Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سمية أبو قَصّ

سمية أبو قَصّ

( 27 حزيران 2025 )

(45 عامًا)، أم لستة، من سكان بيت لاهيا، تحدثت عن ابنها، الذي قُتل بنيران دبابة عندما وصل إلى أحد مراكز توزيع المساعدات التابعة لـ "الصندوق الإنساني" ليجلب الطعام لعائلته، وعن رحلة العذاب التي مرت بها عائلتها منذ بداية الحرب:

سمية أبو قَصّ في المدرسة في غزة. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجي وأولادنا الستة: أسامة (22 عامًا) وريما (13 عامًا) وتالا (11 عامًا) ورجاء (9 سنوات) ولينا (6 سنوات) ورفيف (4 سنوات) في شقة مستأجرة بالقرب من مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا. كنت أعمل ممرضة في المستشفى. وكان ابني البكر أسامة يعمل في مطعم صغير للفول والفلافل وقد تزوج قبل بدء الحرب بأربعة أشهر فقط. كنا نتدبر أمورنا ونعيش حياة معقولة.

مع بداية الحرب مباشرةً، بدأ القصف في كل مكان - البيوت، المساجد، المدارس وحتى المستشفيات. أمر الجيش الإسرائيلي الجميع بإخلاء مشروع بيت لاهيا حيث كنا نسكن، وذلك عبر مكالمات هاتفية ومناشير. على الرغم من الخطر، لم نتمكن من مغادرة الشقة المستأجرة، لأنه لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. في تلك الفترة، واصلتُ العمل كممرضة في مستشفى كمال عدوان. كنت أعالج الجرحى واضطررت أيضًا إلى نقل جثث ممزقة ونازفة إلى المشرحة.

في 17.11.23، عندما كنت في العمل، صُدمت عندما سمعت من زملائي أن جيش الاحتلال قصف منطقتنا السكنية وأحاطها بحزام ناري. قالوا إن الهدف كان منزل عائلة الشبراوي وأن أكثر من أربعين شخصًا قُتلوا، معظمهم من الأطفال والنساء. دُفنت عائلات بأكملها تحت الأنقاض. تحول الحي الذي كنا نعسكن فيه، كله، فيه إلى كومة من الأنقاض. بمعجزة فقط، وبفضل من الله، كنا قد انتقلنا قبل ذلك بيوم واحد فقط إلى منزل أخي الذي يسكن بالقرب منا. بفضل ذلك، نجا زوجي وأطفالي رغم أن منزلنا دُمّر بالكامل.

بعد هذه المجزرة، قررت أنا وزوجي الهروب مع الأولاد إلى جنوب القطاع. مشينا على الأقدام عبر شوارع الموت وخطوط النار، دون أن نأخذ معنا أي شيء. واصلنا السير على شارع صلاح الدين ضمن قافلة طويلة من المهجّرين. هربت آلاف العائلات وسار هناك أطفال جائعون ونساء ثكالى. مررنا جميعًا بجحيم على الحواجز العسكرية ـ التي كانوا يجرون عليها تفتيشًا جسديًا أيضًا ـ فقط من اجل الهروب من القصف والموت الذي كان يحيط بنا في كل لحظة. لاحقتنا زخات الرصاص الحي على الطرقات أيضًا.

وصلنا إلى مخيم النصيرات للاجئين، وهناك استأجرنا سيارة أقلتنا إلى مدينة رفح، في جنوب القطاع. اعتقدنا أن رفح ستكون مكانًا آمنًا، خاصة بعد أن صرح الجيش الإسرائيلي بذلك، لكن الجيش كذب. أمرنا الجيش مرارًا وتكرارًا بالإخلاء، في كل مرة إلى مكان آخر يُفترض أنه آمن، لكنه لم يكن كذلك في الواقع.

وصلنا إلى حي تل السلطان غرب رفح وهناك، في منتصف الشارع، نصبنا خيمة حصلنا عليها بصعوبة. حاولنا التكيف مع الحياة في الخيمة وعانينا من الجوع والبرد. بحث زوجي عن عمل لنتمكن من إطعام الأولاد، لكنه لم يجد. ما زلت أتلقى راتبًا قدره 1,000 شيكل مرة كل شهرين من وزارة الصحة في غزة، لكن هذا لا يكفي في ظل الأسعار المرتفعة والنقص الحاد في الغذاء.

استمرت الحياة البائسة في هذه الخيمة حتى 6.5.24، اليوم الذي هدد فيه جيش الاحتلال باجتياح رفح وبدأ بقصفها. اضطررنا لجمع كل ما تراكم لدينا خلال أشهر النزوح والهرب مرة أخرى، إلى مدينة دير البلح هذه المرة. وصلنا إلى مخيم للمهجرين يسمى ست أميرة، في منطقة تسمى أراضي أبو سليم. هنا بدأت معاناتنا الحقيقية. جوع، فقر وأمراض.

لم تكن تتوفر هناك مياه نظيفة أو طعام. بدأت الفتيات يعانين من الجوع الشديد. لينا، ابنة الست سنوات، عانت بشدة من الجفاف وسوء التغذية لدرجة أنها أصبحت غير قادرة على الوقوف تقريبًا. كما ساءت أكثر حالة ابنتي الكبرى، ريما (13 عامًا)، التي ولدت تعاني من إعاقة بسبب نقص الأكسجين عند الولادة. فهي تعاني من مشكلة في الجهاز الحركي تتفاقم وتزداد سوءًا كلما كبرت.

اضطر ابني الوحيد، أسامة، إلى الخروج يوميًا للتجول في الشوارع والمخيمات، تحت القصف، للبحث عن عمل أو لقمة خبز لأخواته. في معظم الأيام كان يعود خالي اليدين ووجهه محروق من الشمس، بعد ساعات من الوقوف في طوابير "التكايا" (المطابخ الخيرية).

بقينا على هذا الحال حتى 19.1.25، اليوم الذي أُعلن فيه عن وقف إطلاق النار. اعتقدنا أن الحرب قد انتهت. سمح لنا الجيش بالعودة إلى شمال القطاع بعد 15 شهرًا من القتل والدمار. لم نتمكن من العودة إلى منزلنا لأنه دُمر، ولم نجد مأوى هناك. في النهاية وجدنا ملجأ في مدرسة البراق، بالقرب من مسجد فلسطين في شارع النصر، التي قُصفت مرتين من قبل خلال الحرب. أخلينا غرفة من الأنقاض، وعلقنا أقمشة، وحولناها إلى منزل مؤقت. كنا نعيش على المساعدات البسيطة التي تلقيناها من إدارة المدرسة ومن أناس طيبين.

عاد أسامة للعمل قليلاً في مطعم الحمص، لكي نتمكن من البقاء على قيد الحياة. ثم، في 18.3.25، عادت الحرب، وبصورة أكثر وحشية. أغلق الجيش جميع المعابر ومنع إمدادات الغذاء. حتى الطحين لم نعد نراه. توسلت الفتيات إلى أسامة أن يذهب ليحضر لهن الطحين.

في بداية أيار 2025، أعلن الجيش عن افتتاح "مراكز المساعدات الأمريكية"، التي شكلت، عمليًا، مصائد للموت. كل من اقترب من هناك كان في مرمى النيران. ذهب الناس لإحضار الطعام وعادوا إلى عائلاتهم جثثًا.

توسل أسامة للذهاب إلى هناك لإحضار الطعام، لكنني عارضت. خفت أن أفقده. في النهاية، استسلمت لجوع الفتيات. في صباح يوم 19.6.25، ذهب مع أخي، أحمد، وبعض الأصدقاء الآخرين، إلى مركز لتوزيع المساعدات قرب مخيم البريج للاجئين، في منطقة "نتساريم".

قضيت ذلك اليوم كله في خوف وقلق. ثم، في الساعة 23:00 ليلًا، عاد أخي بجثة أسامة. كان مغطى بالدماء والغبار. روى أحمد أن دبابة إسرائيلية أطلقت عليهم قذيفة فأصابت أسامة في ظهره وقتلت خمسة أشخاص آخرين بينما كانوا يفتحون طرود المساعدات. قُتلوا جميعًا على الفور.

ابني الوحيد، الذي لم يذق شيئًا من هذه الدنيا سوى الجوع والخوف، عاد إليّ قتيلًا. ترك وراءه زوجة حاملًا في شهرها الثالث وخمس أخوات يتيمات. لقد مات ليجلب الخبز لنا ولأخواته.

وقعت علينا مأساة لا يمكن وصفها. جوع، نزوح، موت، نكبة حقيقية. كان أسامة سندي. تحمل مسؤولية أخواته، منذ طفولته. بقيت بقلب مكسور، كقلب كل أم فقدت ابنها.

أصبحت غزة مقبرة كبيرة واحدة. منذ أن فقدنا أسامة، تفاقمت معاناتنا. ليس لدينا طحين ولا طعام. أتوسل طلبًا للمساعدة. فقط لكي يعيش أولادي بكرامة ولكي تتوقف الحرب. لم نعد نستطيع تحملها.

* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 27.6.25