطّل تزويد المياه إلى المؤسّسات العامّة والمنازل، وهذه أيضًا جرى تقليصها بشكل حادّ. في هذه الظروف يضطرّ سكّان قطاع غزّة إلى تقليص كميّات المياه التي يشربونها وشراء المياه المحلّاة من مزوّدين في السوق الخاصّ. تفيد التقديرات أنّ نحو 68% من المياه المحلّاة ملوّثة هي أيضًا وهذا يزيد من احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة بين السكّان. مشاغل تطهير مياه المجارير تعمل بشكل جزئيّ فقط فجرى تقصير دورة معالجة مياه المجارير بحيث تصبّ هذه في البحر وهي غير مطهّرة تمامًا.

في عالم يُعتبر فيه التزوّد المنتظم بالكهرباء من الحقوق الأساسيّة تمسّ انقطاعات الكهرباء بقدرة سكّان القطاع على إدارة مجريات حياتهم على نحوٍ طبيعيّ ومعقول، إذ لا تتيح لهم استخدام الغسّالات والبرّادات وسخّانات المياه وغيرها ببساطة كبقيّة البشر. هذه الأجهزة التي هي جزء لا يتجزّأ من حياة مليارات البشر في هذا العالم بمن فيهم بشر يعيشون على بُعد كيلومترات معدودة من قطاع غزّة، لا يمكن استخدامها في القطاع سوى لوقت محدّد وفقًا لساعات تزويد الكهرباء.

مستوى الخدمات الصحّية في قطاع غزّة أبعد ما يكون عن تلبية احتياجات السكّان وعلاجات طبّية كثيرة لا تتوفّر هناك. تمنع إسرائيل الأطبّاء من السفر للمشاركة في دورات استكمال طبّية ومتابعة المستجدّات العالميّة في مجال عملهم. علاوة على ذلك فإنّ إدخال الأجهزة الطبية الجديدة أو قطع الغيار لإصلاح الأجهزة الموجودة كلاهما رهن بموافقة إسرائيل، وأحيانًا كثيرة تصدر هذه موافقتها بعد تأخير كبير وفي أحيان أخرى لا توافق أصلاً.

جولات القتال

شنّت إسرائيل ثلاث مرّات منذ "الانفصال" ما تسمّيه "حملات عسكريّة" على قطاع غزة.  جولات القتال هذه - والتي قتلت إسرائيل خلالها آلاف الأشخاص وهدمت آلاف المنازل ودمّرت البنى التحتية التي كانت أصلاً على شفا انهيار - فاقمت من صعوبة الأوضاع في قطاع غزّة. استمرار الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع يمنع إعادة إعمار القطاع ويترك عشرات الآلاف من سكّانه بلا مأوى.

"الرصاص المصبوب": في 27.12.2008 شنّت إسرائيل الحملة العسكرية " الرصاص المصبوب" التي استمرّت حتى 18.1.2009. وفقًا لمعطيات منظّمة "بتسيلم"، قتلت إسرائيل خلال القتال 1,391 فلسطينيًّا بينهم على الأقلّ 759 مدنيًّا لم يشاركوا في القتال ومن بين هؤلاء المدنيّين 318 تحت سنّ الـ18. كذلك ألحقت إسرائيل أضرارًا جسيمة بالمباني ومرافق البنى التحتيّة وبضمنها مرافق الكهرباء والماء والمجاري وحيث كانت هذه على شفا انهيار من قبْل الحملة، فقد تسبّبت إسرائيل في شلّها تمامًا. وفق معطيات الأمم المتحدة، هدمت إسرائيل أكثر من 3,500 منزلًا مخلّفة آلاف الأشخاص دون مأوى ودون منزل يعودون إليه. خلال الحملة أطلق الفلسطينيون الصواريخ وقذائف الهاوْن على إسرائيل معلنين أنّهم يستهدفون المدنيّين الإسرائيليين. نتيجة لذلك قُتل ثلاثة مواطنين إسرائيليين وأحد عناصر قوّات الأمن. كذلك قُتل خلال هذه الحملة تسعة جنود أربعة منهم بنيران جنود آخرين.

"عامود السّحاب": في 14.11.2012 شنّت إسرائيل الحملة العسكرية "عامود السّحاب". استمرّ القتال ثمانية أيّام، قتلت إسرائيل خلالها وفقًا لمعطيات "بتسيلم"، 167 فلسطينيًّا بينهم على الأقلّ 87 مدنيًّا لم يشاركوا في القتال ومن بين هؤلاء المدنيّين 32 تحت سنّ الـ18. خلال القتال قُتل أربعة مدنيّين إسرائيليين واثنان من عناصر قوّات الأمن جرّاء صواريخ أطلقها فلسطينيون من أراضي القطاع.


"الجُرف الصّامد": شنّت إسرائيل هذه "الحملة العسكرية" في 8.7.2014. استمرّ القتال خمسين يومًا حتى 26.8.2014، أمعنت خلالها إسرائيل هدمًا وتدميرًا لمرافق البنى التحتية المدنية في قطاع غزّة. وفقًا لمعطيات "بتسيلم"، قتلت إسرائيل أثناء القتال 2,202  فلسطينيًّا بينهم 1,391 مدنيًّا لم يشاركوا في القتال. من بين مجمل من لاقوا حتفهم هناك 546 أي نحو الرُّبع تحت سنّ الـ18، بينهم 526 مدنيّون لم يشاركوا في القتال. أثناء القتال قتل الفلسطينيون ستّة مدنيّين بينهم طفل واحد و-63 جنديًّا. كما قُتل ثلاثة جنود بنيران جنود آخرين وقُتل جنديّ آخر جرّاء حادث.

مناطق "ممنوعة"

تتعامل إسرائيل مع المنطقة المتاخمة للشريط الحدوديّ من جهة قطاع غزّة على أنّها جزء من أراضيها وتستغلّها لخلق "حزام أمنيّ" مقتطعة إيّاها من قطاع غزة الضيّق أصلاً. بعد اندلاع الانتفاضة الثانية حدّد الجيش مساحات واسعة متاخمة لحدود إسرائيل - غزّة (جزء كبير منها أراضي زراعيّة) ومنع الفلسطينيين من دخولها. لم تصرّح إسرائيل عن هذه السياسة بشكل رسميّ كذلك لم يوضّح الجيش للسكّان أيّ المساحات بالضبط يُحظر دخولهم إليها، ممّا فاقم الأخطار التي يتعرّض لها السكّان.

لأجل إنفاذ هذا الحظر طبّقت إسرائيل في هذه المناطق تعليمات إطلاق نار تتيح إطلاق النيران على الفلسطينيين الموجودين داخلها حتى إذا لم يعرّضوا أحدًا لخطر. نتيجة لتطبيق هذه التعليمات بلغ عدد القتلى المدنيّين في غير جولات القتال 83 فلسطينيًّا - منذ "الانفصال" في أيلول 2005 وحتّى نهاية أيلول 2017. من بين هؤلاء قُتل 39 أثناء وجودهم هناك كجزء من مجريات حياتهم العاديّة بعضهم من سكّان هذه المناطق وبعضهم ومزارعون. كذلك قُتل 12 آخرون لدى اقترابهم من الشريط الحدودي بقصد الدخول إلى إسرائيل بحثًا عن عمل.

إلى ذلك قُتل 28 فلسطينيًّا في مظاهرات أقيمت في جوار الجدار من جانبه الفلسطيني بينهم ثمانية شاركوا في القتال، ولكنّهم حين قُتلوا لم يكونوا مسلّحين. تنظَّم في السنوات الأخيرة مظاهرات أسبوعية كهذه في بضعة مواقع يشارك فيها المئات. يرفع المتظاهرون أعلام فلسطين على الجدار ويشعلون الإطارات ويحاولون تخريب الجدار أو حتّى اجتيازه ويرشقون بالحجارة الجنود الواقفين في الجانب الإسرائيلي من الجدار الحدوديّ. في معظم الحالات يتواجد في المكان عشرات الجنود محتمين وراء مكعّبات باطون أو سواتر ترابيّة على بُعد عشرات الأمتار من الجدار.

تبعًا لسياسات تطبيق قانون إسرائيل - لا يُستدعى أحد للمساءلة والمحاسبة على التسبُّب بهذه الوفيات رغم أنّ إطلاق النيران جرى دون أن يتهدّد الخطر حياة الجنود وفي مناطق يعلم الجيش جيّدًا أنّها مأهولة بسكّان مدنيّين - ومن هنا فقد استمرّ إطلاق النيران ووقوع الوفيات.

طريقة أخرى يتّبعها الجيش لإنفاذ حظر الدخول إلى هذه المناطق هي رشّ المبيدات على المزروعات في الأراضي المحاذية للجدار - داخل قطاع غزّة. يرشّ الجيش هذه الموادّ دون سابق إنذار ودون تبليغ السكّان أنّ عليهم اتّخاذ وسائل وقاية لحماية المزروعات التي تبعد مئات الأمتار عن الجدار - إذ تحمل الرّيح المبيدات إليها أيضًا وتلحق بها الأضرار. وأيضًا خلال جولات القتال دمّرت إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي المحاذية للشريط الحدودي - بما في ذلك أحياء سكنيّة بأكملها.

في الماضي زرع السكّان في هذه الأراضي الأشجار المثمرة ودفيئات الخضار كما استخدموها لرعي الأغنام والأبقار التي يربّونها للاستهلاك المنزليّ. ولكن بسبب سياسة إسرائيل هذه وفي أعقاب تدمير الجيش لكثير من المزروعات في المنطقة اضطرّ مزارعون كثيرون إلى الانتقال لزراعة محاصيل تتطلّب عناية أقلّ وفي الوقت نفسه لا يستطيع الجيش الادّعاء أنّها تحجب الرؤية عنه. من هنا تنتشر اليوم في هذه المناطق الزراعة البعلية إذ لا تحتاج للريّ وتشمل الحنطة والشعير والفاصولياء ومختلف أنواع الخضار.