36 عاماً، من سكّان بي سهيلا شرقيّ خان يونس، حدّث عن طفلته عائشة، التي تجمّدت من البرد في 20.12.24 داخل خيمة نزوح عائلته وتوفّيت عن عُمر ناهز 23 يوماً
أنا وزوجتي، رنا أمين القصّاص (32 عاماً) أنجبنا خمسة أولاد: يحيى، 9 سنوات ومحمد، 8 سنوات وسفيان، 5 سنوات وأمين، سنتان ونصف وعائشة، 23 يوماً. قبل الحرب كنّا نقيم في بني سهيلا، شرقيّ خان يونس، والآن نحن نازحون على شاطئ البحر في مواصي خان يونس، ونقيم في خيمة من القماش والنايلون.
في العام الماضي، عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ المنطقة الواقعة إلى الشرق من خان يونس، قصفت المدفعيّة الإسرائيلية منزلي ومنزل أخي واحترق المنزلان. كانت المنطقة كلّها محاطة بحزام ناريّ نتيجة القصف المدفعيّ وقد وصلت الدبّابة إلى باب منزلي. بطريقة ما، استطعنا الخروج من هناك وتوجّهنا سيراً على الأقدام إلى مدينة رفح. مكثنا هناك مدّة خمسة أشهُر في ظروف صعبة جدّاً. في شهر آذار، ونحن ما نزال هناك، تبيّن أنّ رنا حامل في الشهر الأوّل. كانت تخضع لمتابعة في المستشفى هناك، وكانت حالة الجنين جيّدة.
لاحقاً، في أعقاب قصف رفح، انتقلنا إلى المواصي في منطقة خان يونس، غربيّ القرّارة، ولكن بعد مُدّة من الزمن وصل الجيش الإسرائيليّ إلى هناك أيضاً. خيمتنا تهدّمت واضطررنا إلى الفرار مجدّداً.
بقينا داخل منطقة مواصي خان يونس ولكن انتقلنا غرباً وحطّ بنا الرّحال على شاطئ البحر. الظروف هنا صعبة بشكل خاصّ. النزوح المتكرّر كان دوّامة صعبة ومؤلمة للغاية، وفي كلّ مرّة كنّا نفقد جزءاً من متاعنا القليل، إلى أن بقينا بلا شيء تقريباً. لم تبق لدينا خيمة صالحة ولا لوازم أساسيّة.
في 28.11.24، أنجبت رنا طفلتنا عائشة في المستشفى البريطاني في منطقة مواصي خان يونس، وكلانا كنّا سعيدين بها غاية السّعادة لأنّها جاءت بعد أربعة أبناء. تمّ فحص عائشة فور ولادتها وتلقّت التطعيمات اللّازمة.
لقد شاء القدر أن تولد عائشة في الشتاء وأن تعيش في خيمة من القماش وبعض النايلون. البرد هنا في الخيمة قارس، ولا يوجد لدينا ما يكفي من ملابس دافئة وبطّانيّات. حاولت أن أحصل على شوادر من منظمات الإغاثة ولكن لم أتمكّن من ذلك. في المكان الذي نزحنا إليه سابقاً كانت خيمتنا من الشادر لكنّها احترقت جرّاء قصف قريب منّا، والآن لا يوجد معنا مال لشراء خيمة جديدة أو لوازم أخرى، وكلّ شيء باهظ الثمن أصلاً. وضعنا الاقتصاديّ صعب جدّاً ولا يسمح بشراء خيمة ذات نوعيّة جيّدة كالسّابقة. خيمتي الحاليّة من القماش والأغطية وقليل من النايلون. في مخيّم النازحين الذي نمكث فيه الآن يوجد ما يُقارب 50 عائلة، وجميعنا نعيش في ظروف صعبة. لا توجد أيّة مؤسّسات إغاثة.
في يوم الجُمعة الموافق 20.12.24 كان الجوّ ماطراً جدّاً وبارداً جدّاً، والرّياح كانت شديدة. في اللّيل ملأ الماء الخيمة. أنا ورنا احتضنّا أطفالنا. بقيت ساهراً طوال اللّيل لأضمن أن لا تغرق الخيمة، وفي السّاعة 4:00 فجراً غفوت. قبل أن أغفو كانت رنا تُرضع عائشة وتتفقّدها. كانت عائشة بخير، وغفت معنا.
حين استيقظنا، في السّادسة صباحاً، حملتُ عائشة فوجدتُها أشبه بكتلة ثلج - جسمها بارد ومتصلّب ولونه أزرق وعيناها مفتوحتان. كنت أحمل عائشة والصّدمة تلفّني، ولم تكن تتنفّس! ركضت بها مسافة 500 متر إلى مركز الإسعاف الأوّلي التابع للهلال الأحمر. هناك حاولوا إنعاشها ولكن دون فائدة. بعد ذلك أخذونا في سيّارة إسعاف إلى مستشفى ناصر في خان يونس، وهناك أيضاً حاولوا إنعاش عائشة مرّة أخرى ولم ينجحوا. قالوا إنّ دورتها الدمويّة وقلبها قد تضرّرا بفعل البرد. من ثمّ أخذنا عائشة ودفنّاها فوراً.
أنا ورنا كنّا في حالة انهيار. وفاة عائشة، الابنة الوحيدة من بين أطفالنا الخمسة، نزلت علينا كالصّاعقة. رنا الآن كسيرة القلب، عاجزة عن تجاوُز الصّدمة وتعاني من ارتفاع ضغط الدّم. لقد حلمت وتمنّت زمناً طويلاً أن تكون لها طفلة. أحاول أن أواسيها ولكن دون فائدة. رتّبت وكالة الغوث جلسات دعم نفسيّ لها، لكنّها لا تتوقّف عن البُكاء.
هذه الخيمة لا توفّر لنا أيّة حماية، وأنا الآن قلق على سلامة أولادي الذين بقوا لنا. نحن نقتات من الطرود الغذائيّة، ونتناول فقط الطعام المعلّب والعدس. هذا لا يكفي، وأخشى أن أفقد ولداً آخر جرّاء البرد والجوع. يوم أمس أيضاً كان ماطراً جدّاً وقد غرقت خيمتنا. أنا عاجز عن الإتيان بحُلول. لقد ثكلت طفلتي، ولا أريد أن أفقد أيّاً من أبنائي بعد. قلبي مكسور لفقدان عائشة لكنّه قضاء الله وقدَرُه.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 31.12.24