Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

أحمد أبو جزر

أحمد أبو جزر

( 14 كانون الأول 2025 )

(34 عاماً)، أب لسبعة، من سكّان حيّ الجنينة في مدينة رفح، روى كيف فقد ابنته الرّضيعة رهف (8 أشهر)، التي توفيت في 11.12.25 بسبب البرد الشديد في ليلة عاصفة أثناء وُجود العائلة في مخيّم للمهجّرين في منطقة المواصي، خان يونس:

رهف أبو جزر. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

أريد، بداية، أن أعبّر عن الألم الذي أشعر به منذ فقدت طفلتي الرّضيعة، رهف. يُضاف إلى هذا الألم حزنٌ وخوفٌ من المصير المجهول الذي ينتظرني وزوجتي وبقيّة أبنائنا. لقد اضطررنا إلى النزوح من مكان إلى آخر، والآن أنا قلق عليهم بسبب البرد. لا أعرف من أين أبدأ حكايتي - هل أحكي عمّا مررت به منذ بداية الحرب؟ أم عن مُعاناة النزوح والهروب؟ أم عن فقدان ابنتي؟

أنا وزوجتي هاجر (32 عاماً) كنّا والدين لستّة أولاد: علاء (12 عاماً)، آلاء (11 عاماً)، محمد (9 سنوات)، آمنة (7 سنوات)، ريتال (5 سنوات) وشام (3 سنوات). حتى اندلاع الحرب كنّا نقيم في حيّ الجنينة في رفح. منذ اليوم الأوّل من الحرب، شعرت بأنّها ستكون حرباً قاسية، لن تفرّق بين مدنيّين ومقاتلين ولن ترحم الأطفال والنساء والمُسنّين. لذلك، قرّرت البحث عن ملجأ آمن في مخيّمات المهجرين التي أقيمت في مدارس وكالة غوث اللّاجئين (الأونروا) في رفح. خرجت مع عائلتي من منزلنا في بداية الحرب بسبب القصف الشديد قريباً منّا. لم نأخذ معنا سوى بعض الملابس والأغراض الشخصيّة وعشنا في ظروف بالغة القسوة لأنّ رفح كانت قد استوعبت أكثر من 1,5 مليون مُهجَّر. كان من الصّعب الحصول على طعام ومياه للشرب، ولم يكن هنالك مكان آمن حقّاً.

منذ أن تركنا منزلنا، لم نستطع العودة إليه من أجل التزوّد ببعض الملابس والأغراض، نظراً لقُربه من الحدود مع إسرائيل. لاحقاً، في آذار 2024، علمنا انّ منزلنا قد تعرّض للقصف. كانت حياتنا كمهجرين معاناة مستمرّة، لكنّ الوضع تفاقم أكثر فأكثر عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ رفح في أيّار 2024، وجاء اليوم المشؤوم الذي اضطررنا فيه، أنا وزوجتي والأولاد، إلى النزوح من رفح إلى خان يونس. ودّعت رفح، مدينتي الحبيبة، بقلب يطفح قهراً وألماً. في تلك المرحلة، كنّا قد أصبحنا لا نملك أيّ متاع شخصيّ فغادرنا المدينة لا نحمل معنا شيئاً.

كان يوم النزوح صعباً جدّاً. كلّفنا السّفر مبالغ طائلة، وفي خان يونس لم نتمكّن من العثور على خيمة نسكن فيها. توكّلت على الله وتوجّهنا إلى مواصي خان يونس. بعد ذلك نزحنا إلى مدينة خان يونس، وفي النهاية وصلنا إلى مخيم المهجّرين "القادسيّة"، في مواصي خان يونس، والذي كان شديد الاكتظاظ بشكل هائل، وما زلنا فيه حتى الآن. أقيم هذا المخيّم في منطقة منخفضة وعندما تهطل أمطار غزيرة تجرف السيول الماء والرّمل إلى داخل الخيام.

بعد مرور شهرين على نزوحنا من رفح حملت زوجتي بابنتنا رهف. كانت فترة الحمل صعبة، خاصّة في ظروف الجوع الضاري الذي عانيناه طوال فترة الحرب. لم تحصل زوجتي على التغذية السليمة التي تحتاجها المرأة الحامل، لأنّني لم أتمكّن من توفير الطعام لها، وخاصّة الفواكه واللّحوم وغيرها. لقد حُرمت زوجتي من أبسط حقوقها كامرأة حامل - أن تتناول الغذاء الصحّي، كالبيض والحليب، الذي من شأنه أن يقوّي عظامها ويعوّضها عمّا تفقده من العناصر الغذائيّة التي يتغذّى عليها جنينها. وهكذا حُرمت زوجتي والجنين من التغذية السليمة. كان النقص في الغذاء شديداً لدرجة أنّها وصلت إلى حالة من سوء التغذية خلال فترة الحمل، وبعد الولادة أيضاً.

عندما بدأت آلام المخاض، في 8.4.25 عند منتصف اللّيل، توجهنا إلى المستشفى سيراً على الأقدام لأنّنا لم نجد أيّة وسيلة نقل تقلّنا إلى المستشفى. وُلدت طفلتنا في 9.4.25، ولم تكن تعلم بما تخبّئه لها الأقدار. كانت صغيرة ورقيقة جدّاً، لذلك أسميتها رهف. عندما وُلدت رهف اطمأنّ قلبنا لأنّ الأطبّاء قالوا لنا إنّ صحّتها جيّدة.

بعد أن عُدنا إلى الخيمة بدأ الرّكض المُضني من أجل الحصول على حليب الأطفال الذي كان يُباع بأسعار باهظة. كانت هاجر تعاني من سوء التغذية ولا تستطيع إرضاع الطفلة. أحياناً كنت أحصل عليه كصدقة من فاعلي خير هنا وهناك، لكن في أغلب الأحيان كنت أجد صُعوبة في توفيره ولذلك كانت رهف تعاني من الجوع. كنا، أنا وزوجتي، نخشى أن تُصاب رهف بسوء التغذية لدرجة نضطر فيها إلى إبقائها في المستشفى، أو أن تؤدّي إلى وفاتها لا سمح الله، كما حدث لأطفال كثيرين توفّوا خلال الحرب بسبب الجوع وسوء التغذية.

رغم الجوع والظروف القاسية في الخيمة، غمرنا رهف بالحبّ ودلّلناها كثيراً. عندما كبرت وبدأت مرحلة المناغاة كانت فرحتنا بها لا توصَف.

عندما أعلن وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، أحسست بالرّاحة وفرحت لأنّنا بقينا أحياء ولم أفقد أحداً من أفراد عائلتي. لكنّني كنت قلقاً لأنّ الشتاء كان يقترب ونحن ما زلنا نسكن في خيمة بالية لا توفّر لنا حماية من البرد أو الأمطار. اتّخذت بعض التدابير استعداداً للشتاء. جلبت رمالاً وكوّمتها حول الخيمة لأمنع تسرّب المياه عندما تهطل الأمطار وكنت أعلم أنّ وجودنا في منطقة منخفضة قد يعرّض الخيمة للغرق إذا هطلت أمطار غزيرة. كنت أدعو الله ألّا يحدث ذلك.

لا نملك المال الكافي لشراء خيمة جديدة أو شوادر، ولا حتى ملابس أو بطّانيّات للأولاد. عندما نُشر على شبكات التواصُل الاجتماعيّ عن عاصفة تقترب، حاولت تقوية الخيمة نوعاً ما، استعداداً لموجة البرد والأمطار المتوقّعة. جاءت العاصفة في 11.12.25. بقينا في الخيمة لأنّه لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. غطّينا أولادنا بالبطّانيّات، وخاصّة رهف التي كانت قد بلغت من عُمرها 8 أشهُر. بعد أن أطعمتها زوجتي، خلدنا جميعًا إلى النوم.

هطلت في تلك اللّيلة أمطار غزيرة جدّاً. استيقظنا عند السّاعة 3:30 فجراً فوجدنا المياه قد أغرقت الخيمة. حين تفقّدنا وضع الأولاد كانت رهف مبلّلة كلّها وعندما أبدلت لها ملابسها لاحظت أنّ جسمها بارد جدّاً، شفتاها زرقاوان وملامح وجهها متغيّرة. استدعيت سيّارة إسعاف، لكنّ الأمطار الغزيرة أخّرتها فوصلت بعد ساعة ونصف الساعة تقريباً. ذهبت وزوجتي إلى مستشفى ناصر مع رهف، التي كانت تحتضر. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش لها لكن دون جدوى.

انتابتنا الصّدمة، أنا وزوجتي. احتضنّا جسد رهف البارد ونحن نبكي بحرقة. لم نصدّق أنّ طفلتنا ماتت بسبب البرد الشديد وغرق خيمتنا في تلك اللّيلة. أخذ الأطبّاء رهف لتكفينها وتجهيزها للدّفن. كانت تلك أصعب لحظات مررنا بها خلال كلّ فترة الحرب.

بعد ذلك خرجنا لندفن صغيرتنا رهف. بعد الدّفن عُدت مع زوجتي إلى خيمتنا الكئيبة، التي أصبحت فضاءً مَلؤه الأسى والفقد. هكذا انتهت قصّة حياة رهف، حبيبة قلبي وروحي. كانت قصّة قصيرة، قصّة مُعاناة لا تقوى حتى الجبال على تحمّلها.

كانت رهف طفلة بريئة، صغيرة ورقيقة. فقدناها لأنّ جسمها الصغير لم يتحمّل البرد الشديد. الآن، أنا وزوجتي وأطفالي نعيش حُزناً ثقيلاً يصعب تحمّله. نحن في حداد على وفاة صغيرتنا رهف، ومع ذلك لا نصدّق حتى هذه اللّحظة أنّنا فقدناها إلى الأبد. ابنتي الصّغيرة شام تنظر طوال الوقت إلى صور رهف وتقول "رهف ماتت". زوجتي مُنهارة نفسيّاً، تبكي طوال اليوم، تحتضن أطفالنا وتقول "لا أريد أن أفقد أحداً منهم. لا أستطيع أن أتحمّل مزيداً من الحُزن".

نحن ما زلنا نعيش في الخيمة في ظروف صعبة للغاية. شتاء هذا الموسم قاسٍ ونحن نعاني الأمرّين من الأمطار الغزيرة والبرد الشديد. والخيمة لا تحمينا من أيّ شيء.

لم تكن رهف الطفلة الأولى التي تموت بسبب البرد في قطاع غزة. وطالما أنّ المجتمع الدوليّ يصمت ولا يفعل شيئاً بخصوص ما يجري هنا، فسوف يجبي البرد الشديد المزيد من الضحايا الأطفال والأولاد. اليوم فقدنا رهف ومن يعلم من سنفقد غداً؟ نتمنّى أن تكون رهف الآن في مكان أفضل وندعو الله أن يصبّرنا على فقدانها.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 14.12.25