(42 عامًا)، أب لخمسة، من سكان مخيم جباليا للاجئين، روى كيف يخاطر بحياته كل يوم ليجلب الطعام لعائلته
حتى قبل شهرين، كنت أسكن مع زوجتي عائشة منصور (34 عامًا) وأولادنا الخمسة: أحمد (15 عامًا) ومحمد (13 عامًا) ومحمود (11 عامًا) وخالد (5 أعوام) وفاطمة (4 أعوام) في مخيم جباليا للاجئين. في 18.3.25 تجددت الحرب مرة أخرى وتفاقم الوضع في منطقتنا. صمدنا لمدة شهر تقريبًا ثم غادرنا منزلنا وانتقلنا إلى غرب مدينة غزة. استأجرنا هناك شقة مع أختي وأخي حسن، الذي انتقلت زوجته وأطفالهم إلى منزل عائلتها، وعمي. ما زلنا جميعًا معًا في هذه الشقة حتى الآن.
طوال فترة الحرب عانينا من نقص في الغذاء ولكن في الأشهر الثلاثة الأخيرة، منذ أن منعت إسرائيل دخول المساعدات إلى القطاع، أصبح الوضع صعبًا بشكل خاص. اختفت المواد الغذائية الأساسية من الأسواق، وما هو متوفر منها لا أستطيع تحمل تكلفة شرائه. يبلغ سعر كيلو البندورة 60 شيكلًا والدقيق 90 شيكلًا والبطاطا أكثر من 100 شيكل وعلبة الطحينة 100 شيكل وبصلة واحدة متوسطة الحجم تكلف 50 شيكلًا - إن وجدت أصلًا - وفصّ الثوم يكلف ثمانية شواكل.
نحن نأكل العدس بشكل أساسي، لأنني كنت قد قمت بتخزين الكثير منه مسبقًا. لدينا وجبة واحدة في اليوم. إذا جاع الأطفال، نعطيهم خبزًا مع الملح. لا يوجد غاز للطبخ، لذلك أشتري كيلوغرام من الحطب بستة شواكل، وهو بالكاد يكفي لطهي وجبة واحدة. بدأت أجمع قطع البلاستيك والأوراق لإشعال النار. لا يوجد سكر على الإطلاق ولم نشرب الشاي منذ شهر ونصف.
بدأت أذهب أيضًا إلى مناطق توزيع المساعدات، في دوار النابلسي، لأجلب الطعام لعائلتي. عادةً ما أذهب إلى هناك قبل الفجر، حوالي الساعة 4:30، عندما تصل الشاحنات إلى هناك. المساعدات لا تصل كل يوم. في معظم الحالات، ما يتم توزيعه هو أكياس الدقيق.
أسير على القدمين حوالي أربعة كيلومترات. أحيانًا أنجح في الحصول على كيس من الدقيق يزن 25 كيلوغرامًا وأحيانًا لا أحصل على شيء. يصل إلى هناك آلاف الأشخاص وأحيانًا تصل سبع شاحنات فقط، وهذا لا يكفي لكل هؤلاء الناس. يتدافع الجميع ويدفع بعضهم البعض ونسبة صغيرة فقط تنجح في الوصول إلى الشاحنات - القوي هو الذي يحصل على المساعدة. هناك أيضًا عصابات مسلحة تصل بالسيارات وتطلق النار في الهواء فتخيف الجميع وتستولي على عدد كبير جدًا من الأكياس.
من المفترض أن تصل الشاحنات إلى دوار النابلسي من جهة "نتساريم"، لكن الناس ينتظرونها على بعد مئات الأمتار من منطقة "نتساريم" ويقطعون طريقها ويهجمون عليها، فيبدأ الجنود عندئذ بإطلاق النار عليهم. يصاب الناس بجروح، بل كان هنالك من قُتلوا. على الرغم من إطلاق النار، لا توجد سيارات إسعاف في هذه المنطقة.
غالبًا ما أذهب مع صديق أو أصطحب في بعض الأحيان ابني البكر أحمد (15 عامًا) ليحميني أثناء حملي للكيس. عندما أتعب، أستريح لمدة عشر دقائق وأمسك سكينًا في يدي طوال الوقت، لأنني أخشى أن يحاول البلطجية سرقة الكيس مني. لقد حدث هذا لكثيرين من الناس.
من كيس كهذا يزن 25 كيلوغرامًا، يمكن إعداد حوالي 300 رغيف خبز. نحن نحتاج إلى 30 رغيف خبز يوميًا، لذلك نأكل وجبة واحدة فقط حتى يكفينا الكيس لمدة 10- 15 يومًا. في الوضع الطبيعي، كان الكيس يكفي لمدة أسبوع.
في شهر أيار، عندما بدأوا بفتح مراكز لتوزيع المساعدات، بدأت أذهب إلى هناك أيضًا، إلى "نتساريم". المكان محاط بتلال رملية وسياجات. يصل الناس إلى هناك منذ المساء السابق وينتظرون طوال الليل. يصل إلى هناك آلاف الأشخاص الذين ينتظرون المساعدات. توجد في المنطقة دبابات وجنود يطلقون النار. يجلس الناس هناك على الرمال، يشعل بعضهم النار وينام البعض على الرمال، ثم فجأة يبدأ إطلاق نار من أسلحة خفيفة أو قذائف. نزحف حتى لا نصاب بأذى. لا توجد لدينا أية حماية هناك وأحيانًا تسقط قذائف بالقرب منا. الوضع مروّع.
قبل الفجر، يرسل الجيش طائرات مسيّرة مزودة بمكبرات صوت تعلن أنهم يسمحون بالتقدم. في غضون ثوانٍ، يبدأ آلاف الأشخاص بالركض إلى داخل مركز المساعدات. بالإضافة إلى ذلك، تم تركيب رافعة في المركز مزودة بأضواء تشبه إشارة المرور - إذا كان الضوء أحمر ـ يُمنع التقدم، وإذا كان أخضر - يُسمح بذلك. لكن بسبب الجوع، يحاول الناس التقدم حتى قبل أن يصبح الضوء أخضر وعندها يبدأ إطلاق النار.
نركض لمسافة 2- 3 كيلومترات حتى نصل إلى نقاط التوزيع ونصل إلى ساحة توجد فيها أكوام من الصناديق الكرتونية فيأخذ كل شخص منها ما يستطيع. إنها فوضى عارمة. كل شخص يحمي رزمته.
تحتوي الطرود على علب حمص أو فاصوليا معلبة وسكر وشوكولاتة وزيت للطبخ وحب الحمص الجاف. يوجد هناك ربما 10 منصات نقالة ويصل آلاف الأشخاص، لذلك ينتهي كل شيء في غضون دقائق، ثم يطلق الجيش النار مرة أخرى على الناس. هناك قتلى وجرحى دائمًا.
أحرص على إحضار سكين معي للدفاع عن النفس وعندما أنجح في أخذ شيء ما - أركض وأبتعد عن إطلاق النار وأبحث عن مكان للراحة حتى أعود إلى شقتنا في غرب مدينة غزة.
قبل يومين، ذهبت إلى "زيكيم" في شمال القطاع. هناك أيضًا يوزعون أكياس الدقيق. كان هناك آلاف السكان. أطلقت الدبابات النار بكثافة وكان هناك العديد من القتلى الذين أصيب معظمهم في الرأس. ركضت والكيس على كتفي ومررت بجانب جرحى وجثث. كان بعضهم يحتضر ولم يكن بإمكان أحد مساعدتهم.
مَن جاء مع قريب له قد أصيب، استطاع إخلاءه. لكن القتلى تُركوا خلفهم، لأن إطلاق النار كان كثيفًا وهرب الجميع، في حالة من الذعر، بما حصلوا عليه. رأيت ثلاث جثث وشابًا أصيب في رأسه كان لا يزال يتنفس. رفعوه على لوح خشبي وحملوه لمسافة كيلومترين على الأقل. بعد ذلك افترقت عنهم وذهبت في اتجاه آخر.
أخرج كل يوم تقريبًا إلى مراكز المساعدات - إلى "نتساريم" أحيانًا وإلى "زيكيم" أو النابلسي في أحيان أخرى. عندما أخرج من الشقة، أودع زوجتي وأطفالي وكأنها المرة الأخيرة. الذهاب إلى هناك هو الذهاب إلى الموت. ربما أعود، وربما لا. أرى الموت هناك بأم عيني. لقد حوّل الجيش مراكز التوزيع إلى مصائد للموت.
أخاطر بحياتي لأجلب الطعام لأطفالي، لأنه ليس لدي مال لأشتري من السوق. والسوق أيضًا فارغ والبضائع باهظة الثمن بشكل مروع. لقد تحولت حياتنا إلى صراع يومي من أجل البقاء. أنا معرض للموت كل يوم ولكن ليس لدي خيار. وإلا، سنموت من الجوع.
* جمع الإفادة باحث بتسيلم الميداني خالد عزايزة في 19.6.25