(45 عامًا)، أم لتسعة، تحدثت عن التهجير المتكرر، عن فقدان ابنتها التي قُتلت مع أسرتها بالكامل، عن صعوبة تلبية احتياجات ابنة أخرى بحاجة إلى غسيل الكليتين وعن الفقدان التام للخصوصية في حياة الخيمة:
قبل الحرب كنت أقيم في بلدة جباليا، في مبنى عائلي مكون من 5 طوابق وكانت حياتي جميلة ومستقرة. كانت الكهرباء والمياه متوفرة وكان لدي مطبخ واسع مع كل الأجهزة والأدوات وكانت لي غرفة خاصة، وكذلك غرف لأبنائي وبناتي.
أنا وزوجي منتصر (50 عامًا)، الذي يعمل في الدفاع المدني (خدمات الطوارئ والإنقاذ)، كنا نحب الخروج مع أطفالنا للتنزه على شاطئ البحر وفي الحدائق وما شابه، وكنت أبلغ غاية السعادة في الأيام التي تجتمع فيها عائلتي كلها ونمضي الوقت معًا. لدينا 9 أبناء: شيماء (28 عامًا ـ متزوجة)، حسين (27 عامًا - متزوج)، رميساء (26 عامًا - متزوجة وأم لطفلين وكانت تعيش معنا لأن زوجها يقيم في الخارج منذ 5 سنوات)، فداء (25 عامًا - متزوجة وأم لطفلين)، إيهاب (22 عامًا)، قاسم (20 عامًا)، صلاح (19 عامًا)، رواء (16 عامًا وهي تعاني من مرض في الكليتين وتحتاج إلى غسيلهما 3 مرات في الأسبوع) وأيلين (13 عامًا).
كانت العائلة تجتمع عندي وكنت أُعدّ أشهى الأطعمة، الكعك والمعمول والحلويات. التحقت بدورات في صناعة الحلويات وكنت أخطط لافتتاح مشروع خاص متخصص في المعجنات والكيك. كنا نجلس جميعًا حول مائدة واحدة. كنا عائلة تغمرها البهجة. كنا نستضيف أقارب في المناسبات الخاصة وفي الأيام العادية وكنت أزور والديّ كثيرًا، حيث كانا يعيشان في جباليا أيضًا، وكنت سعيدة بقربي منهما.
كان يوم السابع من تشرين الأول يومًا أسود انقلبت فيه حياتي رأسًا على عقب. في البداية حاولنا تخزين الطعام والمياه خوفًا من النقص، ثم بسبب الخوف من القصف انتقلنا إلى منزل والديّ في الجزء الغربي من جباليا، الذي يبعد مسافة أكبر عن الحدود. عشنا هناك 4 أشهر ثم عدنا إلى بيتنا لأن المكان كان مكتظًا جدًا. كانت حياتنا قد أصبحت صعبة ومرهقة وقاسية. اضطررنا إلى تعبئة المياه في الحاويات باستمرار. كان أطفالي يسيرون مسافات طويلة لملء الدلاء وإحضارها إلى البيت. كانوا يشتكون من آلام شديدة في أيديهم وأرجلهم. أصيب اثنان من أبنائي، قاسم وصلاح، بفتوق بسبب حمل المياه وخضعا لعمليات جراحية خلال الحرب. وما زال ابني صلاح يعاني من آلام عصبية في يديه للسبب نفسه.
كانت المياه رديئة الجودة، بينما رُواء التي تعاني من مرض في الكلى تحتاج إلى مياه نظيفة. طرقت أبواب الناس وتجولت في الشوارع أسأل من لديه مياه نظيفة لابنتي، ولم أجد. بعد ذلك بدأت أغلي المياه وأصفّيها كي تتمكن رُواء من شربها. لم يعد هناك غاز للطبخ، فكنت أجمع النفايات لإشعال النار وغلي المياه وطهي الطعام للأطفال.
بعد فترة، أمرنا الجيش بإخلاء المنزل، فانتقلنا إلى مدرسة تم تحويلها إلى مخيم للمهجرين. بقينا هناك 3 أشهر كانت من أسوأ فترات حياتي. كانت غرف الصفوف مكتظة بالمهجرين وكان هناك نقص حاد في المياه، وكانت المراحيض متسخة بشكل مقزز. كنت أشعر بالاشمئزاز في كل مرة أستخدمها. كنا نقف أنا وبناتي ساعات في الطابور لاستخدام المرحاض. كانت تندلع شجارات باستمرار بين المهجرين عند الطوابير للحصول على المياه أو استخدام المراحيض. وكانت مغمورة ساحات المدرسة بمياه الصرف الصحي والرائحة لا تُحتمل. كان البعوض والذباب بأعداد لم أرَ مثلها في حياتي. وقد عانى أطفالي من طفح جلدي في جميع أنحاء أجسادهم ولم تنفعهم الأدوية. لذلك قررنا مغادرة المدرسة وقلت لنفسي إنني لن أعود إلى ذلك المكان أبدًا.
بعد ذلك انتقلنا إلى مخيم الشاطئ للاجئين واستأجرنا منزلًا هناك، لكننا غادرناه بعد وقت قصير وانتقلنا إلى منزل أصدقاء لأن زوجي لم يكن يملك المال الكافي لدفع الإيجار. كان لا يزال يتقاضى راتبًا، لكنه ألف شيكل فقط في الشهر ولم يكن يكفي لسد احتياجات أسرتنا في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار جرّاء الحرب.
في تلك المرحلة بدأ التجويع الشديد، ولم يعد الطحين متوفرًا فاضطررت إلى طحن علف الحيوانات لصنع خبز نأكله. لم أكن أعرف ماذا أعدّ لرُواء وكيف أتعامل مع وضعها في تلك الفترة. شعرت بسوء شديد حين اضطررت لإطعامها خبزًا مصنوعًا من علف الحيوانات.
بدأ أبنائي يذهبون إلى نقطة توزيع المساعدات في "زيكيم". كنت أودعهم باكية، وعندما يعودون كنت أقبّل أقدامهم وأعانقهم وأتوسل إليهم ألا يذهبوا مرة أخرى. فقد سمعت عن شبان سحقت الدبابات رؤوسهم وعن شاحنات دهست شبانًا حتى الموت. كانوا يجيبونني: "يا أمي، عانينا من الجوع ونريد أن نخزن الطحين حتى لا نجوع مرة أخرى". اشتد القصف من حولنا وصار الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، لكننا لم نكن نعرف إلى أين نذهب. لم أرد النزوح إلى جنوب القطاع والعيش في خيمة.
في 12.9.25 أُبيدت عائلة ابنتي فداء. قُتلت هي مع زوجها حسام جمعة (28 عامًا) وطفليهما جود (4 أعوام ونصف) ومصطفى (3 أعوام). عندما وصلني الخبر المأساوي لم أصدق. مُحيت الأسرة بأكملها من سجل السكان. كانوا في مخيم للمهجرين أُقيم في مدرسة فيصل في جباليا، لكن مع اشتداد القصف وبدء الجيش الإسرائيلي بتفجير مبانٍ بواسطة الروبوتات، غادروا إلى منزل أصدقاء في حي السلاطين في بيت لاهيا، وهناك تعرض المنزل للقصف.
بعد أسبوع من مقتل ابنتي وعائلتها اضطررنا إلى النزوح إلى بلدة الزوايدة في وسط قطاع غزة. استأجرنا قطعة أرض مساحتها 50 مترًا مربعًا مقابل 300 شيكل شهريًا. بقينا هناك شهرًا واحدًا فقط. شعرت بالغربة الشديدة، بعيدًا عن والديّ وإخوتي وجيراني، كل الوجوه من حولي كانت غريبة.
كانت تلك المرة الأولى التي أعيش فيها في خيمة. عشنا 10 أشخاص في خيمة واحدة، وكانت حياة النساء والرجال والأطفال جميعًا تجري في داخلها. لم تكن هناك خصوصية لي ولزوجي، وحتى كعائلة لم تكن لدينا خصوصية لأن الخيام كانت متلاصقة. إذا تحدثت مع زوجي في أمر ما، كانت امرأة في الخيمة المجاورة تقول لي في اليوم التالي: "تحدثتِ مع زوجك عن كذا وكذا". شعرت كأنهم يجلسون معنا داخل الخيمة بلا حاجز وهو ما أثار قلقي وخوفي. شعرت بالإهانة والذل في أعماقي. كما اضطررت أيضًا إلى مساعدة زوجي في مهام يقوم بها الرجال عادة، لأنه لم يستطع القيام بكل شيء لوحده: البحث عن تكايا، الوقوف في طوابير المياه، شراء مياه نظيفة من الصهاريج عندما كانت تصل وشراء الخبز من المخبز. عندما كنت أقوم بهذه المهام لم أعد أشعر أنني امرأة كما كنت.
سمعت لاحقًا عن قطعة أرض في مدينة خان يونس يمكن السكن فيها مجانًا وفيها مياه. قررت الانتقال مع عائلتي. طلب السائقون 1,000 شيكل، فاقترضنا المبلغ ونزحنا مرة أخرى. عشنا هناك نحو شهر، في خيمة مرة أخرى.
كانت المراحيض مشتركة مع الجيران واضطررت إلى الانتظار طويلًا رغم أنني أعاني من مشكلات في الأمعاء ولا أستطيع الانتظار. صعوبة الحياة في هذه الظروف سببت توترًا بيني وبين زوجي. كنت أقول له إنني لا أستطيع العيش هكذا في خيمة أو مخيم، وإنني بسبب مشكلتي الصحية لا أستطيع الوقوف في الطابور وأحتاج إلى شطّافة. ومن أصعب ما واجهته خلال الحرب كان نقص الفوط الصحية. كنت أقطع أقمشة لي ولبناتي بدلًا منها، لأن الحصول عليها كان صعبًا، وحتى عندما وُجدت في الأسواق كانت باهظة الثمن.
بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025 عدنا إلى شمال القطاع مع إخوتي زوجي وعائلاتهم. ذهب الرجال لكي بتفقدوا منزلنا، فاكتشفوا أن المبنى أصبح كومة من الركام، بكل طوابقه الـخمسة. بحثنا عن مكان لنقيم فيه خيمة. كانت خيمتنا قديمة ومهترئة، فاشترينا خيمة جديدة بـ1,700 شيكل ونصبناها على قطعة أرض صغيرة يملكها أشخاص يقيمون خارج القطاع، في غرب مدينة غزة.
ما زلنا نعيش هنا، 10 أشخاص في خيمة. بسبب انعدام الخصوصية، أنا وزوجي نعيش كأننا أخ وأخت ولا نختلي أبدًا. أنا وبناتي نبقى طوال اليوم بملابس الصلاة، وهذا مرهق جدًا. لا أستطيع تغيير ملابسي بحضور أبنائي. في هذه الحرب فُقدت خصوصية النساء، خصوصيتي أنا، وهذا أثر كثيرًا على صحتي النفسية. أحيانًا عندما أتشاجر مع زوجي أقول له: "لا أستطيع تحمل هذه الحياة! لقد جعلتني مريضة نفسيًا! حياتي كلها انقلبت، أين كنت وأين أنا اليوم؟".
كانت لدي في البيت غرفة خاصة، وكذلك أولادي كانت لهم غرفهم. أما اليوم فنحن نعيش جميعًا في خيمة تتجول فيها الفئران والقطط بحريّة. منذ أن سكنت الخيمة أبقى مستيقظة طوال الليل. لا أستطيع النوم، فأقضي الليل بالصلاة وقراءة القرآن والتفكير فيما حدث لي، كيف انتقلت من حياة أمان واستقرار في بيتي إلى هذا الانحدار. حتى استخدام المرحاض ما زال يسبب لي معاناة لأنه مشترك مع زوجات إخوة زوجي وأزواجهن وعائلات أخرى في المخيم. أحلم بمرحاض خاص بي، لكن لا يوجد مكان لإقامته.
لم أتحدث بعد عن معاناتنا في الشتاء. البرد القاسي يفتك بنا. مياه الأمطار تتسرب إلى الخيمة وتغمر ملابسنا وطعامنا. أنظر إلى الخيمة وهي تغرق ولا أعرف ماذا أفعل. لا خيار آخر لدي سوى القول: "حالي كحال باقي النساء هنا". أقضي يومي كله أمام النار لأُسخّن الماء ليستحم أولادي ولأطبخ وأخبز في فرن طيني. أستيقظ فورًا لأبحث عن أخشاب وبلاستيك لإشعال النار. أولادي أيضًا يقضون أيامهم بالبحث عن البلاستيك والخشب لنستطيع إعداد كوب من الشاي.
ها هو شهر رمضان يقترب. إنه أول رمضان منذ مقتل ابنتي فداء وعائلتها. كيف سأقضي رمضان من دونها؟ كيف لن تكون معنا حول المائدة؟ رحمكِ الله يا ابنتي، أنتِ وزوجك وأطفالك. أسأل الله أن يعينني على تحمّل فراقكم.
إضافة إلى ذلك، فإن عجزنا عن تلبية احتياجات ابنتي رُواء يسبب لي ألمًا كبيرًا. اليوم كل شيء متوفر في الأسواق، خضروات وفواكه وحلويات ولحوم، لكن زوجي موظف بسيط يتقاضى راتبه بأوراق نقدية ممزقة لا يقبلها كثير من التجار ولا أستطيع شراء ما أريد. تخضع رُواء الآن لغسيل الكلى 3 مرات في الأسبوع في مستشفى الشفاء، ولا أستطيع شراء الطعام الذي تطلبه أو توفير مياه نظيفة لها دائمًا، وهذا يمزق قلبي. نحن ننتظر أن نتمكن من السفر إلى الخارج لتجري رُواء عملية زراعة كلى أتبرع بها لها. آمل أن ننجح في السفر وأن تنجح العملية وينتهي عذاب ابنتي.
هذه الحرب سلبتني كل شيء: ابنتي وأحفادي وزوجها، كرامتي وإحساسي بقيمتي، وبيتي. أنا الآن بلا مأوى، أعيش في الشارع. أكره كلمة خيمة. لست معتادة على هذه الحياة ولا أعرف كيف سنتأقلم معها. ليت الله يعيد الحياة كما كانت قبل الحرب وأن أعود إلى بيتي وتنتهي هذه المأساة.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 30.1.26