Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

هادي عبد ربه

هادي عبد ربه

( 27 حزيران 2025 )

(40 عامًا)، أب لابنتين، من سكان بلدة جباليا، تحدث عن خطر الموت المحدق بالناس في نقاط توزيع المساعدات وفي مراكز "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF)وعن الصراع من أجل الحصول على الطعام:

هادي عبد ربه. من فيديو صوّره عبد ربه, 7.11.25

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي وابنتينا، ألما (12 عامًا ونصف) وبتول (8 أعوام)، في شقة في مبنى العائلة في شرق بلدة جباليا. في الشقق الأخرى، كان يقيم والداي وإخوتي مع عائلاتهم. نحن 27 شخصًا. نظرًا لأن بنايتنا كانت قريبة من الحدود مع إسرائيل، فقد اضطررنا في يوم 8.10.23 إلى النزوح تحت القصف الشديد وتهديدات الجيش. انتقلنا لبضعة أيام إلى أقارب في غرب جباليا، ومن هناك بدأنا رحلة النزوح الشاقة من مكان إلى آخر، دون العثور على مكان آمن نسكن فيه.

في منتصف تشرين الثاني 2023، قصف الجيش الطوابق العليا من المبنى الذي نزحنا إليه. أصيب عدد من أفراد العائلة، بمن فيهم بنات أخي فادي. بُتر جزء من قدم دانا (17 عامًا) اليسرى، بما في ذلك بعض أصابع القدم، ولم تتعافَ القدم بشكل صحيح بسبب انهيار الخدمات الصحية في القطاع. وما زالت تعاني حتى اليوم. كما أصيبت أختها بانا (12 عامًا) بجروح طفيفة نسبيًا في الرأس والظهر واليد، وحالتها جيدة اليوم. بعد فترة وجيزة انتقلنا إلى شقة مستأجرة في منطقة النفق في جباليا.

خلال فترة الهدنة الأولى، في 24.11.23، والتي استمرت 6 أيام، ذهبنا لتفقد وضع منزلنا في شرق جباليا. اكتشفنا أن منزلنا تضرر بشكل كبير، لكن معظم المنازل الأخرى في الحي ظلت سليمة وصالحة للسكن. عندما انتهت الهدنة، تجددت الحرب بكل حدتها. دخلت الدبابات إلى الحي الذي يقع فيه منزل عائلتنا، ثم اكتشفنا أن الجيش دمر المنازل وأحرقها وسوّاها بالأرض. كان الوضع في جباليا بأسرها خطيرًا للغاية واضطررنا إلى النزوح من هناك.

انتقلنا إلى حي الشيخ رضوان في شمال غرب مدينة غزة. أفرِغت المتاجر والأسواق من جميع أنواع المنتجات مثل الطحين والحبوب واللحوم والخضروات وما إلى ذلك، وعانينا من جوع شديد. كانت الطريقة الوحيدة تقريبًا للحصول على الطعام هي من خلال نقطة توزيع المساعدات الإنسانية في دوار النابلسي في غرب مدينة غزة، أو في دوار الكويت في شرق المدينة. لكن خطر الموت كان يتربص بالناس في مثل هذه النقاط. فقد قتل الجيش العشرات وربما المئات من الأشخاص الذين أتوا للحصول على الطعام، بالرصاص الحي والقصف الجوي بالقرب من نقاط توزيع المساعدات. في كل مرة ذهبت إلى هناك في محاولة للحصول على بعض المواد الغذائية، لم أكن أعرف ما إذا كنت سأعود على قيد الحياة.

في كانون الثاني 2025، مع إعلان وقف إطلاق النار، عاد العديد من السكان من الجنوب إلى شمال القطاع. استمر وقف إطلاق النار حتى آذار، ثم تجددت الحرب بقوة كبيرة. أغلق الجيش جميع المعابر إلى القطاع ونفدت المواد الغذائية بسرعة وارتفع سعر ما تبقى منها بشكل كبير. وتدريجياً، تفاقم الجوع حتى أصبح أسوأ من الجوع الذي عانينا منه قبل وقف إطلاق النار. رأينا أشخاصًا ينهارون من الجوع في منتصف الشارع، وبدا بعضهم كأنهم هياكل عظمية تمشي. عانى أطفالنا أيضًا من نقص حاد في التغذية

عندما سمعنا أن هناك منظمة أمريكية تدعى GHF، تقوم بتوزيع المساعدات في جنوب القطاع، اعتقدنا أننا سنتلقى إشعارًا منظمًا أو أن التوزيع سيكون وفقًا لبطاقة الهوية. لدهشتنا، قاموا بوضع مراكز المساعدة في مناطق مصنفة على أنها حمراء، أي تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.

لم تصل أي مساعدات إلى شمال القطاع، لذلك قررت الذهاب إلى مركز توزيع المساعدات في غرب رفح لإحضار الطعام إلى المنزل. في بداية شهر حزيران، ركبتُ سيارة أخذتني إلى مخيم النصيرات، ومن هناك انتقلت إلى سيارة أخرى وسرت جزءًا من الطريق سيرًا على الأقدام، إلى مكان يسمى العلم على شاطئ البحر، على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من نقطة توزيع المساعدات، حيث تجمع الجميع. انتظرت من الساعة 6:00 مساءً حتى 5:00 صباحًا في اليوم التالي. في الصباح، كانت هناك فوضى عارمة. عشرات الآلاف من الناس يركضون لمسافة 3-4 كيلومترات على أمل الحصول على مساعدة - طرد غذائي أو حتى نصف طرد.

رأيت دبابات وجنودًا إسرائيليين، وأمريكيين بزي عسكري أيضًا، مسلحين بأسلحة الإسرائيليين نفسها، يطلقون نيرانًا كثيفة على أناس مثلي يريدون فقط الحصول على الطعام. قُتل الكثير من الناس، وأصيب معظمهم في الرأس أو الصدر. رأيت امرأة تقف على بعد أمتار قليلة مني تصاب في رأسها. انفجر رأسها ببساطة. كانت سيارات الإسعاف موجودة قرب مطعم Fish Freshفقط، على بعد 4-5 كيلومترات، لأنه لا يُسمح لها بالوصول إلى منطقة مركز المساعدات.

كان ذك يومًا دمويًا ومرهقًا، لكنني تمكنت من الحصول على بعض الطعام. أخذت الطرد وعدت إلى الشمال. عندما وصلت إلى المنزل، شعرت عائلتي بالارتياح - لقد سمعوا أن هناك عشرات القتلى في المركز القريب من ميدان العلم وكانوا قلقين عليّ جدًا. كانت هناك فرحة كبيرة لأنني أحضرت بعض الطحين ومعلبات الغذاء والحبوب. كانت تلك المرة الأولى منذ أكثر من شهرين التي يدخل فيها الطحين إلى منزلنا. من شدة الفرح، فتح أطفالي وأبناء أشقائي كيس الطحين ودهنوا وجوههم به.

في الآونة الأخيرة، بدأوا بإدخال الطحين وطرود الطعام عبر معبر "زيكيم"، في شمال القطاع. قررت المخاطرة مرة أخرى للحصول على طرد غذائي. أنا الوحيد في عائلتي الذي لديه القوة والشجاعة لمواجهة الخوف من الموت أو الإصابة، والمستعد للمخاطرة بنفسه من أجل إحضار الطعام للعائلة.

قبل أسبوعين ذهبت إلى نقطة التوزيع في "زيكيم"، وما حدث هناك كان مروعًا. رأيت دبابات تطلق النار على الناس مباشرة. قُتل العشرات من الناس على الفور ولم يقترب أحد لتقديم المساعدة لأن كل من كان هناك هرب لإنقاذ نفسه. فقط عندما هدأ الوضع قليلًا، اقترب بعض الناس وأخلوا القتلى على ألواح الخشب التي كانت توضع عليها أكياس الطحين من قبل. حملوهم على أكتافهم ثم حمّلوهم على عربات تجرها الحمير. وضعنا على لوح جثة شاب ممزقة إلى ثلاثة أجزاء.

في ذلك اليوم، تمكنت، بصعوبة بالغة من الحصول على كيس طحين يزن 25 كيلوغرامًا. كانت رحلة إلى الموت. بعد تلك الرحلة، انهرْتُ، منهكًا ومصدومًا. عندما نمت، طاردتني الكوابيس والأحلام عن إطلاق النار والقتل والقنابل من ذلك اليوم.

بعد أربعة أيام، ذهبت إلى نقطة التوزيع في "زيكيم" مرة أخرى، لكنهم أطلقوا النار علينا بلا توقف ولم أتمكن من الحصول على أي شيء. عدت إلى المنزل خالي الوفاض، خائفًا حتى الموت. ثم عُدت مرة أخرى، وشاهدت المشاهد ذاتها. حشود من النساء والرجال والأطفال ينتظرون معي للدخول إلى مركز توزيع المساعدات، ومرة أخرى أطلق الجنود علينا نيرانًا كثيفة وكان هناك الكثير من القتلى والجرحى.

قبل أسبوع، تمكنت من الحصول على طرد غذائي تضمن زيتًا وحبوبًا وبعض المعلبات. كان عدد الطرود الغذائية قليلًا نسبيًا مقارنة بالحشود الهائلة من الناس الذين وصلوا إلى هناك. في ذلك اليوم أيضًا، قُتل وجُرح العشرات من الناس ولم تتمكن أي سيارة إسعاف من الوصول إلى هناك لأنها تعتبر منطقة خطرة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. من يهتم بإخلاء القتلى والجرحى في هذه الأماكن هم أصدقاؤهم وأقاربهم. يقومون بإخلائهم إلى سيارات الإسعاف التي تنتظر على بعد 3-4 كيلومترات من مركز توزيع المساعدات.

نحن نعيش في جحيم. القطاع بأكمله يتحول إلى بلد الأموات، سواء متنا بقصف الجيش أو متنا جوعًا أو أفنتنا الأمراض. لا قيمة لنا، لا مأوى ولا كرامة. لا أحد يهتم بنا ولا أحد يسأل عنا. لم تتبق حقوق إنسان في قطاع غزة ولا قيمة للحياة. لا يوجد شيء هنا، سوى القتل والموت.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 27.6.25

اقرأوا شهادة أخرى أدلى بها هادي عبد ربه لبتسيلم في 20.7.25، حول مذبحة بحق أشخاص كانوا ينتظرون شاحنات طحين تابعة للأمم المتحدة في منطقة السودانية، بالقرب من معبر "زيكيم".