Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

أسماء هندي

أسماء هندي

( 01 نيسان 2024 )

22 عامًا، أمّ لطفل صغير عمره سنة واحدة، من سكّان مدينة غزّة، تروي كيف أصيب والدها في منزلها خلال تبادل لإطلاق النار كما يبدو، ، خلال اجتياح الجيش لمستشفى الشفاء المجاور، وتُوفّي بعدما لم يتسنَّ نقله لتلقّي علاج طبّيّ

أنا وزوجي، محمد مرتجى (28 عامًا)، نسكن مع طفلنا إبراهيم (سنة واحدة) في مدينة غزة قريبًا من مستشفى الشفاء. في بداية الحرب، انتقل والداي،محمود الهندي وسحر طفاش إلى بنايتنا، سوية مع أخي محمّد (20 عامًا) وأختي أميرة (25 عامًا) وابنتها لانا، ابنة السنتين وثلاثة أشهر. كان لدينا متسع من المكان لأنّ والديّ زوجي علقا في الأردنّ. كانا في طريق عودتهما من "العمرة" في السعوديّة، ولم يتمكّنا من العودة إلى غزّة بسبب الحرب.

تتكوّن بنايتنا من ثلاثة طوابق. كان والداي وإخوتي يسكنون في الطابق الثالث ونحن في الطابق الثاني. بسبب اجتياح الجيش الإسرائيلي لمستشفى الشفاء، القريب إلينا، قبل 15 يومًا تقريبًا، كنّا تحت الحصار فعليًا. منذ اليوم الأوّل جاءت إلينا خمس نساء مع خمسة أطفال من بناية محاذية للمستشفى وطلبن مأوى لدينا. استضفناهم في الطابق الأوّل. كان أطفالهنّ أبناء 13، 12، 4، 3، وستّة أشهر.

كان الوضع صعبًا. كانت الطائرات تحلّق في السماء دون توقّف، وكنّا نسمع طوال الوقت أصوات عمليّات القصف التي كانت تشتدّ في الليل. لم نتمكّن من النوم. اجتمعنا كلّنا في الممرّ الذي بين الغرف، لكي نبتعد عن النوافذ. جلسنا على الأرض ودعونا الله أن يخلّصنا وينهي هذا الحصار، وأن ينسحب الجيش من المنطقة.

كان من المستحيل الخروج للتزوّد بالطعام، وكان علينا أن نكتفي بما هو موجود في المنزل. لم يكن لدينا سوى أرزّ وفريكة. كنّا نطبخ نفس الشيء كلّ يوم وننوّع الطعم بالبهارات. أكل كلّ واحد منّا ملعقتين- ثلاث ملاعق وتظاهر بالشبع، لكي يُبقي للآخرين. بذلنا جهدنا للاهتمام بشكل خاص بتوفر ما يكفي للأطفال. شجّعناهم من خلال وعدهم بأشياء لذيذة عندما يصبح من الممكن الخروج، وقلنا لهم إنّه ليس عليهم سوى التحلّي بالصبر إلى أن ينسحب الجيش من المنطقة.

حصل طفلي الصغير على تركيبة حليب فقط. بدلًا من وضع 7 ملاعق صغيرة لكلّ قنّينة وضعتُ له ملعقتين فقط، حتّى لا تنفد الكمّيّة التي لدينا. لم يكن لديّ خيار، ولم يكن لديّ أيّ شيء آخر أقدّمه له. الحمد لله، تركيبة الحليب كانت كافية بهذه الطريقة حتّى انسحب الجيش من المنطقة.

في يوم الخميس الموافق 28.3.24، قرابة الساعة 11:00 صباحًا، كان والدي يستعدّ لتأدية صلاة الظهر في غرفته وكنتُ أنا في الغرفة المجاورة. فجأةً سمعتُ صوت إطلاق نار، خرجتُ من الغرفة بسرعة ورأيتُ والدي ملقى على الأرض أمام الغرفة الأخرى. كانت الأرض مليئة بالدماء. استمرّ إطلاق النار وأصابت الرصاصات باب الغرفة والحائط.

سحبتُ والدي بصعوبة بالغة من رِجليه وأبعدتُه عن نطاق النار. أصيب بثلاث رصاصات، واحدة في الصدر وأخرى في البطن. أمّا الإصابة الثالثة، وهي الأشدّ، فكانت في الخاصرة اليُسرى. انكشفت أمعاؤه. أحضرتُ قطعة قماش نظيفة ووضعتُها على الجرح. طلب منّي أن أتركه، وكأنّه كان يعلم بأنّه سيموت ولا سبيل لإنقاذه.

اتّصلنا بالصليب الأحمر، بالدفاع المدنيّ وبالهلال الأحمر لطلب المساعدة، لكن دون جدوى. في الصليب الأحمر سألونا إن كنّا نوافق على أن يقوم الجيش بإخلائنا وبأخذ والدي للعلاج، ما يعني تهجيرنا إلى رفح. سألتُ والدي، الذي كان لا يزال واعيًا، فوافق. اتّصلتُ بهم مرّة أخرى وقلتُ إنّنا موافقون على الإخلاء، والأمر الأساسيّ هو أن يأخذوا والدي للعلاج.

كانت الساعة قد أصبت الثالثة عصراً. حضرّنا أنفسنا لرحلة التهجير إلى رفح. حزمنا بعض الملابس وبعض الأمور الضروريّة. لكن مرّت ساعات ولم يأتِ أحد. قرابة الساعة 18:00 أبلغونا من الصليب الأحمر بأنّ الجيش الإسرائيليّ لم يوافق على إخلائنا أو على وصول سيّارة إسعاف إلينا. لم يبقَ لنا سوى الدعاء والرجاء بأن ينسحب الجيش من المنطقة، حتّى نتمكّن من إخلاء والدي لتلقّي العلاج.

كان والدي لا يزال يقظًا، تحدّث معنا وطلب منّا أن نعتني ببعضنا البعض - أنا وأخواتي وأخينا الوحيد محمّد. كان يتعرّق بغزارة وأصبح وجهه شاحبًا أكثر فأكثر مع مرور الوقت. نزلتُ أنا وأختي إلى الطابق الأوّل لتنويم الأطفال وبقيتْ أمّي وأخي محمّد مع والدي. في الصباح صعدنا إليهم نحو الساعة 6:00 وأخبرتنا أمّي بأنّ والدي قد توفّي قرابة الساعة 3:00 فجرًا.

كان لديّ أمل في أن ينقذوه. تحدّث حتّى اللحظة الأخيرة قبل أن أتركه. لو كانت سيّارة الإسعاف قد حضرت، فربّما كان من الممكن إنقاذه. لكنّ حالته تدهورت واحتُضِر ساعات طويلة حتّى توفّي.

لم نعرف ماذا نفعل بجثمانه. أرشدنا زوج أختي، وهو طبيب، عبر الهاتف، قائلًا إنّ علينا لفّ الجثّة بالنايلون وتركها في مكان بارد ومظلّل قدر الإمكان.

قمتُ أنا وأمّي وأخي وأختي بتنزيل جثّة والدي إلى الطابق الأوّل. لففناها بملاءات وأكياس نايلون ووضعناها تحت المظلّة في حديقة المنزل، في مكان مظلّل ثمّ انتظرنا انسحاب الجيش من المنطقة.

انسحب الجيش فقط اليوم في الساعة 2:00 فجرًا. في الصباح استدعينا سيّارة إسعاف، فحضرت ونقلت جثّة والدي إلى المستشفى المعمداني. أعدّوا قبرًا لوالدي في ساحة المستشفى الخلفيّة ودفنّاه هناك. كان والدي، محمود محمّد الهندي، مديرًا إداريًّا في هذا المستشفى.

الآن نحن لا نعرف ماذا سيحدث بنا. نريد فقط أن تنتهي الحرب.

* باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي سجلت هذه الإفادة تلفونيًا في 1.4.24.