Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

شهْد سالم

شهْد سالم

( 22 كانون الثاني 2025 )

(21 عامًا)، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تحدّثت في إفادتها عن فقدان أخويها وستّة آخرين من أقارب العائلة جرّاء القصف الإسرائيليّ الذي أصيبت فيه هي أيضًأ ووالداها وشقيقها الصغير ، عن النزوح وعن قصف آخر قُتل فيه خطيبها وعشرة من أفراد عائلته

كنت أقيم في بلوك 5 في مخيّم جباليا للّاجئين في غزّة مع والدي شعيب سالم (50 عاماً) ووالدتي منى ياسين (39 عاماً) وإخوتي الثلاثة: معاذ (19 عاماً) وأحمد (16 عاماً)، وقد قُتلا، وعبد الرّحمن (12 عاماً) ـ الأخ الوحيد الذي تبقّى لي.

أحمد سالم. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في بداية الحرب، رغم القصف وإطلاق النيران، بقيت في مخيّم جباليا مع عائلتي وعائلة جدّي المُقيمة في جوارنا. ثمّ انتقلنا في 6.12.23 إلى منزل جيراننا الذين نزحوا إلى جنوب القطاع، لأنّ منزلهم أمتن وأكثر أمناً من منزلنا القديم جدّاً. في اليوم التالي، نحو السّاعة 4:00 فجراً، سمعنا دويّ انفجار هائل في مربّع سكنيّ قريب منّا. جميع الشبّان المتواجدين في المنزل خرجوا لكي يساعدوا في إنقاذ الضحايا. بعد أن عاد الشبّان إلى المنزل خرجوا مجدّداً لأداء صلاة الفجر، وبعد مضيّ نحو خمس دقائق قُصف المربّع السكنيّ الذي نقيم فيه. وجدت نفسي تحت الأنقاض. خالتي نداء، التي كانت بجانبي، استُشهدت أمام ناظريّ. بقيت عالقة تحت الأنقاض طوال ساعة تقريباً، ثمّ أخرجوني وأخلوني إلى منزل الجيران. جاء معي والدي، الذي أصيب بشظايا في جميع أنحاء جسمه وخاصّة في الحوض. أخي أحمد انتُشل من بين الأنقاض قبلي، بعد مضيّ نصف ساعة على القصف، وأخلي إلى المستشفى بمُرافقة والدتي التي أصيبت بحُروق في يدها وشظايا وكدمات في جسمها، لكنّه فارق الحياة. عادت والدتي بعد نصف ساعة وقالت لنا إنّ أحمد قد استُشهد. أخي الصّغير عبد الرّحمن أصيب في رجله، وخالي أصيب بكُسور في القفص الصّدريّ وفقرات العمود الفقريّ وجُروح في الرأس تطلّبت التقطيب. خالة أخرى لي وابنُها أصيبا أيضاً بجروح في مختلف أنحاء الجسم.

في ذلك اليوم انتشلوا أيضاً من بين الأنقاض جثث خالي وزوجته وخالاتي، وتمّ دفنهم بعد وقت قصير فلم ألق عليهم نظرة وداع. في ساعات المساء انتشلوا أيضاً جثة جدّي. عندما رأيته كانت دموع تسيل من عينيه فظننت لوهلة أنّه حيّ، لكنّه كان قد فارق الحياة.

بعد ذلك أخلوني وبقيّة الجرحى إلى عيادة وكالة الغوث (الأونروا) في مركز مخيّم جباليا للّاجئين، إذ كانت أقرب إلينا من المُستشفيات. كانت لديّ إصابات في الظهر والحوض وحُروق في اليدين والرّجلين. قال الأطبّاء أنّ هناك احتمالًا كبيرًا ألّا أقدر على المشي مجدّداً، ولكن بعد ذلك ساعدتني العلاجات التي تلقّيتها واستعدت قدرتي على المشي.

معاذ سالم. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في صباح اليوم التالي عثروا على جثّة أخي مُعاذ. أنا ومُعاذ كنّا قريبين سنّاً ومقرّبين جدّاً من بعضنا البعض. وفاته كانت الصّدمة الأشدّ عليّ.

بعد ذلك، حين اجتاح الجيش الإسرائيليّ مخيّم جباليا للّاجئين، نُقلنا، نحن الجرحى، من عيادة وكالة الغوث إلى مستشفى الشفاء. هناك أجريت لأخي عمليّة جراحيّة صغيرة. طوال عشرة أيّام كنّا مستلقين مُصابين في المستشفى على أرضيّة غرفة تبريد كانت أشبه بقبر، بدون فرشات. لم يأتِ أحد لمعالجتنا. كنّا نشرب مياهًا مالحة لا تصلح للشرب، لأنّ هذا هو الموجود. تلك الأيّام كانت هي أصعب أيّام حياتي.

بعد تسريحنا من المستشفى عُدنا إلى مخيّم جباليا للّاجئين وبقينا هناك ما يُقارب الشهرين، في مدرسة تمّ تحويلها إلى مخيّم للمهجرين. عندما أخذ والدي يتعافى ويشعر بتحسّن نصب لنا خيمة فوق خرائب منزلنا. لم تكن الخيمة صالحة للسّكن حقّاً، وكانت تدخلها الفئران والحشرات والزواحف. الله وحده يعلم كم تعذّبنا في الخيمة. بعد ذلك اقترض والدي المال وجلب عمّالاً قاموا ببناء غرفة صغيرة لنا. أحسست كأنّني في قصر! فرحت كثيراً وشعرت أنّ كلّ عذاباتنا قد ولّت أخيراً.

إبراهيم جمال زهد. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة

ولكن في 6.10.24، عند الخامسة فجراً، اجتاح الجيش الإسرائيليّ المخيّم مرّة أخرى. أخذ الشبّان يُنادون أهالي الحيّ ويطلبون منهم أن يفرّوا وينجوا بأنفسهم لأنّ الدبّابات آخذة في الاقتراب إلينا. خرجنا من الغرفة ركضاً وذهبنا مع بقيّة الناس إلى عيادة وكالة الغوث. مكثنا هناك مدّة ساعتين ثمّ قرّرنا الذهاب إلى مدرسة/مخيّم مهجرين في مخيّم الشاطئ للّاجئين، في غرب مدينة غزّة.

في 20.12.24 طلب يدي شابّ يُدعى إبراهيم زهد، وبتوفيق من الله أعجبني ووافقت. في يوم الإثنين، 30.12.24، أقمنا حفل خُطوبة لأنّنا أردنا أن نفرح ولو قليلاً بعد كلّ العذاب الذي ذُقناه وفقد أفراد من عائلة أمّي وإصابتي أنا وبقيّة أفراد أسرتنا. ولكن في نهاية الأسبوع نفسه، في يوم السّبت الموافق 4.1.25، استُشهد إبراهيم جرّاء قصف للجيش الإسرئيليّ استهدف المنزل الذي كان يمكث فيه؛ وقد استُشهد جرّاء القصف نفسه شقيقه تامر وزوجته وأولادهما الثلاثة، شقيقه عماد، والده، شقيقته، ابن عمّه وعمّه. أعتقد أنّ جثثهم ما زالت تحت الأنقاض حتى الآن.

كنت أتمنّى لو أستطيع إلقاء نظرة وداع أخيرة على خطيبي إبراهيم، أو على الأقلّ أن أعرف هل حظي بدفن لائق. من القصف نفسه نجت والدته وأحد أشقّائه، لكنهما أصيبا بجروح خضعا إثرها لعمليّات زرع شرائح بلاتين في الرّجلين.

لا أعرف أسماء وأعمار بقيّة أفراد عائلة إبراهيم، لأنّه لم يُتح لي لقاؤهم أو التعرّف عليهم. صدمني فقدان إبراهيم لأنّني لم أتوقّع أن أفقد المزيد من أعزّائي بعد.

قال لي إبراهيم قبل استشهاده بيوم واحد إنّه سوف ينتقل مع عائله إلى مخيّم الشاطئ للّاجئين، لأنّ الأوضاع في المنطقة التي يمكثون فيها خطيرة جدّاً. لكنّ الوقت لم يُسعفهم فلم يُتح لهُم الانتقال والنجاة بأرواحهم من القصف.

بعد وقف إطلاق النار عُدنا إلى مخيّم جباليا. غير أنّ حجم الدّمار في المخيّم كان هائلاً. وجدنا أنّهم قد جرفوا أنقاض منزلنا والغرفة التي بنيناها فوق الأنقاض، وكانت جميع المنازل المُجاورة لنا مقصوفة. الخراب شامل ولا يمكن حتى إقامة خيمة فوق الأنقاض. اضطررنا إلى العودة إلى مخيّم المهجرين في مخيّم الشاطئ للّاجئين.

لم أشعر بالفرح لدى التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. أنا لا أعرف ماذا سأفعل بنفسي وكيف سأواصل حياتي. الحياة قد توقّفت بالنسبة إليّ.

الكلمات الأخيرة التي سمعتها من إبراهيم خطيبي: "لا تقلقي. الأيّام القادمة ستكون كلّها فرح. أنا متفائل". ولكن، راح إبراهيم وراح معه الفرح كلّه.

* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 22.1.25

القتلى من عائلة شهْد سالم جرّاء القصف الإسرائيليّ:

  1. شقيقها أحمد (16 عامًا)
  2. شقيقها مُعاذ (19 عامًا)
  3. جدّها عبد الباسط عبد الحميد ياسين (63 عامًا)
  4. حدّتها رئيسة عبد المجيد ياسين (63 عامًا)
  5. خالها جبريل عبد الباسط ياسين (30 عامًا)
  6. زوجته رندة سمير صيام (30 عامًا) وكانت حاملاً في الشهر التاسع
  7. خالتها نداء عبد الباسط ياسين (39 عامًا)
  8. خالتها أمل عبد الباسط ياسين (34 عامًا)

* في 4.1.25 استُشهد خطيب شهْد، إبراهيم جمال زهد (23 عاماً) وعشرة من أفراد عائلته.