40 عامًا، أب لأربعة، من سكّان مخيّم جباليا للاجئين، تحدّث عن قصف المبنى الذي فقَدَ فيه إحدى زوجاته وثلاثة من أطفاله الأربعة، وعن المجاعة في شمال القطاع
أنا مسعف وأعمل منذ 8.10.23 دون توقّف وتحت ضغط هائل. كنتُ أعود إلى المنزل لبضع دقائق فقط لرؤية أطفالي: علا (14 عامًا)، يوسف (12 عامًا)، محمّد (4 أعوام) ورسيل، ابنة السبعة أشهر، وزوجتيّ إسلام وشيماء، وأحيانًا كنتُ أجلب الطعام معي. كنتُ أبقى فقط لأرى أنّ الجميع بخير ولأستريح، ثمّ أعود إلى العمل فورًا.
عملي كمسعف خطِر جدًّا. في 7.11.23 أطلق الجيش الإسرائيليّ صاروخًا وأصاب سيّارة الإسعاف الخاصّة بي حينما كنتُ جالسًا فيها مع بعض أفراد الطاقم الآخرين. كانت الإصابة طفيفة إلى حدٍّ ما، لكنّ منطقة مستشفى كمال عدوان بأكملها تعرّضت للهجوم بطائرات ودبّابات الجيش الإسرائيليّ. كان هناك دمار على نطاق هائل وأغلِقتْ جميع شوارع المنطقة من جرّاء ركام المباني التي قُصِفت هناك.
في 7.12.23 عندما كنتُ في الورديّة أُبلغوني بأنّ مبنى العائلة تضرّر من جرّاء إطلاق النار وبأنّ بعض أفراد عائلتي الذين كانوا في المنزل قد أصيبوا. وصلتُ إلى هناك سريعًا رغم استمرار إطلاق النار في المنطقة، وكان ذلك خطرًا للغاية. رأيتُ أنّ ثلاثة طوابق من مبنى العائلة قد تضرّرت، لكنّ الأضرار كانت طفيفة. تمكّنتُ من إنقاذ كلّ الذين كانوا بحاجة إلى رعاية طبّيّة ونقلتُهم إلى مستشفى كمال عدوان بخمس عربات تجرّها حمير.
في ذلك اليوم قُتِل أخي صخر حينما كان في مخيّم جباليا، لكنّني لم أعلم بالأمر إلّا في اليوم التالي. ذهبتُ إلى هناك لتسلّم جثمانه وحملتُه على كتفَيّ إلى مجمّع مستشفى كمال عدوان ودفنتُه هناك. كنتُ في حالة مريعة، لكن كنتُ مجبرًا على العودة إلى العمل فور ذلك مباشرة.
عندما خرج أفراد عائلتي من المستشفى عادوا إلى المنزل، لأنّ الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت طفيفة. لكن في 12.12.23 تعرّض المبنى للقصف مرّة أخرى. هذه المرّة فقدتُ 28 فردًا من عائلتي، بمَن فيهم زوجتي الأولى إسلام وثلاثة من أطفالي الأربعة. كما أصيب 26 شخصًا آخر من أفراد عائلتي، بعضهم بجروح خطيرة وبعضهم الآخر بجروح متوسّطة وخفيفة. حاولتُ انتشال جثث من تحت الأنقاض. كان ذلك مريعًا. عثرتُ على جثّة ابني محمّد، ابن الأربع سنوات، وكذلك على جثّة ابن أخي، الذي كان طفلًا أيضًا، لكنّ إطلاق النار استمرّ هناك ولم أتمكّن من انتشالهما. كان عليّ أن أهرب من هناك.
لم أعد إلى هناك إلّا بعد بضعة أيّام، في 17.12.23، مع بعض الزملاء في العمل. أزحنا بأيدينا حطام المبنى الذي كان على جثث أفراد عائلتي. نفّذنا كلّ العمل يدويًّا وبمساعدة بعض المعدّات الخفيفة. في النهاية تمكّنا من انتشال جثث محمّد وزوجتي إسلام وأبي وشقيقتَيَّ وعمّتي. فعلتُ ذلك بأعصاب مُخدَّرة. فلم يعدْ لديّ أيّ مشاعر، ومكَّنني ذلك من انتشالهم جميعًا. بعد ذلك دفنتُهم الواحدَ بجانب الآخر في مقبرة الفالوجة في مخيّم جباليا.
في 20.12.23 اقتحم الجيش منطقة مستشفى كمال عدوان وأخرج جميع النساء والأطفال والشيوخ، واقتادهم الجنود على الأقدام مسافة كيلومترين اثنين تقريبًا. أمّا أنا فقد اعتقلوني مع بعض أشخاص آخرين واحتجزونا لمدّة 12 ساعة مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين. تمنّيتُ أن أموت.
لا يزال انتشال الجثث من المبنى مستمرًّا. بعد 25 يومًا من القصف أخرجتُ من هناك أيضًا جثّتَي ابنتي رسيل، ابنة السبعة أشهر، وابنة أخي، التي كانت هي أيضًا محض طفلة صغيرة. عثرتُ على جثّتها بدون الرأس. لم أتمكّن من انتشال جثث بقيّة أفراد عائلتي إلّا بعد شهر من القصف.
في بداية شباط تمكّنتُ من نقل أمّي وزوجتي شيماء وابنتي علا (14 عامًا) التي نجت من الهجوم ولكنّها أصيبت في رأسها ورِجلها، إلى مستشفى الهلال الأحمر في خان يونس. بعد ذلك بأسبوع، في 9.2.24، اقتحم الجيش الإسرائيليّ المكان واعتقل زوجتي. بقيت أمّي وابنتي في المستشفى، وهما ترقدان للعلاج هناك حتّى اليوم. سمعتُ أنّ الجيش يحاصر المستشفى وأنّ الجنود يُداهمون غرفًا فيه، وأنّهم كما يبدو اقتحموا غرفتيهما أيضًا. حاليًّا أنا غير قادر على التواصل معهما لعدم وجود اتّصالات. بالنسبة إلى زوجتي، فأنا لا أعلم أين يحتجزونها. لم أسمع منها أيّ شيء منذ اعتقالها.
أحاول حاليًّا أن أعتني بأبناء أخي الذين أصبحوا يتامى. نحن نعيش في مجاعة حقيقيّة هنا في شمال القطاع، فمنذ أسبوع لم يعد لدينا طعام هنا باستثناء بعض الحلويات. الإمدادات الوحيدة تأتي في شاحنات من الجنوب.
أذهب سيرًا على الأقدام أكثر من 5 كيلومترات من مخيّم جباليا إلى دوّار النابلسي لأحضر من هناك كيسًا من الطحين وحصصًا من الغذاء الذي يتمّ توزيعه، لكنّ ذلك غير كافٍ. الأطفال منهكون طوال الوقت من شدّة الجوع ويعانون من الدُّوَار. حتّى الوجبات التي تُلقى لنا من الجوّ لا تكفي لإشباع طفل صغير. الجوع يقتلنا ولا يُخطِئ أيّ بيت. لقد رأيتُ بالفعل أشخاصًا تحوّلوا إلى هيكل عظميّ وأطفالًا ماتوا من الجوع. ما يظهر في وسائل الإعلام ليس سوى مقطع صغير من المأساة التي تحدث هنا.
أصبح الوضع خطيرًا حقًّا هنا. منذ فترة، وبعد أن قمتُ بأخذ كيس من الطحين من شاحنات الإغاثة في دوّار الكويت شرقيّ مدينة غزّة، اقترب منّي فجأةً شخص ما وبيده سكين. فما كان منّي إلّا أن رميتُ الكيس وهربتُ من هناك.
لكنّني لن أنسى طوال حياتي ما حدث في 29.2.24 في دوّار النابلسي. ذهبتُ إلى هناك شأني شأن آلاف الأشخاص الآخرين لأخذ أكياس من الطحين، وعندما اقترب الناس من الشاحنات أطلِقت عليهم نيران كثيفة. أصيب الكثير من الأشخاص من جرّاء إطلاق النار وسقط قتلى أيضًا. كان ذلك مشهدًا مريعًا ومروّعًا. اختلط الدم بالطحين، وأصبحت عبارة "خبز مغمس بالدم" حقيقة واقعة.
ذهب الناس إلى هناك فقط لإحضار الطعام لعائلاتهم. عاد بعضهم مصابين والبعض الآخر لم يعدْ على الإطلاق. كلّ ما أريده هو أن ينقذونا من الجوع الذي يقتلنا جميعًا في شمال القطاع. على الأقلّ أن يقوموا بإنقاذ الأطفال الذين يتضوّرون جوعًا هنا منذ فترة طويلة جدًّا.
تمّ إطلاق سراح شيماء أبو فول من الاعتقال في 4.4.24 وأعيدت إلى قطاع غزّة.
*سجّلت الإفادة، هاتفيًّا، باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، في 1.3.24.