31 عامًا، صحفي من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، يتحدّث عن النزوح وكيف فقد أبناء عائلته جرّاء القصف وعن العودة الحزينة إلى شمال القطاع
أعمل صحفيّاً منذ العام 2025، وأقوم، منذ ذلك الحين، بتغطية الأحداث في قطاع غزة، مثل مسيرات العودة والحُروب.
حتى اندلاع الحرب كنت أقيم مع عائلتي في منزلنا الكائن في مخيّم جباليا للّاجئين- والدتي عائشة (67 عاماً)، أختي يارا (25 عاماً)، أخي محمد (26 عاماً)؛ أخي طارق (37 عاماً) وزوجته عُلا (35 عاماً) وأولادهما الخمسة: عائشة (14 عاماً)، ريماس (10 سنوات)، محمد (8 سنوات)، ريتال (7 سنوات) وأحمد (سنة وسبعة أشهُر)؛ وأخي صديق (33 عاماً) وزوجته آمنة (36 عاماً) وأولادهما الثلاثة: تولين (3 سنوات)، أحمد (سنة واحدة) وفارس (شهران). كنت قد خطبت وخطّطت لإقامة حفل الزفاف خلال وقت قريب. عندما اندلعت الحرب أقيم مقرّ للصحفيّين في ساحة مستشفى الشفاء في مدينة غزّة. انتقلتُ إلى هُناك، ومن هُناك كنّا نخرج لتوثيق غارات القصف. بعد نحو شهر غطّيت خلاله مقتل مدنيّين جرّاء القصف، أمر الجيش بإخلاء المستشفى فاضطرّ جميع من كانوا في خيمة الصحفيّين إلى الانتقال جنوباً. في ذلك اليوم قصف الجيش مُحيط المستشفى واستشهد العشرات في المنطقة المحيطة به. أثناء تغطيتي لهذه المجزرة التقيت طفلة صغيرة كانت تبحث عن والديها بين أشلاء الجثث، وهذا قطّع قلبي. في طريقي إلى الجنوب حملت معي حكاية هذه الطفلة وحُزنها وهي تبحث عن عائلتها.
عندما وصلت إلى حاجز "نتسريم" كانت هُناك دبّابات وجُنود يُنادون عبر مكبّرات الصّوت بأسماء شبّان وشابّات لكي يتقدّموا نحوهُم. كان الوضع في الحاجز مُخيفاً جدّاً، وقد خفت أن يُنادوني باسمي. وكذلك كنت خائفاً على عائلتي، التي بقيت في الشمال.
تمكّنت من عُبور الحاجز بسلام ووصلت إلى مدينة خان يونس. بقيت هناك مُدّة شهر تقريباً، إلى أن أمر الجيش الجميع بالنزوح مرّة أخرى، إلى مدينة رفح. عندما غادرنا كنت حزيناً جدّاً، لأنّني كنت أدرك أنّهم سوف يهدمون المدينة ويدمرونها. بعد أن وصلت إلى رفح انقطعت الاتصالات بين شمال القطاع وجنوبه ممّا أثار قلقي الكبير على أمّي وأفراد عائلتي، الذين كنت حتى ذلك الحين على اتّصال دائم بهم عبر الهاتف. كانت والدتي توصيني في كلّ مكالمة أن أحافظ على نفسي وترجوني ألّا أذهب إلى أماكن خطيرة وأن أقلّل قدْر الإمكان من التجوّل، وبدوري كنت أنا أيضاً أطلب منهم أن يحافظوا على أنفسهم وأن يُحاولوا عدم الخروج من المنزل.
في 22.12.23 قصف الجيش منزل جيراننا في مخيّم جباليا للّاجئين، وهُم في داخل المنزل. استُشهد جرّاء القصف 17 شخصاً وجُرح كثيرون. أصيب أيضاً منزلنا واستُشهد وجُرح العديد من أفراد عائلتي: استُشهد كلّ من ريماس ابنة أخي طارق وفارس ابن أخي صديق. صديق نفسه أصيب في رجله اليُمنى، وأصيبت ابنته تولين في كلتي رجليها، كما أصيب ابنه أحمد في رجله اليُمنى. تمّ إخلاؤهم إلى مُستشفى العودة وهُناك اضطرّ الأطبّاء إلى بتر رجل أحمد. بعد ذلك سافرت زوجة صديق إلى الجنوب مع الأولاد لاستكمال العلاج، ولاحقاً تمكّنت من مُغادرة القطاع معهم لاستكمال العلاج في الخارج. أصيبت أيضاً عائشة، ابنة طارق، كما أصيبت والدتها، عُلا، بجُروح طفيفة في الرّجل. وأصيبت أيضاً والدتي في رجلها وتمّ أخلاؤها إلى عيادة في مدرسة في مدينة جباليا. جرّاء هذا القصف استُشهد وجُرح عدد من جيراننا وأصدقائنا.
في أعقاب القصف انتقل أفراد الأسرة الذين لم يتلقّوا العلاج في المُستشفى إلى مخيّم نازحين في المدرسة نفسها في مدينة جباليا، حيث العيادة التي أخليت إليها والدتي. لكنّ الجيش اقتحم العيادة في اليوم التالي وأمر الجميع بالمُغادرة، ولذلك عادت والدتي وبقيّة أفراد العائلة إلى منزلنا، علماً أنّه تضرّر لكنّه ما زال قائماً. قلقت جدّاً وخشيتُ على حياتهم.
كانت أختي يارا قد رافقت عائشة إلى رفح، وقد زرتُهما هُناك عدّة مرّات وجلبت لهما الطّعام. بعد ذلك تمّ إجراء تنسيق لنقل عائشة إلى مصر لتلقّي العلاج هُناك، وبقيت يارا في رفح.
مرّت ثمانية أشهُر على نزوحي إلى الجنوب قبل أن أتمكّن من إجراء مُحادثة فيديو مع أمّي وأفراد عائلتي الذين بقوا في جباليا، وكانت تلك المرّة الأولى التي رأيت فيها والدتي عن بعد، بعد مُدّة طويلة. فرحت كثيراً لرؤيتها ونشرت صورتها على الفيسبوك. كتبت أنّ هذه الصورة هي الأولى لها منذ اندلاع الحرب وأنّني آمل أن أراها في شمال القطاع وجهاً لوجه في المرّة القادمة. كم كنت فرحاً في ذلك اليوم! شعرت وكأنّه يوم عيد!
في 25.8.24 استُشهد زوج شقيقتي شيرين جرّاء القصف حين عاد إلى منزلهم في مخيّم جباليا للّاجئين لكي يتفقّد وضعه. كان في داخل المنزل حين قصفوه فاستُشهد على الفور. بعد أن استُشهد طلبت والدتي من شقيقتي أن تنتقل مع أولادهما إلى منزلنا، بعد أن كانت قد ذهبت إلى منزل عائلة زوجها.
بقيت في رفح، وفي 15.1.25، تواردت أنباء عن وقف إطلاق نار قريب فبكيت فرحاً لأنّني أخيراً سوف أرى أمّي وبقيّة أفراد عائلتي بعد أن غبت عنهم أكثر من سنة. اتّصلت بهم فوراً وقلت لهُم إنّني، بعون الله، سوف أعود إلى الشمال. قالت لي أمّي "هاي هي الحرب قد انتهت وأريد أن أفرح بك وبعروسك، وسوف أقيم لكما أجمل عُرس".
للأسف، في اليوم التالي حطّم الاحتلال جميع أحلامي، ومكان هذه الأمنيات خيّم الحُزن والأسى حداداً إذ قصف الجيش الإسرائيليّ في يوم الأحد المُوافق 16.1.25 منزلنا مباشرة ممّا أدّى إلى استشهاد جميع من كانوا داخله: والدتي وأخي طارق وزوجته عُلا وأولادهما الثلاثة، الذين نجوْا من القصف السّابق، محمد وريتال وأحمد الطفل الصّغير، وشقيقتي شيرين (43 عاماً) وولداها علاء (10 سنوات) وضياء (8 سنوات). كم كنت أمنّي نفسي بالعودة إلى جباليا والتقائهم بعد غيابي عنهم وعدم رؤيتي لهم مدّة سنة، وأن أفرح معهم. لكنّ الاحتلال قتل هذا الحُلم أيضاً. لقد حلّت بي كارثة فظيعة، حتى أنّني تمنّيت الموت لكي أتخلّص من هذا العذاب.
عندما دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في 19.1.25، انتشل الجيران بعض جثث أفراد عائلتي من بين أنقاض المنزل، ولم يتمكّنوا من انتشالهم جميعاً بسبب عدم توفّر المعدّات الثقيلة اللّازمة. انتظرت أسبوعاً، إلى أن سمحوا لنا ـ أي للمهجَّرين ـ بأن نعود إلى الشمال. لمزيد الحُزن والأسف، عُدت إلى الشمال لا لكي ألتقي والدتي وإنّما لكي أنتشل جثتها من بين الأنقاض، ولكي ألقي عليها نظرة الوداع الأخير وأدفنها. ولكن حتى هذه "النعمة" حُرمت منها! بدون معدّات ثقيلة لم يكن من المُمكن انتشال جثتها. ما زالت أمّي مدفونة تحت الأنقاض، وما زلت في انتظار أن تتوفّر إمكانيّات انتشالها.
أنا الآن مشرّد بلا مأوىً بعد أن دُمّر منزلنا جراء القصف. أتنقّل بين منزل خطيبتي ومنزل أصدقاء لي ومنزل عمّي. هذا وضع صعب جدّا. وعُموماً، الوضع هنا في القطاع صعب إلى درجة لا يُمكن وصفها. منظر الدّمار مُرعب. جميع الناس في وضع جسديّ ونفسيّ مروّع، يُعانون كثيراً ولا يعرفون إلى أين يذهبون. لا حياة، لا بُيوت، ولا حتى مكان لنصب خيمة فوقه. الناس تنصب خيامها فوق أنقاض منازلها، وقد تطايرت خيام كثيرة هُنا بفعل رياح الشتاء. هنالك نقص في المياه والطعام والكهرباء والخيام، أو البُيوت المتنقّلة. الناس هُنا محرومة من الاحتياجات الأكثر أساسيّة، الضروريّة لبقائهم على قيد الحياة.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 10.2.25
أفراد العائلة الذين فقدهم عامر السّلطان جرّاء قصف منزل الجيران في 22.12.23:
ابنة أخيه، ريماس طارق السّلطان (10 سنوات)
ابن أخيه، فارس صديق السّلطان (شهران)
בני משפחה שאיבד עמאר א-סולטאן בהפצצת בית משפחתו ב-16.1.25:
والدته، عائشة خليل محمد السّلطان (67 عاماً)
شقيقته، شيرين رمضان عبد المُعطي السّلطان (43 عاماً)
ولَداها:
علاء عصام المطوّق (10 سنوات)
ضياء عصام المطوّق (8 سنوات)
شقيقه، طارق رمضان عبد المُعطي السّلطان (37 عاماً)
زوجة شقيقه، عُلا محمد السّلطان (35 عاماً)
أولادهما:
محمد طارق السّلطان (8 سنوات)
ريتال طارق السّلطان (7 سنوات)
أحمد طارق السّلطان (سنة وسبعة أشهُر)