38 عامًا، أمّ لستّة، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تعمل في وكالة الغوث (أونروا)، تتحدّث عن الجوع وتدهوُر الأوضاع منذ أن منعت إسرائيل إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة في بداية آذار 2025:
أنا وزوجي جمال حمد (39 عاماً) لدينا ستّة أولاد: نغم (15 عاماً)، شذى (13 عاماً)، جواد (11 عاماً)، عبد الوهّاب (10 سنوات)، سيلا (4 سنوات) وآلاء (سنة وشهران) وقد وُلدت خلال الحرب. مرّت علينا فترة السّنة ونصف السنة الماضية ونحن في جحيم الحرب والإبادة: قصف، قتل، تجويع، ونزوح متكرّر من مكان إلى مكان.
في بداية الحرب القاسية على غزّة خرجنا وعائلة زوجي من منازلنا في شرق مخيّم جباليا للّاجئين وانتقلنا إلى منزل أقارب لنا في غرب مدينة غزّة. بقينا عندهم مدّة 45 يوماً أمضيناها في خوف وهلع تحت النار والقصف. في كلّ مكان لجأنا إليه كانوا يُمطروننا من الجوّ بمناشير يأمروننا فيها أن نُخلي المكان. لم يكن هناك أيّ مكان آمن.
بعد ذلك نزحنا مجدّداً مع عائلة زوجي إلى شقّة في مخيّم المغازي للّاجئين، وسط قطاع غزّة. كان مجموعُنا 35 شخصاً في شقّة مساحتها 80 متراً مربّعاً. وكان الوضع في المنطقة هناك ليس أقلّ كارثيّة عن الوضع في شمال القطاع.
بعد أن نزحنا عمّت المجاعة جميع أنحاء قطاع غزّة. عشنا بدون لحوم وخُضار وفواكه إذ كادت هذه المُنتجات تختفي من الأسواق. كيس الطحين زنة 25 كغم كان يُباع بـ300 شاقل تقريباً، بينما كان يُباع قبل الحرب بـ30 شاقل. نحن عائلة كبيرة، وكنّا نتغدّى على الطعام المعلّب والحُبوب. عُموماً، كنّا نتناول وجبة واحدة في اليوم، أو اثنتين على الأكثر.
لاحقاً، أمر الجيش الإسرائيليّ الجميع أن يُخلوا مخيّم المغازي للّاجئين وكذلك مخيّم البريج، في وسط قطاع غزّة. خرجنا جميعًا وسط إطلاق النيران علينا وذهبنا إلى مدينة رفح. لكنّ الوضع هناك كان أسوأ، حيث ألقي بنا إلى المجهول. آنذاك، كنت حاملاً بابنتي آلاء. اللّيلة الأولى في رفح أمضيناها في العراء، لأنّنا لم نجد مكاناً نلجأ إليه، وبعد ذلك صرنا نبيت في خيام الآخرين.
بعد مضيّ قرابة أسبوع استأجرنا شقّة صغيرة في حيّ تلّ السّلطان، مع عائلة زوجي. كان مجموعُنا 35 شخصاً عشنا في اكتظاظ شديد، جائعين ومتوتّرين وخائفين جرّاء القصف. لكي نطبخ للأولاد كنّا نشعل موقداً أنا وزوجي. كنت حاملاً في الشهر التاسع وكان وزني 55 كغم فقط، لأنّني كنت أتناول وجبة واحدة فقط في اليوم - عدس، فول أو فلافل. عندما حان موعد الولادة وذهبت إلى المُستشفى لم يصدّق الأطبّاء أنّني حامل. كان وزن المولودة 2 كغم، بسبب قلّة الطعام
أذكر أنّني يومَ ولدتُ ابنتي آلاء تناولت الفلافل، وكانت وجبة الغداء حلاوة - على أمل أن يُساعدني ذلك على إدرار الحليب. كنت جائعة طوال الوقت، لم أتناول بتاتاً خُضاراً وفواكه أو لحوماً، وخشيت أن لا أستطيع توفير ما يكفي من الحليب لآلاء. كان ذلك صعباً على وجه الخُصوص لأنّنا بالكاد كنّا نستطيع العثور على الحليب الاصطناعيّ.
كانت آلاء تبكي طوال الوقت، وكان زوجي يخرج ليبحث عن حليب لأجلها، لكنّه بالكاد كان يعثر من حين لآخر على عُلبة واحدة، وهذه كانت تكفيها لمدّة أسبوع فقط.
بعد اجتياح مدينة رفح اضطُررنا إلى النزوح مجدّداً، وفي هذه المرّة أقمنا في خيمة في مدينة خان يونس. النزوح المتكرّر من مكان إلى آخر فاقم من مُعاناتنا. أنا وزوجي وأولادنا أقمنا في تلك الخيمة طوال ثمانية أشهُر. وهُناك أيضاً عانينا من قلّة الطعام ومن الكفاح اليوميّ لأجل الحُصول عليه ومن بؤس السّكن في خيمة لا تحمينا من أيّ شيء.
كانت الخيمة مليئة بالحشرات والذباب والبعوض. كنت أجدها على أجساد أولادي في اللّيل والنهار. عانينا أيضاً من الكلاب الضالّة التي كانت تتجوّل قرب خيمتنا وفي الشوارع القريبة.
لكنّ عذاب الجوع طغى على كلّ شيء. كنّا نتناول فقط الطعام المعلّب، الفول، العدس والمعكرونة. أشعر أنّ معداتنا تقلّصت وضمرت لأنّنا لم نتناول طعاماً صحّيَاً وإنّما المعلّبات والحبوب فقط.
بعد إعلان وقف إطلاق النار، في شهر كانون الثاني 2025، انتظرنا قليلاً ثمّ عُدنا في 20.5.25 إلى الشمال، إلى منزلنا في مخيّم جباليا للّاجئين، وكان لا يزال في حالة معقولة. جلبنا معنا بعض المعلّبات وقليلاً من الحُبوب واستهلكناها بشكل محسوب لأنّني كنت خائفة أن يغلقوا المعابر مرّة أخرى فلا نجد شيئاً نأكله.
وفعلاً، عندما اندلعت الحرب مُجدّداً في شهر آذار أغلقوا المعابر ومُجدّداً شهدت الأسواق نقصاً في الموادّ الغذائيّة. الآن تسود هُنا مجاعة مُطبقة. عُدنا لنأكل فقط الطعام المعلّب وبعض الخبز أحياناً، خاصّة في الصّباح. وجبة الغذاء عبارة عن فول معلّب أو أرزّ، ولا نتناول وجبة عشاء بتاتاً. حتى العدس نفد من الأسواق. لا تجد عدساً تقريباً لتشتريه، وإن وُجد يُباع بـ400 شاقل للكيس الواحد.
أحياناً كنت أرسل الاولاد ليجلبوا الطعام من التكيّة، وكانوا يقفون ساعتين في طابور الانتظار لكي يعودوا بصحن عدس أو أرزّ أو معكرونة. وأحياناً كان يحين دورُهم بعد أن ينفد الطعام فيعودون بلا شيء. في هذه الأثناء أغلقت الكثير من التكيّات في ظلّ النقص في الموادّ الغذائيّة. أنا توقّفت عن إرسال أولادي إلى التكيّات منذ أن قصف الجيش الإسرائيليّ منزلاً قريباً من إحداها. هذا خطير جدّاً.
أحياناً يشتهي أولادي الحلوى، ولكن لا أستطيع توفيرها لهُم بالطبع. أشعر بإحباط كبير حين يطلبون منّي شيئاً ولا أستطيع أن أقدّمه لهُم - حلوى، طعاماً بعينه أو فواكه. أحياناً تثور أعصابي بسبب شعوري بالعجز التامّ، فأغضب عليهم.
قبل يومين خبزت وغمّسنا الخبز بالماء ومسحوق حساء الدّجاج وتناولناه. أنا وزوجي والأولاد، جميعُنا وجوهُنا شاحبة وأجسادنا هزيلة. نعاني من الإمساك لأنّنا نأكل قليلاً جدّاً. جميعنا نشكو طوال الوقت من التعب وعظامنا صارت تؤلمنا.
ما زلت أُرضع آلاء فأنا لا أستطيع أن أفطمها في غياب شبه تامّ لبدائل حليب الأمّ. أحاول أن آكل كلّ ما يُؤكَل، فقط لكي يُواصل جسمي إنتاج الحليب. آلاء تزن اليوم سبعة كيلوغرامات، وهذا وزن منخفض نسبة إلى سنّها.
يأتينا الماء في شاحنات ولا نعرف مصدره. المياه ملوّثة. عندما تصل شاحنة المياه يحمل أولادي أواني الماء من الطابق الأرضيّ إلى الطابق الرّابع، وهذا جُهد كبير جدّاً بالنسبة لأولاد هزيلين وجائعين. نحن نشرب الماء بكميّات قليلة جدّاً، واليوم الذي لا تأتي فيه الشاحنة نبقى بلا ماء للشرب تقريباً.
لكنّ المشكلة الأكبر التي أواجهها هي أنّ ابنتي الكُبرى، نغم، تعاني من حساسيّة للقمح ولا تستطيع تناوُل مُنتجات تحتوي على القمح. قبل الحرب كنّا نشتري لها طعاماً خاصّاً، لكنّ هذه المُنتجات اختفت من السوق منذ بداية الحرب. فقط مرّة واحدة تمكّنت من العثور على طحين ذرة فاشتريت لها 10 كغم بـ30 شاقل، لكنّ هذه الكميّة لم تكفها سوى لشهر واحد. منذ ذلك الحين تتناول نغم الأرزّ والجبن في الصباح وعند الظهر، وأيضاً في المساء. تناولت نغم فولاً معلّباً أيضاً، ولكن صارت تنتابها آلام في البطن وصُداع وإسهال وقيء، وخشيت أن يكون ذلك بسبب الفول. كانت مريضة طوال أسبوع. الآن تتناول الأرزّ فقط. في فترة وقف إطلاق النار أدخلوا القليل من المُنتجات الملائمة لها فاشتريت منها، لكنّها نفدت من السّوق. نغم تعاني من هُبوط في الوزن، ولا تزال تصيبها نوبات إمساك وإسهال من حين لآخر، وصُداع أيضاً. جسمُها هزيل ولون شفتيها أبيض بسبب فقر الدّم. لا أستطيع أن أحضر لها خُضاراً أو فواكه أو ألباناً، وهي لا تستطيع هضم الطعام المعلّب.
نحن نعاني كثيراً من نقص غاز الطبخ أيضاً، وهذا يُجبرنا على إشعال النيران لنطبخ. لأجل إعداد الموقد نحتاج لشراء خشب وهو يُباع بأسعار باهظة، إذا وُجد أصلًا. منذ سنة ونصف السّنة نحن نتنفّس الدّخان. أحياناً أشعر بالاختناق وبآلام في الصّدر، وهذا سببه فقط أنّني أجلس لساعات طويلة أمام النار والدّخان.
أفكر بأولادي طوال الوقت - كيف أنّهم يُعانون القلّة ويفكّرون فقط بالطعام طوال الوقت. لقد نسوا ما هي الفواكه أو الدّجاج.
يأكلون فقط الخبز والزعتر والفول أو ما يمكن الحصول عليه من التكيّة. أنا يُمكنني أن أتحمّل الجوع، ولكن كيف يُمكن لأطفال صغار أن يفهموا هذا الوضع ويتعاملوا معه حين يذهبون للنوم جائعين؟
أعمل موظّفة في وكالة الغوث (أونروا)، ولكنّني لا أستطيع الحصول على مرتّبي من البنك بسبب نقص السّيولة النقديّة. يمكن سحب النقود بواسطة تجّار فقط، وهؤلاء يجبون عُمولة بنسبة 30%؛ من كلّ 1,000 شاقل يأخذون 300 شاقل عُمولة فلا يبقى لنا سوى القليل جدّاً من المال. أذهب إلى السّوق، ولكن حتى حين تتوفّر هُناك الخضار أنا لا أستطيع شراءها. كيلو البنادورة يباع بـ30 شاقل، ولكن هذه كميّة لا تكفي لأسرة مؤلّفة من 8 أشخاص. إمكانيّاتي لا تسمح بشراء شيء سوى المُعلّبات. نحن نشتهي طعم قطعة شوكولاتة أو بسكويت، ولكن إمكانيّاتنا لا تسمح بذلك.
المجاعة التي نعيشها الآن هي الأقسى منذ بدء الحرب. إنّها تقضي علينا. أجسادنا دبّ فيها الوهن، والهزال ظاهر علينا جميعاً. عندما أذهب لأنام أحلم أن أستيقظ في الصّباح وأسمع أنّ الحرب قد انتهت. نحن مُنهكون تماماً. لا داعي للكلام، لأنّ اللّغة تعجز عن التعبير عمّا نمرّ به.
إلى متى سيستمرّ هذا الوضع؟ أنا واحدة فقط من مليوني إنسان فُرضت عليهم المجاعة في قطاع غزّة. نحن نواجه القصف والقتل والجوع والعطش. أشتاق أن تدخل بيتي حبّة بطاطا أو باذنجان! وصلنا إلى وضع نحلم فيه ليلاً نهاراً بالخضار واللّحوم. أصبحنا أناساً لا يحلمون سوى بالطعام.
الآن يصنّف الجيش منطقة شرق مخيّم جباليا للّاجئين منطقة حمراء، أي أنّه يجب علينا إخلاؤها، ولا مكان لنا نذهب إليه. جميع الأماكن خطرة ولا مكان آمن. الطائرات والدبّابات تقصف هُنا في اللّيل والنهار.
نحن هُنا في قطاع غزّة نجوع. نحن نموت! نتابع الأخبار يوميّاً على أمل أن نسمع خبراً عن فتح المعابر وإدخال المُساعدات، أو خبراً عن انتهاء الحرب. ولكن لا! كلّ يوم يأتي أسوأ من الأيّام التي سبقته. المعابر لا تُفتح، والحرب لا تنتهي. نحن هُنا محكومون بالإعدام جوعاً أو قصفاً.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 20.4.25