Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عزيزة قشطة

عزيزة قشطة

( 27 أيار 2025 )

(67 عامًا) من رفح، روت كيف بقيت هي وزوجها الكفيف، إبراهيم (70 عامًا)، في الحي وحدهما وكيف بعد أن قُتل بشظية جرّاء القصف، دفنته وسارت وحدها صوبَ خان يونس

عزيزة قشطة في المواصي. صورة قدمتها هي مشكورة

أنا وزوجي، إبراهيم قشطة (70 عامًا)، الذي كان كفيفًا، كنا نسكن في منزلنا في منطقة خربة العدس في مدينة رفح، في جنوب قطاع غزة. في 7.5.24، بعد أن اقتحم الجيش الإسرائيلي منطقتنا، اضطررنا إلى مغادرة المنزل وانتقلنا إلى منطقة المواصي في خان يونس. في 20.1.25، بعد إعلان وقف إطلاق النار، عدنا إلى منزلنا.

لكن في 20.3.25 عادت قوات الاحتلال واقتحمت مدينة رفح مرة أخرى وفرضت عليها حصارًا مطبقًا. كان هناك قصف وغارات بدون توقف فقرر أبناؤنا المتزوجون، الذين يسكنون بالقرب منا، المغادرة. توسلوا إلينا أن نذهب معهم، لكن زوجي رفض لأنه لم يكن قادرًا على المشي بشكل مستقل وفضّل البقاء في المنزل. قال لي: "لن أغادر المنزل"، فأجبته أنني لن أتركه بعد خمسين عامًا من الحياة المشتركة وسأبقى أنا أيضًا. قلت ذلك رغم خوفي الشديد من القصف ورائحة الموت التي كانت في كل مكان.

بقينا معًا في المنزل لمدة شهرين. تناولنا أغذية معلبة وجافة كانت متوفرة لدينا: بعض الفاصولياء والأرز والعدس والمربى والمعكرونة. كنا نحضر الماء من خزانات المبنى.

كنا نسمع القصف بدون توقف، ليلًا نهارًا، من الشرق والشمال والغرب. كانت الأصوات الأقوى تأتي، على ما يبدو، من البحر أو من الدبابات. كنا نسمع أيضًا أصوات إطلاق نار وطائرات ودبابات في المنطقة ولم نتمكن من الخروج. تم قصف منزل ابننا، المجاور لمنزلنا، ودُمّر بالكامل وسقطت أنقاض المبنى على منزلنا أيضًا. لم نُصب بأذى لكننا استنشقنا الكثير من الغبار والدخان ورائحة المتفجرات. ومع ذلك، أصر إبراهيم على البقاء وبقيت معه. قلت لنفسي: ليكن ما يكون، سنبقى في المنزل ونعيش مع القصف.

في 10.5.25 سمعت دوي انفجار هائل من جهة الباب الحديدي للمبنى. امتلأ المنزل كله بالغبار وعندما انقشع رأيت أن المنزل بأكمله قد دُمّر تمامًا، باستثناء الغرفة التي كنا فيها والمرحاض. وفجأة سمعت زوجي يئن. استدرتُ فرأيته ينزف من رقبته. لقد أصابته شظية.

ركضتُ إليه. كان مُمدّدًا على الأرض. أخبرتُه بأنه مصاب وبدأت بتضميد جرحه. غسلتُ وجهه وطهّرتُ الجرح ووضعت عليه الضمادة.

حملتُ زوجي على ظهري ومشيت. كان جسده مترهلًا بسبب الإصابة وكان ثقيلًا جدًا. لم يكن هناك أي شخص لمساعدتي فاضطررتُ لحمله بمفردي. مشينا قليلًا واسترحتُ ثم أكملتُ. كان ينزف باستمرار. وصلنا إلى منزل عمي الذي يبعد عن منزلنا حوالي خمسين مترًا. وضعته على فرشة وقلت له إني سأُعدّ له شيئًا ليأكله، لكنه لم يكن يريد أن يأكل. أعطيته ملعقة من العسل ثم طلب الماء وطلب أيضًا أن أُبلل رأسه. فجأة لاحظتُ أن يده اليسرى ترتجف بشدة. سألته إن كان يريدني أن أدلكه، لكنني رأيت حينها أنه قد مات. تحققتُ مرة أخرى ولم أكن مخطئة. لقد مات بين يدي.

لم يكن هناك أحد في المنطقة. نظرت حولي ورأيت حفرة صغيرة بجانب شجرة زيتون في حديقة عمي. لم يكن لديّ قماش للكفن. أخذت ستارة من النافذة وكيسًا بلاستيكيًا، لفيته بهما بمفردي ودحرجته ببطء إلى داخل الحفرة. استغرق الأمر مني ساعتين، لوحدي. كان الأمر صعبًا جدًا عليّ، لكن الله منحني القوة. دفنتُه بنفسي ووضعتُ فوقه بعض الصفائح المعدنية ولوحًا من الخشب وأهَلْتُ عليه التراب. قرأتُ عليه بعض الأدعية وبكيت. بكيت بصمت. بألم.

عدتُ إلى منزلي منهكةً للغاية. استحممتُ وخلدتُ إلى النوم. كنتُ منهكةً جدًا لدرجة أنني استطعتُ النوم حتى الصباح. استيقظتُ وحدي، خائفة. كان المنزل خاليًا. بقيتُ هكذا لمدة أسبوعين وحدي في المنزل، بعد وفاة إبراهيم، حتى 24.5.25 حين نفدت المياه والطعام منّي، تمامًا تقريبًا.

في ذلك اليوم نفسه، سمعت صوت إطلاق نار في الخارج. خرجتُ فرأيت أن الصفيح الذي وضعته على قبر زوجي مثقوب بالكامل ورأس زوجي بارز من تحت التراب. تألم قلبي... رفعت رأسه. أعدتُهُ إلى الحفرة، وضعتُ عليه ألواحًا جديدة من الصفيح والخشب ودفنتُهُ من جديد. لم أعد أشعر بالخوف على الإطلاق. لم أفكر بأي شيء سوى الألم والفقدان والمعاناة.

عدتُ إلى المنزل. أعددتُ لنفسي كوبًا من الشاي وأكلتُ شيئًا قليلًا. لم يتبقَّ لي سوى 250 ملليلتر من الماء للشرب. قررتُ مغادرة المنزل مهما كلف الأمر. لم أستطع البقاء هناك وحدي، بدون زوجي وبدون طعام أو شراب. كنت أخشى أن يتعرض المنزل للقصف مرة أخرى ويُقتلوني.

أخذتُ عصا وربطتُ بها قطعة قماش بيضاء ووضعت على ظهري حقيبتين صغيرتين وخرجت. مشيت حتى وصلت إلى نقطة عسكرية وهناك قال لي الجنود من بعيد أن أتوقف وألقوا لي زجاجة ماء. أمروني بفتح الحقائب التي كنت أحمل فيها بعض الملابس والأدوية. ثم أمروني بخلع الحجاب فأجبتهم أنّه لا يجوز لي. لكنهم صرخوا عليّ ولم يكن لديّ خيار آخر. ثم أمروا: "افتحي العباءة". فتحتُها ثم قالوا لي: أغلقيها واتبعينا.

سرتُ خلف سيارة "الجيب" الخاصة بهم لنحو عشر دقائق، ثم أُنهكني التعب ولم أعد أقدر على المشي. أركبَني الجنود في سيارة الجيب وسألني أحدهم، وكان يتحدث العربية، عن أطفالي وزوجي ولماذا لم نخرج في وقت سابق. شرحتُ له ما حدث.

أوقفوا سيارة الجيب وأمروني بالجلوس تحت شجرة، لكنني قلت لهم إنني أريد مواصلة طريقي ولن أبقى هناك. سرتُ، من جديد، خلف سيارة الجيب حتى وصلنا إلى منطقة المراج وهناك تركوني وحدي وغادروا. واصلتُ السير دون أن أدري إلى أين. سرتُ حوالي أربع ساعات دون أن أعرف أين أنا. كان كل شيء من حولي مُدَمَّراً. المنازل والشوارع.

في النهاية، وصلتُ إلى منطقة مسيجة فيها مكاتب وكان هناك جنود أمريكيون يوزعون مساعدات. أشاروا إليّ إلى أين أسير، ثم واصلت المشي باتجاه خان يونس.

في الطريق، قابلتُ أربعة شبان وأعطيتهم اسمي. تمكنوا من الاتصال هاتفياً بأقاربي ثم بأبنائي أيضًا. أتوا إليّ بسيارة وأخذوني إلى خيامهم في منطقة المواصي في خان يونس. أنا هنا معهم الآن وما زلنا، جميعًا، نعاني من نقص الطعام والماء. أنام على الأرض وأضطر إلى الوقوف في طابور الانتظار إلى المرحاض. عمليات القصف مستمرة طوال الوقت وأنا أذوق الموت، مثل جميع المهجّرين. الحياة هنا معاناة خالصة. 
 

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 27.5.25