Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

هُويدا الدّريملي، عاملة اجتماعية

هُويدا الدّريملي، عاملة اجتماعية

( 26 شباط 2026 )

(50عاماً)، أرملة وأمّ لخمسة، من سكّان مدينة غزّة، تعمل في منظمة تساعد النساء والفتيات المُهجَّرات، تحدّثت عن مشقّات النزوح، عن إصابة ابنها وعن صراع البقاء اليوميّ الذي تخوضه النساء في قطاع غزّة:

هُويدا الدّريملي. صور قدمتها الشاهدة مشكورة

أنا أرملة منذ أن استُشهد زوجي أسامة عطالله في حرب العام 2009، وكان عُمره آنذاك 40 عاماً. أنا أمّ لخمسة أولاد، ثلاثة أبناء وابنتين: نعيم (32 عاماً - متزوّج وأب لطفل)، عبد الله (30 عاما – خاطب)، مؤمن (23 عاماً)، فاطمة (22 عاماً - أمّ لطفلتين) وإيمان (17 عاماً) التي وُلدت بعد استشهاد والدها بيومين. في حرب العام 2021 فقدتُ أيضاً والدي، منصور الدّريملي، وكان في الـ66 من عُمره.

حتى اندلاع الحرب كنّا نقيم في مدينة غزّة. أنا عاملة اجتماعيّة مُوظّفة منذ عشر سنوات في "جمعيّة الثقافة والفكر الحُرّ" ، ومنذ بدء الحرب أصبحت مسؤولة عن مرافقة المهجرين، وخاصّة النساء والفتيات.

في الأسبوع الأوّل من الحرب اقتُلعنا من منزلنا ونزحنا نحو الجنوب. رغم النزوح واصلت القيام بمهامّ عملي وأدرت مخيّمًا للمهجرين يؤوي 250 أسرة من مدينة غزّة، ممّن نزحوا إلى الجنوب ولا أقارب لهم في المنطقة. كنت مسؤولة عن توفير الطعام والماء وتلبية احتياجاتهم النفسيّة والصحّية، علماً أنّنا باشرنا العمل دون أيّ تمويل، لأنّ الصناديق المموّلة قامت بتجميد الميزانيّات.

عندما اقترب الجيش من مخيّم المهجرين وأمرنا بإخلاء المكان، بادرت مع فريق العمل إلى إقامة مخيّم بديل باستخدام أوتاد خشبيّة وشوادر ثمّ ساعدنا المهجرين على الوُصول إليه بأمان. بعد ذلك اقتُلعت ثماني مرّات ونزحت من مكان إلى المكان. تم قصف المنازل التي لجأنا إليها ففقدنا جميع متاعنا، حتى الملابس والأدوية. أقمنا في خيمة طوال عام ونصف العام، ثمّ عدنا إلى منزلنا وكان قد تضرّر جزئيّاً.

عندما استؤنفت الحرب وتقدّمت قوّات الجيش الإسرائيليّ حتى وصلت إلى مدخل منزلنا، اضطررنا إلى مُغادرته مرّة أخرى ونزحنا إلى الجنوب. بعد أن باءت بالفشل جميع محاولات إيجاد وسيلة نقل، غادرنا في شاحنة. في الطريق كان قصف بالقرب منا تماماً، ومن شدّة القصف سقط ابني عبد الله من الشاحنة، من ارتفاع كبير وكُسرت جُمجمته ومرفقاه وفقد وعيه.

عُدنا إلى مدينة غزّة، إلى مستشفى الشفاء، لكنّنا لم نعثر على طبيب عظام أو طبيب أعصاب. غادرنا المستشفى في سيّارة إسعاف متّجهين إلى المستشفى المعمدانيّ حيث تلقّى عبد الله العلاج لمدّة ثلاثة أيّام. كان هناك طبيب عظام، ولكن لم يكن طبيب أعصاب. رتّبت مع جهات أجرت تنسيقاً مع الجيش لكي نستطيع نقل عبد الله ليستكمل العلاج في مستشفى ناصر في خان يونس. وصلنا إلى خان يونس، وفقط بعد إعلان وقف إطلاق النار تمكّنا من العودة إلى غزّة ومُواصلة العلاج.

طوال تلك الفترة كنت أمارس عملي في تيسير الخدمات للمجتمع وللمهجرين، قدْر استطاعتي، ثمّ أعود إلى خيمتنا وأواصل حياة النزوح والمُعاناة.

من تجربتي في الميدان، الطلبات التي وصلتنا، ورشات العمل والّلقاءات مع النساء ومُعطيات منظمات حقوق الإنسان - يتّضح أنّه إضافة إلى النساء اللّواتي استُشهدن أو أصبن، هناك مئات آلاف النساء اللّواتي تضرّرن من الحرب بطرق مختلفة: اقتُلعن وهُجِّرن مراراً وتكراراً، فقدنَ منازلهن، فقدنَ مصادر الدّخل أو المُعيل، إضافة إلى فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار. نساء كثيرات لا يستطعن الحصول على خدمات أساسيّة كالصحّة والإغاثة الإنسانيّة والماء والكهرباء، ممّا يعمّق أثر الضرر الذي تعرّضن له.

أدى النزوح القسريّ والمستمرّ إلى تزايُد حالات العُنف الأسريّ والمجتمعيّ. فقدت النساء خصوصيّتهنّ فأصبحن معرّضات للأذى بشكل دائم، كما سُجّل ارتفاع في حالات العُنف الجنسيّ والاستغلال الجنسيّ، وأحياناً من قبَل مقدّمي الخدمات أيضاً، في واقع العمل دون إشراف ومُراقبة وغياب تامّ لسُلطة القانون.

خلال سنوات الحروب ساءت تغذية النساء كثيراً، وخاصّة النساء الحوامل. نحن نشهد ارتفاعاً في عدد حالات الإجهاض لأسباب عدّة، ومنها سوء التغذية والتوتر النفسيّ الدّائم. كما أدت الضائقة الاقتصاديّة والوضع الأمنيّ ق إلى تزايُد حالات الزواج المبكر والإجباريّ وارتفاع معدّلات الطلاق. نساء كثيرات يجدن صُعوبة في تحصيل حقوقهنّ المكفولة في القانون في مجالات النفقة والوصاية والميراث، لعدم وجود منظومة قانون فاعلة وتعمل بشكل منتظم.

طبقًا لمُعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة، استناداً إلى عدد الرّجال المتزوّجين الذين قُتلوا أو يُعتبَرون "مفقودين"، فإنّ عدد النساء الأرامل وزوجات الرّجال المفقودين قد بلغ نحو 19,103. وضع زوجات الرّجال المفقودين صعب لعدم استحقاقهنّ المعونات والمخصّصات التي تتلقّاها النساء الأرامل. في المقابل، الكثير من الخدمات الطبّية ليست متوفّرة بسبب تدمير المستشفيات والعيادات الصحّية.

نحن نحاول ملء هذا الفراغ، بالتعاون مع منظّمات مجتمع مدنيّ ومنظمات حقوق إنسان أخرى، حيث أنشأنا مراكز خدمات طبية ومستشفيات ميدانيّة، نظمنا مجموعات دعم نفسيّ - اجتماعيّ، قدّمنا خدمات متعدّدة التخصّصات وخدمات استشارة قانونية، كما ساعدنا في استصدار وثائق رسميّة، كشهادات الوفاة، ووزّعنا طرودًا غذائيّة وحقائب مستلزمات شخصية للنساء أسميناها "حقيبة الكرامة". كلّ حقيبة كهذه تشمل ملابس صلاة، شالات، شامبو وصابونًا، فوطًا صحّية، ملابس داخليّة، فرشاة شعر، معجون أسنان وكريمًا مرطّبًا. كما وزّعنا أيضًا حقائب صحّية في مجال الخصوبة تحتوي على فيتامينات ومكمّلات غذائيّة ووفّرنا الإرشاد والإعداد النفسيّ قبل الولادة وخلال فترة الرّضاعة، إضافة إلى فحوصات دوريّة أثناء فترة الحمل والرّعاية الصحّية بعد الولادة.

ويدخل في إطار عملنا أيضاً توفير الدّعم النفسي، الطبّي، القضائيّ والإنسانيّ لشريحة النساء اللّواتي تعرّضن لأقسى أنواع الأذى، بما في ذلك الاستغلال الجنسي، الاغتصاب والتحرّش. عملنا أيضاً مع الأطفال حيث أنشأنا من أجلهم أماكن آمنة، ونقدّم لهُم المُساعدة في المجال التعليميّ، إضافة إلى الدّعم الطبّي بالتعاون مع منظمة "أطبّاء بلا حُدود" ومنظّمات أخرى.

أقوم بزيارة مخيّمات نزوح مخصّصة للأرامل، حيث قدّمنا لهُنّ مُساعدات ماليّة ونظمنا برنامجاً أسميناه "المال مُقابل العمل". واجهت هُناك حالات صعبة جدّاً. التقيت نساءً فقدن أزواجهنّ وأجبرن على الزواج من أخ الزوج. قالت لي إحدى الأرامل، اللواتي عملت معهن، إنّ والدها كان يُريد تزويجها مرّة أخرى بعد أن قُتل زوجها، مع أنّ هذا يعني أنّ عائلة زوجها المرحوم قد تأخذ منها أولادها، كما هي العادة لدى البعض. وقفنا إلى جانبها لكي تبقى مع أولادها، ووفرنا لها مكاناً في المخيّم، كما قدّمنا لها الدّعم.

عالجتُ أيضاً نحو عشر حالات اعتداء جنسيّ كان المعتدون فيها، وفقاً لأقوال الضحايا، عاملين في هيئات رسميّة. من بين الضحايا طفلات في سنّ السادسة والثامنة تعرّضن لاعتداء جنسيّ. وفّرنا لهنّ مكاناً آمناً وقدّمنا الدّعم النفسيّ والطبّي والإنسانيّ. واجهنا أيضاً حالات استغلال جنسيّ من قبَل مقدّمي الخدمات، حيث كان من بينهم مَن طلب إقامة علاقة جنسيّة مُقابل بطاقات مؤن أو طُرود غذائيّة. نظمتُ ورشات عمل ودورات تأهيل لرفع مستوى الوعي في هذا الموضوع وأرشدنا النساء إلى كيفيّة التوجّه للجهات المعنيّة. وقمنا كذلك بزيارات ميدانيّة أطلعنا خلالها النساء على حقوقهنّ وعلى إمكانيّات المُساعدة.

الحياة في مخيّمات المهجرين بائسة للغاية: الخُصوصيّة مفقودة والنساء معرّضات باستمرار لنظرات الرّجال الغرباء ممّا يضطرّهنّ إلى البقاء بالجلباب والحجاب؛ وهُناك مُعاناة الانتظار الطويل في طوابير المياه، انتشار الأمراض الجلديّة، الاعتماد على التكيّات، عربدة الزعران والاستغلال. وهناك ظاهرة أخرى لاحظتها: معظم مسؤوليّات الأسرة تُلقى على عاتق النساء. هناك رجال فقدوا عملهم ويعتمدون تماماً على زوجاتهم، رجال يفرضون مطالب جنسيّة دون مُراعاة لرغبة الزوجة أو حالتها النفسيّة ولا حتى ظروف المكان. العودة إلى الحياة ضمن إطار العائلة الموسّعة، دون أيّ فصل، تُثقل على النساء هي أيضاً، إذ يُطلب منهنّ خدمة جميع أفراد العائلة. في المقابل سُجّل ارتفاع في حالات العُنف الجسديّ والتحرّش داخل المكان الذي تقيم فيه العائلة.

خلال فترة الحرب ارتفع أيضًا عدد الوفيات الناجمة عن نقص العلاج الطبّي، وعلى وجه الخُصوص بين مرضى السّرطان الذين لم يتلقّوا أي علاج أو لم يُسمح لهُم بمُغادرة القطاع لتلقّي العلاج. توفي 338 على الأقل من مرضى السّرطان أثناء انتظار العلاج في القطاع أو السّفر- معظمهم من النساء. وهُناك حالات وفاة مواليد جرّاء ولادة مبكرة نتيجة سوء التغذية والخوف الدّائم.

نحن نواجه في عملنا تحدّيات هائلة: لا توجد أماكن آمنة لتقديم الخدمات، المعابر مُغلقة، الفجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات والموارد المتوفّرة، المرافق الصحّية إمّا مُغلقة أو تتعرّض للقصف، هناك نقص في المعدّات الطبّية والأدوية، الطرق مدمّرة ولا تتوفر مُواصلات منتظمة. الموارد شحيحة للغاية. إضافة إلى ذلك، يخشى العديد من الضحايا الكشف عمّا تعرضن له أو تقديم شكوى رسميّة. منظومة القضاء لا تعمل ومحطّات الشرطة أيضاً لا تعمل.

هذا هو الواقع الذي أعيش وأعمل فيه منذ أن اندلعت الحرب - واقع النزوح الدّائم، الفقد، العُنف والصراع اليوميّ من أجل البقاء تخوضه النساء في قطاع غزة.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 26.2.26

 

للمزيد: التشبّث بحياةٍ ليست حياة: نساء فلسطينيّات تحت وطأة الإبادة الجماعيّة في قطاع غزة، 8 آذار 2026