(31 عاماً)، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، قُتل طفلاها جرّاء قصف المنزل الذي لجأت إليه، اعتُقل زوجها وتعرّض للتعذيب مِن قبل إسرائيل. قُتلت، هي أيضًأ، جراء القصف بعد شهرين من إدلائها بإفادتها
قبل اندلاع الحرب كنّا نقيم في مخيّم جباليا - أنا وزوجي، محمد، وطفلانا: مُعين (4 سنوات) وعماد (سنتان)، وبيتنا عبارة عن شقة مُستأجرة في بناية سكنيّة. بعد مضيّ ثلاثة أيّام على بدء الحرب في 7 تشرين الأوّل، اشتدّ القصف قرب منزلنا وقُصف البيت المُقابل لبنايتنا. وصلت قطع الأنقاض والغُبار حتى منزلنا فخفنا كثيراً. قرّرنا الانتقال إلى منزل عمّة زوجي، إنعام الشيخ (54 عاماً)، في ناحية أخرى من مخيّم جباليا.
وصلنا إلى منزلها في 10.10.23، وفي اليوم نفسه قُصف منزل والديّ زوجي. أصيب والده وأخوه بجروح طفيفة، وأصيب ابن أخيه، كريم (13 عاماً)، بجروح أكثر خطورة في يده اليمنى. تمّت معالجته في المستشفى وبعد ذلك تمكّنوا من ترتيب سفره للعلاج في قطر، وبالفعل سافر إلى هناك مع والدته. بعد قصف منزلهم انتقل والدا زوجي وإخوته إلى منزل العمّة إنعام. ولكن أيضاً هناك لم نشعر بالأمان لأنّ تلك المنطقة تعرّضت لقصف كثير وقُتل جرّاءه أناس كثيرون. كنّا خائفين طوال الوقت.
كانت تلك البناية مؤلّفة من خمس طوابق، وكانت تؤوي نحو 36 شخصاً. في الطابق الأوّل كان 15 شخصاً من عائلة عبد الدّايم، مُهجَّرون من بيت لاهيا؛ وفي الطوابق الأخرى عمّة زوجي وأولادها، وأنا وزوجي وأولادنا، ووالدا زوجي وإخوته وأنسباؤهم.
في يوم الخميس الموافق 16.11.23 أعددنا طعام العشاء وجلسنا لنأكل. كان طفلي مُعين نائمًا في الغرفة المجاورة. عندما أنهينا الطعام - أنا وزوجي وابننا عماد وأخت زوجي، إلهام (33 عاماً)، دخلنا جميعاً إلى الغرفة التي ينام فيها مُعين. في تلك اللّحظة لم نسمع أصوات طائرات أو قصف، ولكن فجأة انهار البيت فوق رؤوسنا. كان زوجي يُناديني ولكن لم أستطع الردّ عليه، كنت أردّد الشهادتين فقط. بعد دقيقة واحدة رُحت أصرخ: "أولادي! أولادي! معين، عماد!". ثمّ أخذ الناس يتوافدون لإنقاذنا.
بعد مضيّ نصف ساعة جاءت سيّارات الإسعاف. لم أكن أعلم بعد ما حصل لطفليّ. أخذوني في إحدى سيّارات الإسعاف إلى المُستشفى الإندونيسي، لأنّني أصبت في رأسي. هناك تمّ تقطيب الجروح. سألت عن زوجي وطفليّ، ولكن لم يكن أحد يعرف أين هُم. عندما سرّحوني من المستشفى ذهبت إلى مستشفى كمال عدوان، في بيت لاهيا، وهناك وجدت طفلي مُعين، في قسم العناية المشدّدة. كانت لديه إصابات في أعضائه الدّاخليّة. وحتى ذلك الحين لم أعرف شيئاً عن طفلي عماد وعن زوجي. لاحقاً علمت أنّهم جلبوا زوجي أيضاً إلى المستشفى. كانت لديه إصابة في رجله وكدمات في جميع أنحاء جسمه.
في اليوم التالي أخبروني بأنّ طفلي عماد قد استُشهد. في ذلك القصف استُشهد 22 شخصاً آخرون. بعضهم من عائلتنا والبعض الآخر مهجَّرون. من بين الشهداء، والد زوجي، معين عويضة (56 عاماً)، سلفتي إلهام، صاحبة المنزل - إنعام، عمّة زوجي - وأربعة من أبنائها وحفيدها. ذهبت إلى غرفة الموتى وهناك جلست مع أقرباء العائلة الذين جاءوا إلى هناك، وجميعنا نبكي وننوح. كان ذلك يوماً يفوق القدرة على التحمّل. تعجز الكلمات عن الوصف. دعوت الله أن يصبّرني وأن يشفي طفلي مُعين. خرجت من غرفة الموتى وذهب لكي أجلس قليلاً مع زوجي.
بقيت عند طفلي مُعين أربعة أيّام حين كان في العناية المشدّدة. قال لي الأطبّاء أنّه سيعاني من عجز دائم، هذا إذا بقي على قيد الحياة. لم يكن في وُسعنا عمل أيّ شيء سوى أن ندعو الله. كنت كلّما دخلت إلى مُعين أمسك بيده وأقول له "هل تسمعني؟ إذا كنت تسمعني شدّ على يدي"، لكن لم تبدر عنه أيّة استجابة.
فقدت مُعين في يوم 20.11.23. في ذلك اليوم، عندما ذهبتُ لزيارته، كنت أشعر بالاختناق. عندما وصلت إلى قسم العناية المشدّدة كان مُعين في السّرير، ملفوفاً بالكفن. حملته ونزلت إلى ساحة المستشفى. ودّعته وأنا أبكي وقلبي يتألّم بشكل لا يمكن وصفه. كان على ذراعيّ حين جاء أبي وأمّي لوداعه. كان ذلك وداعاً صعباً جدّاً.
لقد فقدت طفليّ الاثنين كليهما. كانا طفلين بريئين. عندما أخذوهُما للدّفن شعرت بأنّهم ينتزعون قلبي وروحي.
في 12.12.23 حاصر الجيش الإسرائيليّ مستشفى كمال عدوان، الذي كان زوجي يتلقى العلاج فيه. اعتقل الجنود الرّجال الذين كانوا في المستشفى وبضمنهم محمد زوجي. ظلّ رهن الاعتقال لدى الجيش طوال أربعين يوماً. أطلقوا سراحه في مطلع شهر شباط، في منطقة دير البلح جنوب قطاع غزّة؛ وحتى الآن هو هناك وحده، يقيم في خيمة، وأنا هنا في شمال القطاع عند أهلي. حدّثني محمد أنّهم عذّبوه في السّجن، وأنّه قد مرّت عليه أيّام صعبة جدّاً. أردت أن أذهب إلى جنوب القطاع، لكنّني خشيت ذلك لأنّ الجيش يُطلق النار على المُهجَّرين الذين يُحاولون الوصول إلى هناك.
حاليّاً أنا وأبي وأمّي هُنا في منزل أخي، قرب مستشفى كمال عدوان. أتواصل مع زوجي عبر الهاتف وشبكة الإنترنت، علماً أنّ الاتّصالات ليست متوفّرة دائماً. الوضع في شمال القطاع بات أصعب من ذي قبل. هذه المنطقة من أكثر المناطق تعرّضاً للنكبات. منذ أكثر من شهرين ينتشر هُنا جوع شديد؛ لا تتوفر خضروات ولا لُحوم ولا فواكه. ما يتوفر هو الطحين وبعض المُعلّبات فقط. كذلك من الصّعب الحصول على مياه للشرب والاغتسال والتنظيف. عندما اجتاح الجيش المخيّم هدم جميع آبار المياه. أصبح شمال القطاع منطقة خراب لا تصلح لسكنى البشر. لقد هدموا كلّ شيء: المدارس، المستشفيات، العيادات، الأسواق. لا توجد هنا حياة. يوجد فقط رُعب وموت، قصف وإطلاق نيران. نحن نسمع دويّ الانفجارات طوال ساعات اليوم.
حاليّاً أنا أعيش بدون زوجي وبدون طفليّ. أبكي ولديّ وأحياناً تنتابني رغبة في الصراخ بأعلى الصّوت من شدّة الألم واليأس. لكنّه القضاء والقدر. أدعو الله أن يصبّرني وأن يمنحني القدرة على مواجهة هذا الفقدان.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد هاتفيًا في 7.8.24
تحديث: قُتلت جيهان سويلم ـ عويضة في 10.10.24 جرّاء قصف لمنزل أحد الجيران بينما كانت تعدّ الطعام على سطح منزل شقيقها في مخيم جباليا للاجئين.