Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جبريل الصفدي

جبريل الصفدي

( 14 تشرين الثاني 2025 )

(45 عامًا)، متزوج وأب لستة، من سكان خان يونس، تحدث عن اعتقاله عندما نزح من منزله، مع عائلته، عن التعذيب القاسي الذي أدى إلى بتر ساقه، عن الاعتداءات الجنسية التي تعرض لها في السجن وعن فقدان ابنه:

جبريل الصفدي بعد إطلاق سراحه. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

حتى اندلاع الحرب كنت أسكن مع زوجتي وأولادنا الستة: يحيى (22 عامًا) وسالي (20 عامًا) وسجود ( 18عامًا) وديما (15 عامًا) ونسمة (12 عامًا) ورواء (10 أعوام). كنا نسكن في شقة في الطابق الخامس من مبنى في مشروع "مدينة حمد" السكني في خان يونس في وسط القطاع. وقد دُمّرت شقتنا بعد أن قصف الجيش المبنى.

أنا موظف حكومي في حكومة غزة. نشأتُ في عائلة فقيرة في حي الدرج في مدينة غزة، وعشت طوال حياتي كشخص فقير وبسيط يكافح من أجل إعالة أسرته. قبل أكثر من خمس سنوات، أصِبتُ بمرض السكري.

في اليوم الأول من الحرب، تم إلغاء دروس أطفالي في المدارس والجامعات. في الأيام التالية، بدأت الغارات على جميع أنحاء القطاع. وسرعان ما ساءت الأوضاع وبدأ سكان شمال القطاع بالنزوح من منازلهم والفرار جنوباً، لكن الجنوب لم يكن آمناً أيضاً، حيث تعرض الناس للقصف والقتل.

بقيت أنا وعائلتي في منزلنا وتابعنا الأخبار على أمل أن تنتهي الحرب بسرعة. بقينا على هذا الحال حتى اقتحم الجيش خان يونس في أوائل كانون الأول 2023. عندما بدأ الجيش بقصف وتدمير المباني في منطقتنا، قررنا المغادرة وجمعنا كل ما استطعنا من متاعنا وهربنا جنوبًا، إلى مخيم المهجرين في حي تل السلطان في رفح. أقمنا خيمة هناك وعشنا فيها. كانت الحياة في مخيم المهجرين صعبة للغاية: كنا نكافح للحصول على الماء والغذاء وكانت هناك طوابير طويلة أمام المراحيض المشتركة.

يحيى الصفدي، ابن جبريل، الذي قُتل جرّاء غارة عسكرية. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

في 16.2.24، سمعنا أن "مدينة حمد" أصبحت آمنة وأنّ بعض السكان قرروا العودة. قررنا العودة إلى شقتنا، وكانت المنطقة تبدو أكثر أمانًا بالفعل. بقينا هناك حتى 3.3.24. في تلك الليلة، حوالي الساعة21:00، بدأنا نسمع أصوات إطلاق نار كثيف وقصف شديد داخل "مدينة حمد". بعد بضع دقائق، صُدمنا عندما رأينا دبابات الجيش الإسرائيلي تغزو الحي وتطوّقه من جميع الجهات. نظرت من النافذة ورأيت دبابة عسكرية متوقفة أمام بنايتنا مباشرة، فصُدمت. ومع ذلك، بقينا في المنزل حتى صباح اليوم التالي، تحت القصف. في الصباح، بدأ الجنود ينادوننا للخروج من المنازل ومغادرة المنطقة عبر حاجز عسكري أقاموه بالقرب من بوابة أصداء الشمالية.

في 4.3.24، خرجنا من المنزل ومشينا حتى وصلنا إلى الحاجز، وهناك ناداني الجنود وقالوا لي باللغة العربية: "أنت صاحب النظارات، يا ابن العاهرة، تعال إلى هنا!". تركت زوجتي وأولادي ومشيت إلى الجنود. قاموا بتفتيشي ووجدوا معي 8,000 شيكل وهاتفًا محمولًا. أخذوا المال والهاتف وأمروني بخلع جميع ملابسي. من هناك، اقتادوني إلى بركة مياه فارغة وألبسوني ملابس بيضاء وعصبوا عينيّ وقيدوا يديّ خلف ظهري وأجلسوني راكعاً على ركبتي في البركة. ثم بدأوا بإدخال معتقلين آخرين إلى البركة.

بقيت جاثياً هناك لمدة ساعتين تقريباً. بعد ذلك اقترب مني عدد من الجنود وبدأوا بضربي ضرباً مبرحاً. ضربوا رأسي بالحائط أكثر من عشر مرات متتالية، فبدأت أنزف دماً. واصلوا ضربي على كل جسدي: على الصدر والبطن والكليتين حتى فقدت الوعي في النهاية. استيقظت على صراخ قوي من معتقلين آخرين كانوا يتعرضون للضرب في مكان قريب وعلى أصوات ضربات قوية. بطحني الجنود على بطني وداس جنديان على ظهري وركلا رأسي بقوة. بدأت أصرخ من الألم، فتركوني. بقيت هكذا، مستلقياً هناك، حتى بزوغ الفجر في اليوم التالي.

معتقلون فلسطينيون محتجَزون في بركة فارغة في قطاع غزة. الاستخدام بموجب البند 27أ

في اليوم التالي، أخذني جنديان مع أربعة أو خمسة معتقلين آخرين، وكنا جميعاً مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، وأدخلانا إلى دبابة. تمكنت من رؤية القليل من تحت غطاء العينين. بدأ الجنود بضربنا على وجوهنا. سافرنا في الدبابة لمدة 20 دقيقة تقريباً حتى وصلنا إلى مكان عرفت لاحقاً أنه يسمى الحصمة [مجمع مغطى بالحصى]، بالقرب من سجن "سديه تيمان". عندما وصلنا إلى هناك، استبدلوا الأصفاد البلاستيكية التي كانت على يديّ بأصفاد حديدية.

بعد ذلك، صعدوا بنا إلى حافلة وربطونا إلى المقاعد. طوال الرحلة، كنا نتعرض للتعذيب والضرب والشتائم. أمرنا الجنود بأن ننبح مثل الكلاب والقطط. كانت الضربات التي تلقيناها عنيفة للغاية، لدرجة أن بعض السجناء نُقلوا مباشرة إلى المستشفى فور وصولنا.

وضعوا على معاصمنا أساور عليها أرقام، والرقم الذي حصلت عليه كان 901739. عندها فهمنا أننا وصلنا إلى سجن "سديه تيمان". كانت هناك بركسات كبيرة مقسمة إلى زنازين صغيرة، بدت وكأنها مخصصة للحيوانات. في كل زنزانة كان هناك عشرات المعتقلين.

في اليوم التالي لوصولنا إلى "سديه تيمان"، بدأت أشعر بألم شديد في قدمي، وتدريجياً فقدت القدرة على الوقوف. بدأ المعتقلون الذين كانوا معي يحملونني. عندما كنت أحتاج إلى استخدام المرحاض، مثلًا. طلبت من الجنود عرضي على طبيب، لكنهم منعوني من الحصول على رعاية طبية ولم يعطوني حتى حبة واحدة لتسكين الأوجاع.

جبريل الصفدي مع إحدى بناته بعد إطلاق سراحه. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

في اليوم الثامن لي في "سديه تيمان"، عندما كانت يداي لا تزالان مكبلتين وعيناي معصوبتين، ارتفعت حرارة جسمي بشكل كبير. بدأت أصرخ من الألم: "أحضروا لي طبيباً! أحضروا لي طبيباً!" رداً على ذلك، شتمني الجنود وقالوا باللغة العربية: "اخرس يا ابن الزانية! اخرس يا ابن الزانية!". في 14.3.24، استيقظت ووجدت نفسي مستلقياً في بركة كبيرة من الدم. كنت في حالة صدمة. نظرت إلى قدميّ فرأيت أنهما مصابتان وتنزفان. كان مشهداً مروّعاً وبدأت أصرخ وأبكي بشكل هستيري، على أمل أن يأتي أحد لمساعدتي.

تم إدخالي إلى مستشفى السجن. سمعت الطبيب يقول للجنود إنني تعرضت لضرب مبرح على الكليتين، مما تسبب بجروح في كفتيّ قدمي. بقيت في المستشفى لمدة 10 أيام خضعت خلالها لسبع عمليات جراحية في قدميّ - كنت مكبلاً ومغطى العينين طوال تلك الفترة. كنت مقيّداً بالسرير ولم أستطع الحركة أو المشي على الإطلاق. بعد عشرة أيام، جاءني الطبيب وأخبرني أنهم سيرسلونني إلى مستشفى آخر، أكبر. نقلوني إلى هناك بسيارة إسعاف، وطوال الطريق ظلوا يضربوني بوحشية على جسدي ورأسي ويشتمونني: "سوف ننكحك يا ابن الزانية! وسوف ننكح زوجتك أيضاً!"

وصلت إلى مستشفى، لا أعرف اسمه. أجريت لي عملية جراحية في قدمي لمدة ساعة. ومن هناك، أعادوني بسيارة جيب إلى "سديه تيمان". بعد حوالي أسبوع، قال لي طبيب يرتدي زيًا رسميًا: "اسمع، حياتك في خطر. عليك أن تختار بين بتر ساقيك أو الموت". بدأت أبكي وأصرخ، على أمل أن يسمع أحدهم ألمي وعذابي وحزني. أحضروا لي وثيقة وأجبروني على التوقيع على موافقة لبتر كلتا قدميّ.

بعد أسبوع، نقلوني بسيارة إسعاف إلى المستشفى. طوال الطريق، كنت أسأل الطبيب: "لماذا تريدون بتر قدميّ؟ إنهما بخير!"، لكنه لم يجبني. كانوا يعلمون أنه لا داعي لبتر قدميّ، لكنهم فعلوا ذلك عن قصد، رغم ذلك. وضعوني على سرير المستشفى وأعطوني مخدرًا. عندما استيقظت، كنت في سيارة الإسعاف مرة أخرى واكتشفت أنهم بتروا قدمي اليمنى فقط. ثم أعادوني إلى "سديه تيمان" مرة أخرى.

بعد أن قطعوا قدمي، لم أعد أستطع الحركة أو المشي. أحضروا لي حفاضات حتى أتمكن من قضاء حاجتي، وساعدني المعتقلون الآخرون في زنزانتي كثيراً في استخدام المرحاض والاستحمام. في أحد الأيام، أخذوني للاستجواب في غرفة "الشاباك" (جهاز الأمن العام). أجلسوني على كرسي حديدي وربطوا قدمي اليسرى به. بدأ الضابط يستجوبني عن عائلتي، عن زوجتي وأولادي. سألني عن مكان ابني يحيى، فأجبته أنه في جنوب قطاع غزة مع أمه وأخوته.

بدأ المحقق يشتمني وينعتني بـ "ابن العاهرة" و"ابن الزانية" وضربني على ساقي اليسرى ووجهي. ربط الجنود يديّ إلى ظهر الكرسي، وبدأ الضابط يثني ظهري إلى الخلف. أطلقوا على هذا التعذيب اسم "تعذيب الموزة". صرخت من شدة الألم. لم يهتم الجنود بحالتي، بألمي وساقي المبتورة. بعد انتهاء التحقيق، أعادني الجنود إلى الزنزانة التي كانت مليئة بالمعتقلين الآخرين، جميعهم مقيدون ومكبّلون. قال لي الضابط: "هذا ما سنفعله بك يا ابن الزانية [...] أعدك بأنك لن تخرج من هنا، ستتعفن هنا".

بعد فترة وجيزة، عُقدت جلسة لمحاكمتي، عبر الهاتف المحمول. اتهموني بأنني "مقاتل غير شرعي" وأنني أنتمي إلى منظمة إرهابية وتم تمديد اعتقالي إلى أجل غير مسمى.

بعد ذلك، نقلوني إلى "سجن عوفر"، مع تسعة معتقلين آخرين. نقلونا إلى هناك بالحافلة. استغرقت الرحلة حوالي ثلاث ساعات، قضينا منها ساعة كاملة نتعرض للضرب الوحشي.

في "سجن عوفر"، وضعوني في الزنزانة رقم 5. بقيت هناك حوالي شهر كامل. بعد ذلك، جمعونا، وخاصة من بيننا من فقدوا أرجلهم - حوالي 11 شخصاً - وأعادونا إلى منشأة "سديه تيمان" لمدة شهرين ونصف آخرين تقريباً.

عانيت كثيراً خلال النقل من مكان إلى آخر. كنت أرتدي حفاضات طوال الوقت ولم يتوقف الألم لحظة واحدة.

في أحد الأيام في "سديه تيمان"، حملوني واقتادوني إلى "غرفة الديسكو". تم استجوابي وضربي هناك طوال يومين كاملين. أجلسوني على كرسي صعقوني من خلاله بالكهرباء، وقيدوني. استجوبني الضابط عن الأنفاق في "مدينة حمد" وعن مستودعات الأسلحة ومقاتلي المقاومة. كررت أنني مجرد موظف مدني ولا أعرف شيئًا عن هذه الأمور. أروني صورة لحي الدرج في غزة، حيث ترعرعت، وقالوا: "هذا منزل عائلتك، أليس كذلك؟ سوف يتحول إلى رماد، وسوف نقتل كل أفراد عائلتك". أجبت: "الله يرحمهم".

بدأ الضابط يضربني على وجهي بقوة. كان برفقته ضابط رفيع المستوى، قدم نفسه على أنه "الضابط سامي". قام الضابط "سامي" بثني ظهري وضربي بشدة، حتى نزفت من رأسي ووجهي. شتموني وأهانوني. كما أروني صورة لحي "مدينة حمد" وقال الضابط: "هذا منزلك في المبنى F4. سنهدم البرج بأكمله ونحول منزلك إلى رماد". هاجمني الضابط وضربني بشدة مرة أخرى، على ظهري هذه المرة، ثم هددني بإدخال عصا في فتحة شرجي إذا لم أخبره عن أفراد عائلتي المتورطين في المقاومة. أقسمت له أن لا أحد منهم متورط. بعد حوالي ثماني ساعات، جاء جندي وجندية وصوّراني، وقالا لي: "هذا من أجل الفيسبوك والتيك توك".

من "سديه تيمان" أعادوني إلى "سجن عوفر" حيث احتُجزت في جناح يسمى "جهنّم". كنت في الزنزانة رقم 7 وكانوا يداهموننا مرتين في الأسبوع. أصبت ُهناك بمرض الجَرَب، الذي كان منتشراً جداً في جميع أجنحة السجن. عانيتُ من الجرَب طوال شهرين ولم أحصل على أي علاج أو أدوية. توسلنا إلى السجانين أن يجلبوا لنا أدوية، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً. كانوا يهينوننا عمداً، يقمعوننا ويقتلوننا ببطء.

بقينا على هذا الحال حتى 10.10.25، ثم نقلونا من "سجن عوفر" إلى سجن نفحة [غنوت]. هناك، وصل ممثلو الصليب الأحمر وأبلغونا بأنه سيُفرَج عنا. قاموا بتسجيل معلوماتنا الشخصية.

في 13.10.25، حوالي الساعة 6:00 صباحاً، أقلّونا في حافلات نقلتنا من سجن نفحة إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم). من هناك دخلنا قطاع غزة، وأخذونا إلى مستشفى ناصر في خان يونس. منذ أن هدد الشرطي بقتل عائلتي، كنت قلقاً عليهم للغاية. ولكن عندما نزلت من الحافلة، كانت عائلتي كلها في انتظاري هناك. الجميع، باستثناء ابني يحيى. سألت زوجتي عن مكانه، ففوجئت عندما أخبرتني أنه بعد أن غادرنا المنزل واعتُقلت، عاد إلى "مدينة حمد" ليحاول أخذ ملابس وبطانيات. أصيب جراء هجوم بطائرة بدون طيار وقُتل على الفور، وكان ذلك في 14.3.24. بقي جثمان يحيى هناك، على الأرض، مع أربعة آخرين كانوا معه. لم يكن من الممكن الوصول إليه، وقد تحللت الجثة تمامًا. بعد انسحاب الجيش من "مدينة حمد"، تمكنت زوجتي من التعرف على يحيى من خلال سن مكسور في فكه. دفنوا جمجمته فقط، لأن جثته تحللت تمامًا. عندما سمعت نبأ وفاة ابني، كان ذلك صدمة قاسية بالنسبة لي. لم أكن أتوقع مثل هذا الخبر الفظيع. انتقلت من ألم إلى آخر، ومن حزن إلى حزن أكبر، عندما اكتشفت أنني فقدت ابني الوحيد الذي كنت آمل أن يبقى بجانبي طوال حياتي.

أُطلق سراحي من السجن بعد تعرضي للقمع والتعذيب القاسيين، وبعد أن بتروا قدمي. أظهرت الفحوصات التي أجريت لي أنني فقدت 80% من القدرة على السمع في أذني اليمنى، كما أعاني من انحناء دائم في العمود الفقري. تم بتر ساقي اليمنى من تحت الركبة، ولا أشعر بساقي اليسرى، التي اُجريَت لي فيها أكثر من 20 عملية جراحية في السجن. لقد أضرّوا بها حتى لا أستطيع المشي. خرجت من السجن معاقاً وأحتاج إلى علاج وتركيب طرف اصطناعي كي أتمكن من المشي والتنقل. فقدت صحتي وفقدت ابني الوحيد، يحيى، وفقدت منزلي وفقدت كل أمل في الحياة. أعيش الآن في خيمة في منطقة المواصي خان يونس.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 14.11.25