(35 عامًا)، أب لاثنين، من سكان بيت لاهيا، تحدث عن الحصار على مستشفى العودة الذي كان يعمل فيه ممرضًا، عن اعتقاله في أثناء عمله، عن التعذيب القاسي الذي تعرض له طوال سنة ونصف السنة من الاعتقال وعن العودة إلى القطاع المُدمَّر
كنت أقيم مع زوجتي مها (31 عاماً) وطفلينا محمد (9 سنوات) ولما (7 سنوات) في شمال القطاع، في القرية البدوية (المسلخ)، بالقرب من مدرسة حمزة. كنت أعمل ممرضاً تقنياً في غرفة العمليات في مستشفى العودة، في حي تل الزعتر في جباليا.
عندما بدأت الحرب في 7.10.23، واصلت العمل في المستشفى. وفي اليوم التالي، عندما كنت في العمل، اضطرت عائلتي الموسعة إلى مغادرة منزلنا. أخذوا بعض الملابس والبطانيات وانتقلوا إلى مدرسة خليفة بن زايد في بيت لاهيا. في كل مرة تشتد فيها حدة القتال، نغادر المنزل ـ فهو قريب جدًا من الحدود وعلى بعد كيلومتر واحد فقط منه توجد مواقع للجيش الإسرائيلي.
بقيت عائلتي في إحدى غرف مدرسة خليفة بن زايد لفترة طويلة. لم أستطع ترك عملي في المستشفى والانضمام إلى زوجتي وطفلينا هناك، فبقيت في الخلف. كان المستشفى مليئًا بالجرحى والقتلى، وخاصة في الأيام الأولى من الحرب. كان يتم إحضار المزيد والمزيد من الجرحى والقتلى في كل لحظة. كان لدي التزام مهني وأخلاقي بالبقاء هناك والعناية بالجرحى والوقوف إلى جانبهم.
مع الاقتحام البري لبيت لاهيا، انتقلت عائلتي مرة أخرى إلى مخيم جباليا للاجئين، إلى منزل والديّ زوجتي. تمكنوا من البقاء هناك لفترة طويلة، حتى قصفت طائرات الاحتلال المنزل. الحمد لله، لم يصب أحد بأذى، بل خرج الجميع من القصف سالمين ومعافين.
بعد القصف، انتقلت زوجتي والطفلان مرة أخرى، إلى شارع غزة القديم في بلدة جباليا، هذه المرة. هناك، أقاموا في مدرسة تم تحويلها إلى مخيم للمهجرين. أما أنا، فقد بقيت في عملي ولم أغادر المستشفى طوال تلك الفترة. رأيت الكثير من الحالات الصعبة، خاصة من الأطفال الذين أصيبوا وقتلوا. ذات مرة، نُشرت صورة لي على مواقع التواصل الاجتماعي وأنا أحمل طفلاً صغيراً بين ذراعي. شعرت أنه أحد أولادي. كان ذلك شعورًا صعبًا للغاية.
إحدى أصعب اللحظات التي مررت بها كانت في تشرين الثاني 2023، عندما وصلت دبابات الجيش الإسرائيلي إلى المستشفى وحاصرته وهاجمته. هاجموا، من بين أمور أخرى، المبنى الذي توجد فيه غرف العمليات المتخصصة، في الجانب الجنوبي من المستشفى، وكذلك الطابق الثالث من المستشفى. قُتل في ذلك الهجوم ثلاثة أطباء: محمود أبو نجيلة، زياد التتري وأحمد السحار - جميعهم أطباء عامون. كما أصيب عدد من الممرضين والممرضات، وقد بُترت أطراف بعضهم. كما قُتل في الهجوم عدد من مرافقي المرضى ودُفن ثلاثة منهم في حرم المستشفى. في تلك الفترة، كانت الأوضاع في المستشفى صعبة وكنا نعاني من نقص في الغذاء والمكملات الغذائية للأطفال.
استمر الحصار على المستشفى ثم شدد الجيش الإسرائيلي هذا الحصار في صباح يوم 16.12.23، حوالي الساعة 9:00. استدعوا مدير المستشفى، الدكتور أحمد مهنا. نزل إلى الساحة وهناك أجرى معه الجيش تحقيقًا استمر يومًا كاملًا، حتى صباح اليوم التالي، 17.12.23. أخذوا تفاصيل جميع من كانوا في داخل مباني المستشفى، حوالي 260 شخصًا. كما أخذوا قائمة بالمستلزمات الطبية اللازمة وأخبروا الدكتور مهنا بأنه يجب إخراج جميع مَن في المستشفى. صعد الدكتور مهنا إلينا وأخبرنا بأننا يجب أن نخرج جميعًا، وفقًا لأوامر الجيش.
كنا لا نزال في منتصف إجراءات طبية. حوالي الساعة 13:00، دخل العديد من الجنود دفعة واحدة إلى مبنى المستشفى وأطلقوا النار بشكل مكثف. دخلوا إلى غرفة العمليات حيث كنت مع أربعة من أفراد الطاقم الطبي. كنا في تلك اللحظة نعالج حالة حرجة للغاية: طفلة مصابة بحروق من الدرجة الثالثة، وكان علينا تغيير ضماداتها تحت التخدير الكامل. كنا على وشك الانتهاء من العملية، لكن جنود الجيش الإسرائيلي أمرونا بترك الطفلة. ومع ذلك، تأخرنا هناك حتى تمكنا من الانتهاء من تغيير الضمادات. عندما انتهينا، طلبنا من والدتها أن تأخذها من هناك وخرجنا مع الجنود إلى باحة المستشفى.
كنا نرتدي زي الطاقم الطبي. كانت الساحة مليئة بالجنود وكان هناك قناصة على أسطح المنازل المجاورة ودبابات تحيط بالمكان من كل جانب. أمروا جميع الرجال بخلع ملابسهم، على الرغم من وجود ممرضات ونساء يرافقن المرضى. كنا هناك في الساحة حوالي مائة رجل. أطعنا الأوامر وخلعنا ملابسنا، باستثناء السراويل الداخلية. ثم قيدوا أيدينا إلى الخلف بأصفاد وغطوا أعيننا. لم أستطع رؤية أي شيء.
من هناك اقتادونا سيرًا على الأقدام لمسافة حوالي 500 متر، ثم نزلوا عن عينيّ العصابة ووجدت نفسي داخل موقع عسكري أقاموه بالقرب من المستشفى الإندونيسي، القريب من مستشفانا. كان هناك الكثير من الجنود، وبعض الدبابات أيضًا.
استدعونا إلى التحقيق، واحدًا تلو الآخر. استدعوني بعد حوالي 3 ساعات وحققوا معي وأنا واقف. سألوني عن تفاصيلي الشخصية، عن طبيعة عملي وراتبي ومكان إقامتي ووضعي الشخصي. سألوني عما إذا كانت هنالك أنفاق لحماس في المستشفى. أجبت الجندي بأنه لا توجد أنفاق داخل المستشفى وشرحت له أن المستشفى هو منشأة مدنية. في تلك اللحظة، وقع انفجار لم أفهم مصدره وأصيب عدد من المعتقلين، بعضهم موظفون في المستشفى أصيبوا بجروح طفيفة من الشظايا. لم يتلقوا أي علاج ولم يهتم بهم أحد ولم يتفقد حالتهم أحد.
كان الشتاء قارساً وكان الجو بارداً جداً. كنا لا نزال نرتدي سراويل قصيرة فقط فطلبنا منهم أن يعطونا ملابس نرتديها. بعد حوالي 3 ساعات، أحضر الجنود بطانيات أخذوها من المنازل المجاورة وألقوها علينا. بع ذلك، نزعوا الأصفاد عن أيدينا وألبسونا ملابس بيضاء، ثم قيدوا أيدينا إلى الخلف بالأصفاد، مرة أخرى، وعصبوا أعيننا وأخذونا إلى مكان مجهول. هناك، سمعنا صوت دبابات صاخب للغاية. أعتقد أنه كان موقعًا عسكريًا.
بعد حوالي ساعتين، وصل الدكتور أحمد مهنا، مدير المستشفى. نادى بأسماء 16 شخصًا، من بينهم أنا والدكتور عدنان البُرش والدكتور أيمن السكافي وشقيقه محمد السكافي ومسعف يدعى خالد أبو سعدة وضابط أمن المستشفى، إياد أبو شرخ. اقتادونا إلى مكان مجهول.
في منتصف الليل، أصابنا الذهول عندما اكتشفنا أنهم وضعونا في منزل زرعوا فيه متفجرات: نزعوا عصابات أعيننا، فرأينا ألغاماً منتشرة في جميع أنحاء المنزل. ثم عصّبوا أعيننا مرة أخرى وقيدوا أيدينا. بعد بضع ساعات، وصلت شاحنة إلى مدخل المنزل وأدخلونا إليها بطريقة وحشية وعنيفة للغاية، بالركل والضرب بأسلحتهم، بقوة.
شتمونا بشتائم قاسية مثل "يا أبناء العاهرات" و"أبناء الزانيات" و"ليحلّ بكم العذاب واحداً واحداً". سافرنا، ودون أن يلاحظ الجنود، تمكنت من تحريك غطاء العينين قليلاً ورؤية الطريق. أدركت أننا في الطريق المؤدي من مستشفى العودة إلى حاجز "إيرز". خلال الرحلة، اعتدوا علينا أيضًا وركلونا بقوة بأحذيتهم العسكرية وضربونا بأيديهم وبأسلحتهم وشتمونا: "يا أبناء العاهرات، يا أبناء العاهرات".
عند حاجز "إيرز"، أنزلونا من الشاحنة وهم يضربوننا ويدفعوننا ويهينوننا. أمرونا بخلع الملابس مرة أخرى والبقاء بملابسنا الداخلية. بقينا هكذا لفترة طويلة. كنا نشعر بالبرد الشديد وكنا جائعين وعطشى.
بعد ذلك أدخلوني إلى غرفة وأنزلوا عني غطاء العينين. رأيت هناك عددًا من الجنود والجنديات. سخرت مني الجنديات وضربنني. ألقت إحداهن عليّ علبة سجائر وشتمتني ووصفتي بـ "ابن العاهرة".
بعد ذلك أمروني بخلع السروال الداخلي وبقيت عارياً تماماً أمام الجنديات. قاموا بتفتيشي بدقة شديدة باستخدام جهاز مسح. بعد ذلك أحضروا لي ملابس داخلية وبيجامة للسجناء، باللون الرمادي العسكري. غطوا عينيّ وقيدوا يديّ واقتادوني إلى مكان آخر، لم أعرف ما هو. هناك، ضربوني بالهراوات أو العصي لفترة طويلة. بدافع اليأس، حاولت صد الضربات والرد على الجندي، لكنني لم أستطع. في تلك اللحظة، تلقّيت ضربة قوية وشعرت بأنهم كسروا أحد أضلاعي.
من هناك نقلوني إلى مكان آخر، في ناقلة جند مدرعة هذه المرة. فهمت أن المكان يسمى "الكلابات": ألقوا بي على الأرض وبدأت الكلاب تدوس عليّ وتهاجم بعض المعتقلين الآخرين. شتمني الجنود باللغة العبرية ولم أفهم ما قالوا.
نقلونا مرة أخرى في حافلات، إلى مكان آخر هذه المرة. أثناء الرحلة، أمرونا بغناء "دولة إسرائيل حية" و"شعب إسرائيل حي"، وكانوا خلال ذلك يضربوننا، بغض النظر عما إذا كنا نغني أم لا.
كنت منهكًا تمامًا من الضرب والجوع والعطش. أصلًا، لم أتناول أي شيء في اليوم الذي اعتقلوني فيه. في مرحلة ما، شعرت بالضعف وأغمي عليّ. استيقظت في داخل تخشيبة. كنت ملقى على الأرض، بدون أصفاد أو عصابة على عيني، وكان حولي معتقلون. سألت أحدهم "أين أنا؟"، فأجابني: "كل شيء على ما يرام. لا تقلق". أحضروا لي ماء. سألته: ”ما الساعة؟" فأجابني: "قرابة الرابعة صباحاً".
فجأة، دخل العديد من الجنود من وحدة خاصة مع عدد كبير من كلاب الشرطة. فور دخولهم، ألقوا وابلًا من القنابل الصوتية وشتمونا بألفاظ بذيئة للغاية، مثل: "من يرفع رأسه سأضاجع أمه. سأحضِرها إلى هنا وأفعل بها كذا وكذا، أيها الكلاب، يا أبناء العاهرات". هاجموا بعض السجناء بعنف شديد وأطلقوا عليهم الكلاب، ثم اصطفونا في صف لعدّنا: عدّونا ونادوا بأسمائنا. كل من سُمع اسمه كان عليه أن يقول "نعم، حسناً أيها النقيب".
بقينا هناك. في الصباح أحضروا لنا وجبة الإفطار: قطعتان من الخبز وعلبة مربى صغيرة. كانت وجبة الغداء عبارة عن خبز مع علبة تونة، وأحضروا لنا الخبز والتفاح على العشاء.
كنا حوالي 150 شخصًا في التخشيبة. حصلت على رقم السجين 5879. قيّدونا بأصفاد معدنية. بقيت معصوب العينين لمدة 41 يوماً متواصلة. كانت رائحة التخشيبة كريهة جداً. سمحوا لنا بالدخول إلى الحمّام مرة واحدة في اليوم. كانت التخشيبة مفتوحة من جميع الجوانب. كان الجو بارداً جداً وتبللنا من المطر. بعد فترة، أحضروا لي بطانية رقيقة. في هذا المكان، حققوا معي مرة واحدة - سألوني عن تفاصيلي الشخصية، عن الأنفاق وعن عملي في المستشفى.
بعد 41 يوماً، نقلوني إلى مكان آخر. أثناء النقل، ضربوني. وعندما وصلت، سكبوا سائلاً ساخناً جداً على ظهري. لم أكن أعرف ما هو - ظننت أنه شاي مغلي ربما. شعرت بحرقة في رقبتي وظهري. بعد ذلك أخذوني إلى زنزانة وضربوني بما بدا لي أنه هراوات معدنية أو عصي، وشتموني بعبارات مثل "يا ابن العاهرة. سأضاجعك".
بعد ذلك، أدركت أنني في سجن النقب (كتسيعوت). كان في الغرفة 12 سجيناً و4 أسرّة. كان معظمنا ينام على الأرض. عندما وصلت، من شدة الضربات والحروق في ظهري، انهرتُ وبدأت أبكي. نادى الشاويش ـ وهو السجين المسؤول عن السجناء ـ السجّان وقال له إنني بحاجة إلى مسكِّن للألم. بعد حوالي عشرة أيام فقط حصلت على حبة واحدة لتسكين الألم.
بعد ذلك، فحصني ممرض وقرر نقلي إلى جناح آخر مخصص للمرضى. كانت هناك خيام عادية يُسجن فيها مرضى السكري والأشخاص الذين يعانون من ضغط الدم المرتفع، وما إلى ذلك. نقلوني إلى هناك لمعالجة الحروق التي أصبت بها، من الدرجتين الثانية والثالثة. بقيت هناك لمدة عام كامل. كانت هناك 5 خيام، كل منها بمساحة 5 × 10 أمتار، وكان في كل خيمة 40 سجينًا. وجبات الإفطار التي كانوا يجلبونها لنا إلى الخيمة لم تكن كافية للجميع. عادةً ما كانت الوجبة تتكون من 7 شرائح خبز وكوب أرز وكوب عدس وبيضة، وكان يجب تقاسمها بين جميع السجناء في الخيمة، وهي كمية لا تكفي حتى لطفل صغير. كانت الظروف الصحية سيئة للغاية. بالكاد سمحوا لنا بالاستحمام. وعندما كانوا يسمحون لنا، كان ذلك لمدة أربع دقائق فقط، بماء بارد جداً، وكل من يتأخر كان يُعاقَب.
بعد فترة من الاعتقال، رأيت فجأة الدكتور أحمد مهنا، مدير المستشفى الذي كنت أعمل فيه. كان قد نمت له لحية وشعر طويل جداً. كان المكان مليئًا بالحشرات وكنا جميعًا نتعرق لأنهم لم يسمحوا لنا بالاستحمام. انتشر بيننا القمل والجرَب الذي ظهر في بداية كانون الثاني 2024، واستمر حتى تم إطلاق سراحي.
كما عانى المُحتجَزون هناك كثيرًا من تقلصات والتهابات في المعدة والأمعاء ومن الإنفلونزا. كما عانى بعض السجناء الذين كانوا معي من فشل كلوي وتوفوا بسبب ذلك، ومنهم محمد العوكة (أبو عديّ). اعتقدت أن وفاتهم ربما كانت بسبب المياه الملوثة التي شربناها: لقد قطعوا المياه، وعندما أعادوا تشغيلها، كان ذلك لمدة ساعة واحدة فقط. لم يكن لدينا خيار سوى شرب المياه الملوثة: كنا نخزّن المياه في ثنية أو في بطن الخيمة، وأحيانًا كنا نضطر إلى شرب المياه من خزان المرحاض.
كانت حالتنا النفسية صعبة للغاية. كانوا يمنعوننا من الصلاة أو قراءة آيات من القرآن. ذات مرة، بينما كنا نصلي، سمع الجنود أحد السجناء يقول "الله أكبر"، فداهموا الجناح بأكمله وضربونا ضربًا مبرحًا وشتموا أمهاتنا ووصفونا بالكلاب والإرهابيين.
بقيت أعاني هذا العذاب يومًا بعد يوم حتى أُطلق سراحي.
عالجت السجناء المرضى بمبادرتي الخاصة باستخدام البوليدين الذي حصلت عليه من الممرضين الإسرائيليين وقمت بتطهير الأسطح باستخدام المبيّض. أعطى البوليدين السجناء شعوراً بالراحة لأنهم شعروا أنهم يتلقون العلاج، على الرغم من أنه لم يكن يساعدهم حقاً. بعد ذلك انتشرت الحساسية والقروح القيحية في الأماكن الحساسة، بما في ذلك الفخذين ومنطقة الحوض. شعرت أنهم أوصلونا إلى هذه الحالة عن قصد.
رأيت أيضًا سجناء تعرضوا للاعتداء الجنسي. تعرض بعضهم للعض من قبل الكلاب في مناطق حساسة، مما استلزم إجراء عمليات جراحية عاجلة لهم. عانى بعض السجناء من نزيف من الشرج والإحليل. تعرض سجين آخر للبتر نتيجة الإهمال وحرمانه من العلاج. بعضهم عانى من عدم القدرة على التحكم بالعضلات، وبعضهم حاول الانتحار لأنه لم يستطع تحمل التعذيب الجسدي والنفسي المستمر، الذي كان مروّعاً ولا يطاق. فقد أحد السجناء عقله. أتجنب ذكر أسمائهم حفاظاً على خصوصيتهم وخصوصية عائلاتهم.
في مرحلة ما، تم إحضاري أمام قاضٍ في محكمة إسرائيلية، ولكن ليس وجهاً لوجه بل عبر "سكايب". اتهموني بأنني "مقاتل غير شرعي". استمرت الجلسة 3 دقائق. قال لي القاضي "إبراهيم، ما اسمك الكامل؟"، فأجبت. ثم قال لي "أنت تشكل خطراً على دولة إسرائيل، ولذلك قررت المحكمة تمديد اعتقالك حتى نهاية الحرب". التقيت مرة واحدة بمحامية من منظمة لحقوق الإنسان جاءت إلى السجن، وسألتني عن وضعي. بعد أن أُطلق سراحي، فهمت أنها جاءت عن طريق زوجتي التي اتصلت بهذه المنظمة. من خلالها، تم إطلاع زوجتي على حالتي الصحية وعلى أنني محتجز في سجن النقب [كتسيعوت].
نقلوني من مكان إلى آخر واستجوبوني. خلال التحقيقات، حاول المحققون إقناعي بالعمل معهم. وعدوني بملابس جديدة وطعام، لكنني رفضت. قالوا لي إنهم قتلوا كل أفراد عائلتي، وكان لذلك أثر نفسي كبير عليّ. تمنيت الموت، فما فائدة الحياة إذا كانت ستقضي عليّ في السجون والتعذيب وفي ظل فقدان العائلة والزوجة والأطفال. ومع ذلك، شعرت بطريقة ما أن المحققين يكذبون وأن عائلتي بخير. بعد زيارة المحامية، أدركت أنهم بخير بالفعل، وهذا أعطاني الأمل.
قبل اعتقالي، كان وزني 87 كيلوغراماً، وخلال فترة اعتقالي فقدت 25 كيلوغراماً من وزني.
في 14.2.25، وصلت بعثة من الصليب الأحمر إلى السجن. توقعت أن يطلقوا سراحي، لأنهم سألونا عما إذا كنا قادرين على الصعود إلى الحافلات بمفردنا أم لا. بعد مغادرة الوفد في ذلك اليوم، هاجمني الجنود وسجناء آخرين بطريقة عنيفة جدًا. في اليوم التالي، وصلت بعثة أخرى من الصليب الأحمر. أخرجنا السجانون معصوبي الأعين وضربونا ضربًا مبرحًا وأدخلونا إلى الحافلات التي نقلتنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم). دخلنا قطاع غزة سيرًا على الأقدام، ومن هناك نقلونا إلى المستشفى الأوروبي جنوبَ خان يونس. بعد ذلك، أدركت أنه قد أُطلق سراحنا في إطار صفقة بين الجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية.
انتظرتني عائلتي وزملائي من مستشفى العودة في المستشفى. كانت الفرحة كبيرة، لكنها كانت مختلطة بحزن شديد: تألمت كثيراً عندما أبلغوني أن والدي قُتل في 3.5.24، في قصف لمدرسة صلاح الدين. علمت أيضًا بوفاة زملاء كانوا بمثابة إخوة لي، مثل هيثم حماد وحمزة نايفة وأبو إسلام بنات. كما أحزنتني كثيرًا مشاهد الدمار الهائل التي رأيتها أثناء رحلتي من معبر كرم أبو سالم إلى المستشفى.
على الرغم من كل شيء، كنت سعيداً بالخروج من السجن ومقابلة زوجتي وأولادي والتعرف على ابني الذي ولد في 3.1.24، أثناء وجودي في السجن. كانت أول مقابلة مع طفلي، الذي أصبح عمره سنة وشهرين، حدثاً بحد ذاته.
بعد ذلك ذهبنا سيراً على الأقدام إلى منزل جدي في شارع الجلاء في مدينة غزة. صُدمت عندما رأيت أن منزله قد دُمر بالكامل. سمعت من الناس أن الجيش قصف منطقة القرية البدوية التي كنا نسكن فيها، وهي قريبة جداً من الحدود الإسرائيلية، وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة. كما تم تدمير منزلنا أيضاً.
كان الوضع محبطاً. كان الناس يملكون منازل، بينما أصبحوا اليوم يعيشون في خيام في ظروف مزرية. رأيت دماراً هائلاً، خاصة في مخيم جباليا للاجئين الذي تم محوه تماماً من على وجه الأرض. حاول زملائي إقناعي بالعودة إلى العمل، وقالوا إن ذلك قد يحسّن من حالتي النفسية قليلاً. لكنني فضّلت العزلة. انعزلت في المنزل لمدة ثلاثة أشهر.
لكن في 18.3.25، عندما انتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار واستأنفت حرب الإبادة ضد القطاع، عدت إلى العمل على الفور. لم أستطع عدم القيام بعملي وعدم تقديم العلاج للجرحى. على الرغم من أن المحققين قالوا لي أثناء اعتقالي أنه لا يجوز لي العودة إلى عملي وهددوني بأن شيئًا سيئًا سيحدث لي إذا عدت.
على الرغم من أنه قد تم إطلاق سراحي من الاعتقال، ما زلت في حالة نفسية صعبة. أميل إلى العزلة ولا أحب الاختلاط بالناس أو حتى التحدث مع أفراد عائلتي. أعيش في ظل الخوف من أن يأتوا ويعتقلوني مرة أخرى. لذلك، عندما غزا الجيش الإسرائيلي منطقة تل الزعتر واقتربت القوات من مستشفى العودة، فضلت التغيب عن العمل خوفاً من أن يعتقلوني ويعذبوني مرة أخرى. حتى اليوم، أعاني من الأرق وأجد صعوبة في النوم.
لا تزال غزة تعاني من مجاعة شديدة، وهذا يذكرني بالأيام التي قضيتها في الاعتقال. أنا قلق على زوجتي وأولادي، وخاصة على الرضيع الذي يحتاج إلى حليب بديل. وضعنا المالي صعب للغاية، وهذا يزيد من صعوبة الحياة في هذه الظروف الرهيبة. أنا مضطر إلى توفير الحفاضات والحليب لابني، لكنها تكاد تكون غير متوفرة في الأسواق، وعندما يتسنى الحصول عليها، تكون أسعارها باهظة.
عاد الجيش الإسرائيلي إلى تهديدنا ومطالبتنا بإخلاء شمال القطاع، استعدادًا لاقتحامه مدينة غزة. لم يكفهم كل القتل والدمار الذي تسببوا به. إنهم يريدون تدمير المنازل والخيام المتبقية في المدينة. في كل لحظة نحن معرضون لإطلاق النار، ليلاً من طائرات "كوادكوبتر" ونهاراً من قذائف المدفعية. يريدون إجبارنا على مغادرة المدينة، لكن ليس لدينا مكان نذهب إليه: ليس لدينا خيمة، ليس لدينا مال ولا أستطيع أن أضمن لأسرتي أبسط شروط المعيشة.
أقسمت لنفسي أن أبقى في مدينة غزة، حتى لو داستنا دبابات الاحتلال الإسرائيلي. بعد أن أنهكتنا الحرب وتبددت كل آمالنا وأحلامنا في العيش بسلام وأمان، لم يعد لدينا القوة للرحيل مرة أخرى، كما أننا لا نملك المال لدفع ثمن سيارة تنقلنا إلى جنوب القطاع. نحن كأجساد بلا روح.
نأمل أن تنتهي الحرب وأن نتمكن من النوم ليلاً والعيش قليلاً دون خوف وقلق، على الرغم من تدمير المنازل والبنية التحتية وكل شيء في قطاع غزة. هذه المشاهد تمزق القلب والألم الذي تسببه لنا سيترك آثاره علينا على المدى الطويل.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 9.10.25