37 عاماً، مطلق وأب لطفلين، من سكّان مدينة غزّة، طبيب في المستشفى الإندونيسيّ. أدلى بإفادته في 15.11.23 محدّثاً كيف فقد طفله البالغ من العمر 9 سنوات واضطرّ إلى الفرار مع أسرته:
أعمل طبيباً عموميّاً في المستشفى الإندونيسيّ في شمال قطاع غزّة. أنا مطلّق، وإلى حين اندلاع الحرب كنت أقيم في شارع الثلاثيني في حيّ الصبرة مدينة غزّة مع طفليّ: الكبير فضل (9 سنوات) وقد استُشهد في الأسبوع الأوّل من الحرب، والصغيرة جوري البالغة من العمر 6 سنوات. في البناية التي أقمت فيها كان يقيم أيضاً والداي وأقارب آخرون.
في الأسبوع الأوّل من الحرب أقمت فعليّاً في قسم الطوارئ في المستشفى فيما كانت والدتي رحاب هاشم (62 عاماً) تعتني بطفليّ. طوال ثمانية أيّام لم أرهُما سوى ثلاث مرّات بسبب الضغط الجنونيّ في العمل وتدفّق الجرحى والشهداء إلى المستشفى بلا توقّف.
في يوم الأحد، 15.10.23، كنت أبيت في منزلي وفي الصّباح جاءت سيّارة إسعاف لتقلّني إلى المستشفى، لأنّ الوصول إلى هناك بوسيلة أخرى كان محفوفاً بالأخطار. قبل أن أخرج من المنزل دخلت إلى غرفة طفليّ، وكانا لا يزالان نائمين، ونظرت إليهما دون أن أوقظهما. كانت هذه المرّة الأخيرة التي أرى فيها ابني وهو حيّ. الوصول إلى المستشفى يستغرق عادة عشرين دقيقة، لكنّنا في ذلك اليوم خرجنا من المنزل عند السّاعة 7:00 صباحاً ووصلنا عند السّاعة 9:00 بسبب الطرق المهدّمة جرّاء القصف الإسرائيليّ.
كان الوضع في المستشفى قاسياً للغاية: عشرات الأطبّاء والعاملين الآخرين كانوا قد فرّوا من القصف جنوباً ونشأ عن ذلك نقص حادّ في الأطبّاء. جميعنا كنّا نعمل دواماً مضاعفاً. في ذلك اليوم انقطع "الإنترنت" عندنا وفقدت الاتّصال مع عائلتي أو أيّ شخص آخر خارج المستشفى.
في مساء اليوم نفسه، عند السّاعة 20:00، جاء إليّ مدير المستشفى وأخبرني أنّ بنايتنا قد قُصفت وأصيب أشخاص من عائلتي فانتابني البكاء. من ثمّ تمّ تدبير سيّارة إسعاف أوصلتني إلى مستشفى الشفاء، حيث تمّ إخلاء الجرحى إلى هناك.
وصلت إلى مستشفى الشفاء خلال نصف ساعة والتقيت اثنين من أبناء عمّي - محمد الدّاعور (38 عاماً) ورائد الدّاعور (34 عاماً). هُما من أبلغني الخبر الأليم عن استشهاد ابني فضل. انتابني البكاء مجدّداً، ثمّ رأيت أخي إبراهيم (26 عاماً) وهو يعمل طبيباً في مستشفى الشفاء. كان مصدوماً، وعندما رأيته أجهشت بالبكاء. توجّهنا إلى معهد التشريح وهناك وجدت جثمان فضل. كانت إصابته في الصّدر. وقفت أمامه متجمّداً. في ذلك اليوم لم أتمكّن من مغادرة نطاق "الشفاء" فقد كان قصف كثير. كان الوضع خطيراً جدّاً والمواصلات معدومة.
في اليوم التالي، 16.10.32، قمنا بدفن فضل أنا وإخوتي. لم أستطع النظر إليه بتاتاً. في قصف البناية قُتل أيضاً ابن خالتي وهو طفل رضيع يدعى أحمد شادي الحداد (8 شهور) وقد دفنّاه في اليوم نفسه. بعد أن دفنّا فضل لم أقدر على مغادرة المقبرة. أردت أن أبقى عنده. كانت تلك لحظات صعبة للغاية.
من هناك توجّهت إلى منزل أخي أحمد (29 عاماً) في حيّ الصبرة. كان هناك والدي ووالدتي وجميع إخوتي، وقد أخبروني أنّه لم يسبق قصف بنايتنا أيّ تحذير أو إنذار. البناية مؤلّفة من خمس طوابق وقد أصاب الصّاروخ الطابقين الأوّل والثاني. في تلك اللّحظات كان فضل في شقّة والديّ في الطابق الأوّل، وكانت والدتي في شقّة أخرى مع أبناء عمّي الذين فرّوا من منزلهم والتجأوا إلى بنايتنا. أحمد الصّغير كان مع والدته في الطابق الثاني.
أقمنا مدّة أسبوعين في شقّة أخي أحمد. لكنّ دويّ الانفجارات وهدير الطائرات الحربيّة لم يتوقّف والمخابز تهدّمت ولم يعد بالإمكان شراء الخبز. في نهاية الأمر قرّرنا السّفر إلى خان يونس.
خرجنا من المنزل في يوم السّبت، 11.11.23، نحو السّاعة 9:00 - والداي وعمّتي شادية (68 عاماً) وابنتها لُجَين (27 عاماً)، أخي أحمد وزوجته، أخي محمد وزوجته وولداهُما الصّغيران، وأنا وجوري. خالتي، والدة الصّغير أحمد الذي استُشهد، رفضت أن تغادر.
وصلنا إلى شارع صلاح الدين، الذي يؤدّي إلى الجنوب. كان الشارع يعجّ بالسيّارات والمُشاة الذاهبين في الاتّجاه نفسه. بعد سفر قصير منعنا الجيش الإسرائيليّ متابعة السّفر في السيّارات فتركنا السيّارة وانتقلنا إلى عربة يجرّها حمار. ولكن بعد أن قطعنا نحو 500 متر واجهتنا دبّابة قرب حاجز نصبه الجيش الإسرائيليّ حيث كانت مستوطنة "نتسريم". أمرنا الجنود أن نترجّل من العربة ونواصل سيراً على الأقدام. في الطريق اجتزنا الدبّابة الأولى ثمّ أربع دبّابات أخرى، وكان يفصل بين الدبّابة والأخرى نحو مائة متر. كان الجنود الإسرائيليّون "يُشرفون" علينا عبر مكبّرات الصوت والمناظير. أمرونا أن نغلق الهواتف الخليوية وألّا نستعملها خلال الطريق، أن نسير بسُرعة مع رفع يدنا اليمنى إلى أعلى وأن لا نتوقّف ولا ننظر يميناً أو يساراً.
في الطريق سمعت جنوداً يقولون لشابّين اثنين أن يُلقيا بهاتفيهما ويستلقيا على الأرض. واصلنا السير ولم أعرف ماذا حلّ بالشابين لاحقاً. مشينا نحو سبعة كيلومترات حتى وصلنا إلى مخيّم البريج للّاجئين ومن هناك أقلّتنا سيّارة تابعة لمحطة بثّ فضائيّة يعمل فيها أخي أحمد، وهو صحفيّ. أوصلونا إلى ملجأ طارئ من مرافق وكالة "أونروا" في خان يونس. وصلنا عند السّاعة 15:00 تقريباً. في الأوضاع العاديّة يستغرق السّفر من بيتنا إلى خان يونس نصف ساعة.
دخلنا إلى خيمة أخي سامي (38 عاماً) وكان قد وصل مع أسرته قبل أسبوعين تقريباً. بعد ذلك أوصلت ابنتي جوري إلى منزل طليقتي، إذ هي تقيم في خان يونس. عمّتي وابنتها ذهبتا إلى منزل أصدقاء في خان يونس، وبقيت مع أبي في خيمة سامي فأصبح عددنا في الخيمة ثمانية أشخاص.
كان الوضع في ملجأ وكالة الغوث صعباً جدّاً. لم توفّر الوكالة أيّة مساعدة تقريباً للناس هنا، حتى أنّها لم تجلب لهُم فرشات. الجميع بنوا خيامهم من الخشب والقماش وما وجدوه من موادّ أخرى. الحياة هنا صعبة للغاية. لأجل الدّخول إلى المرحاض يجب الوقوف في الطابور لمدّة ساعتين، وعند توزيع مياه الشرب أو الاغتسال يجب أيضاً الوقوف في طوابير ممتدّة. أحياناً يجب الوقوف في الطابور يوماً بأكمله لأجل الحصول على كيس خُبز، هذا إذا حدث أن وزّعوا الخُبز. لا توجد عناية طبّية والأمراض تنتشر. المكان مُناسب لاستيعاب نحو 10,000 شخص لكنّ عدد الناس هنا أكثر من 40,000 وقد يصل المزيد. الخيام متلاصقة ولا توجد أيّة ذرّة خُصوصيّة. هذا كلّه إضافة إلى القصف اليوميّ والرّعب الذي يشعره الناس هُنا.
أنا شخصيّاً فقدت القدرة على الإحساس أو التعبير عن المشاعر. دُموعي تجمّدت في مآقيها. أُمضي الوقت صامتاً أفكّر بطفلي وماذا فعل لكي يستحقّ الموت بعد عيد ميلاده بأسبوع، والذي كان في 7.10.23. الجيش الإسرائيليّ لا يفرّق بين مدنيّ ومُقاتل فهو يقصف المدنيّين هنا طوال الوقت. كنت أقوم بواجبي الإنسانيّ كطبيب في المستشفى وظننت أنّ ولديّ سيكونان بأمان مع جدّتهما، ولكن للأسف لا يوجد مكان آمن في قطاع غزّة. حتى ملجأ الطوارئ التابع لوكالة الغوث، حيث نوجد الآن، يمكن أن يتعرّض للقصف.
* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد.