43 عاماً، أب لخمسة، من سكّان بيت لاهيا، تحدّث في إفادته عن النزوح والحياة في خيمة والعودة إلى الشمال المدمّر
قبل الحرب كنّا نسكن في بيت لاهيا، في شقّة في الطابق الرّابع من بناية خاصة بالعائلة ـ أنا وزوجتي رنا وأولادنا الخمسة: محمد (22 عاماً)، نجاة (19 عاماً)، ملاك (16 عاماً)، مريم (12 عاماً) وعلي (سنتان). وكان يسكن في البناية نفسها أخي سامح (38 عاماً) مع زوجته وأولادهما الثلاثة، وفي الطابق الأرضيّ كانت تسكن أمّي مع أخي سامي (35 عاماً) وزوجته، اللّذين لم يُنجبا أولاداً بعد.
في 7.11.23 تركنا البيت جميعاً بسبب القصف والمناشير التي نثرها الجيش، وانتقلنا إلى مخيّم البرازيل للّاجئين في رفح. خرجنا فقط بالملابس التي كنّا نرتديها لأنّ الوضع كان خطيراً جدّاً. خرجنا بسُرعة لأنّنا خشينا أن يحدث قصف فلا نتمكّن من الوُصول إلى جنوب القطاع.
في المخيّم نصبتُ خيمة مع مرحاض كلّفتنا ما يُقارب 1,500 دولار. أقام معنا في الخيمة أخي سامح (38 عاماً) وزوجته وأولادهما الثلاثة. كان مجموعنا 12 شخصاً في خيمة من قماش مساحتها 3.5x3.5 متر، وكانت ظروف الحياة هناك صعبة جدّاً. بقينا في الخيمة حتى شهر أيّار 2024، ثمّ حين اجتاح الجيش الإسرائيليّ مدينة رفح اضطررنا إلى الانتقال مجدّداً فذهبنا إلى منطقة الزوايدة في وسط القطاع. هُناك نصب سامي خيمة أخرى له ولزوجته ووالدتي.
في الزوايدة نصبنا خيمتنا من جديد داخل أرض زراعيّة واستقرّينا هناك. كانت الحياة في الخيمة عذاباً كبيراً. كانت تلك الفترة الأسوأ التي مرّت علينا. في اللّيالي كانت الكلاب تتجوّل في الخارج والأولاد يفزعون منها. ما يميّز الزوايدة أنّها منطقة مفتوحة ولا يوجد شيء من حولنا يحمينا. خُصوصاً عندما كان يحدث قصف في المنطقة كنّا نشعر بأنّنا مكشوفون تماماً. لا شيء من فوقنا سوى قطعة قماش.
عانينا أيضًا من مسألة المرحاض، كثيراً. كنّا كلّما أردنا قضاء حاجتنا نضطرّ إلى الخروج من الخيمة، في البرد وتحت المطر، في النّهار وفي اللّيل، حيث كان الأولاد يحتاجون إلى من يُرافقهم. قيّدنا أنفسنا في شرب الماء والشاي كيلا نحتاج الذهاب إلى المرحاض. في الصّيف نعاني من دُخول الحشرات والزواحف إلى الخيمة. اضطررت أن أشتري مُبيدات ضدّ النمل.
في هذا الشتاء، منذ أن بدأت تهطل الأمطار، نحن مشغولون باستمرار في محاولة منع تسرّب المياه إلى الخيمة ولا نستطيع النوم بسبب ذلك، وأيضاً بسبب ضجيج سُقوط المطر على الخيمة. إضافة إلى ذلك، البرد شديد داخل الخيمة إذ نشعر وكأنّنا نعيش داخل ثلّاجة. لا يوجد لدينا ما يكفي من البطّانيّات ولا توجد وسائل تدفئة، ولا كهرباء ولا غاز، والحطب يُباع بأسعار باهظة فلا نستطيع شراءه إلّا من حين لآخر.
قبل خمسة أيّام هطلت أمطار غزيرة في اللّيل وتسرّبت المياه إلى داخل خيمتنا. أنا وزوجتي والأولاد أمضينا اللّيل ننقل ملابسنا وبطّانيّاتنا وفرشاتنا إلى الخيمة الأخرى التي ينام فيها أولادنا الكبار. حاولنا تصريف المياه من أرضيّة الخيمة باستخدام طاسات وطناجر، لكنّنا لم نتمكّن من ذلك. عندئذٍ أخذت الخيمة تتهاوى من ثقل المياه التي تراكمت على سطحها. تركنا الخيمة وذهبنا إلى خيمة أخرى. في الصّباح وجدنا أنّها تهاوت تماماً وغرقت في الوحل. عندما توقّفت الأمطار قمنا بتفكيك ألواح الخشب وقطع القماش التي كانت لا تزال صالحة للاستخدام، لكي ننصب الخيمة من جديد لاحقاً. منذ بداية الحرب وحتى الآن لم تقدّم لنا أيّة جهة خياماً ولم تساعدنا على نصب خيامنا فاضطررنا أن نتدبّر أمورنا بأنفسنا.
كنت أعمل موظّفاً في السّلطة الفلسطينيّة، واليوم أنا متقاعد وأتلقّى راتب تقاعد محدوداً. منذ أن اندلعت الحرب ارتفعت الأسعار بشكل جُنونيّ وراتبي بالكاد يغطّي احتياجاتنا لعدّة أيّام.
قبل اندلاع الحرب بشهرين رمّمنا المنزل وغيّرنا أثاث الصّالون وغُرف الأولاد بمُناسبة نجاح ابنتنا نجاة في امتحانات التوجيهي وقُبولها في الجامعة. آنذاك أخذت قرضاً من البنك لكي أموّل الترميمات. قبل نحو شهر سمعت من معارفي وجيراني أن منزلنا قد دُمّر تماماً. يوم سمعنا ذلك كان يوماً أسود علينا جميعاً. أولادي بكوا لأنّ لديهم ذكريات كثيرة هُناك وأشياء كثيرة يحبّونها وقد تركوها وراءهم. أنا أصابني اكتئاب لأنّني أحسست أنّني رجعت إلى نقطة الصّفر وبتنا لا نملك شيئاً.
أنا هُنا أشعر بالقهْر وأواجه الموت في كلّ يوم. في كلّ مرّة أتذكّر كيف كنّا نعيش بكرامة في منزلنا، وأقارن حياتنا الآن بما كانت عليه قبل الحرب. أنا وعائلتي نشعر كأنّنا نعيش في الشارع.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 5.1.25
في إفادة أخرى أدلى بها خضر أبو ديّة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 25.2.25، قال:
في 19.1.25، بعد إعلان وقف إطلاق النار، شاهدت الكثير من الأهالي يعودون سيراً على الأقدام إلى مدينة غزّة وشمال القطاع عبر شارع الرّشيد (طريق البحر). انتظرت ثلاثة أيّام حتى خفّ قليلاً ضغط الحركة والاكتظاظ في الشارع، ثمّ ذهبت وحدي إلى بيت لاهيا تاركاً زوجتي والأولاد في خيمة في وسط القطاع. خرجت في السادسة صباحًا مع أخي سامح ومشينا حتى وصلنا إلى مخيّم النصيرات للّاجئين، ومن هناك استقلّينا سيّارة أوصلتنا، مع نازحين آخرين، إلى شارع البحر قرب وادي غزّة. من هُناك مشينا مسافة 8 كيلومترات لأنّ قوّات الاحتلال منعت مُرور السيّارات في شارع البحر.
عندما وصلنا إلى مدخل مدينة غزّة استقلّينا سيّارة أوصلتنا إلى مُستشفى الشفاء، ومن هُناك مشينا مرّة أخرى حتى وصلنا إلى حيّنا، مشروع بيت لاهيا، لعدم وُجود مُواصلات من غزّة شمالاً. عندما وصلنا إلى هُناك شاهدت الدّمار كلّه. لقد تغيّرت ملامح المكان تماماً حتى أنّني وجدت صعوبة في التعرّف على الشارع المؤدّي إلى منزلي. عندما وصلنا إلى منزلنا تبيّن لي أنّ أضرارًا فادحة قد لحقت بالبناية ووجدت شقّتنا مهدّمة ولا تصلح للسّكن. جميع الحيطان مهدومة أو متضرّرة. غرفة البنات محترقة وحيطانها مهدّمة. المطبخ أيضاً كان مهدّماً وفي المنزل كلّه لا توجد نوافذ ولا أبواب. الأثاث كلّه قد دُمّر عدا بعض مقاعد الكنب المُفردة، وهذه أيضاً كانت حالتها سيّئة. تجوّلت في أنحاء المنزل وسط شعور بالإحباط والعجز إذ لا توجد إمكانيّة للحصول على أثاث أو إصلاح الأثاث الذي تضرّر، أو موادّ بناء لإصلاح الأضرار في البناية. كما أن وضعنا الاقتصادي لا يسمح بشراء ما هُو موجود. في لحظة واحدة فقدت منزلي الذي استغرقني بناؤه وترميمه وتأثيثه عشرين عاماً.
حاليّاً، طالما أنّنا لا نستطيع ترميم المنزل قليلاً، قرّرت وسامح أنّه من الأفضل إبقاء عائلتينا في الخيام. زوجة سامح وأولاده الثلاثة موجودون الآن في خيمة في خان يونس، وزوجتي وأولادي في النصيرات، وأنا وسامح نُقيم في غرفة في شقّتي المهدّمة. شبكة المياه مدمّرة تماماً، وبطبيعة الحال لا توجد هُنا مياه جارية، ولكن هُناك الآن شاحنات توزّع المياه. نحن نضطرّ كلّ يوم إلى الوقوف ثلاث ساعات في الطابور لكي نحصل على حاويتي مياه للشرب، ونستخدمها للطبخ أيضاً. ولا توجد كهرباء أيضاً وشبكة المجاري مدمّرة هي الأخرى.
توجد هُنا عدّة بسطات تبيع القليل من الخضار، كالبطاطا والبصل والفلفل والبنادورة، والأسعار الآن معقولة أكثر. يمكن الحصول أيضاً على اللّحوم والدّجاج والأسماك - كلّها مجمّدة.
البرد شديد هُنا في الشقة بسبب الحيطان المهدّمة. علّقنا بعض الشراشف والأقمشة لكنّها لا تمنع دُخول الهواء البارد. زوجتي والأولاد يُريدون العودة لكنّني أعتقد أنّه ليس من الصّواب أن يعودوا حاليّاً.
نحن نحاول في كلّ يوم أن نُرمّم قليلاً ونُخلي الرّكام من الشقق، لكنّه أمرٌ صعب في غياب الأدوات المناسبة. نحن نضطرّ إلى حمل ونقل الرّكام بأيدينا. أحاول أن أسدّ الشقوق في الحيطان المهدّمة بطريقة أفضل، باستخدام الشوادر والبطانيّات التي أنتزعها من بين أنقاض البناية، على أمل أن تصبح الشقّة في وضع يسمح بانتقال زوجتي والأولاد إليها.
كان لدينا من الألواح الشمسيّة 12، لم يبق منها سوى اثنين أستخدمهُما لشحن بطارية صغيرة تتيح لنا إضاءة مصابيح LED في الغرفة وشحن الهواتف.
المناظر هُنا في مشروع بيت لاهيا بائسة للغاية. في كلّ مكان لا ترى سوى منازل مدمرة، أكواماً من حُطام المباني وشوارع مدمّرة وحُفرًا كثيرة في الطرق. جميع الناس مشغولون في إخلاء رُكام منازلهم وتسوية مكان لنصب خيمة. لا أعلم كم من الوقت سنعيش هُنا وسط الرّكام قبل البدء بإعادة الإعمار، ولا أين سنُقيم خلال إعادة الإعمار. الدّمار هائل ومن الصّعب التفكير بما يخبّئه المستقبل.
* خلال شهر آذار عادت والدة خضر أبو ديّة وأخوه سامي إلى منزلهم المدمّر، ولا تزال زوجته وأولاده في خيمة في النصيرات.