(19 عامًا)، من سكان مدينة رفح، تحدث عن إصابته الخطيرة بنيران الجيش بالقرب من نقطة لتوزيع المساعدات تابعة لـ "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF) وعن النزوح والجوع والظروف المعيشية القاسية
أسكن مع والدي، إياد (48 عامًا) ووالدتي وثلاثة أشقاء: فراس (22 عامًا) وعامر (16 عامًا) وشادي (9 أعوام). حتى اندلاع الحرب، كنا نسكن في مبنى مكون من خمسة طوابق في مدينة رفح، سوية مع أعمامي. أي، ما مجموعه 50 شخصًا في المبنى. كانت حياتنا قبل الحرب بسيطة وهادئة. على الرغم من كل الصعوبات، كان لدينا منزل يوفر لنا المأوى وجيران أحببناهم وأحبونا. لم يكن والدي يعمل منذ سنوات عديدة، بسبب وضعه الصحي المعقد. لم يكن لدينا مصدر رزق وكنا نعيش فقط على المساعدات التي تلقيناها من مختلف المنظمات، والتي لم تكن كافية حقًا لاحتياجات أسرة مكونة من ستة أفراد.
عندما اندلعت الحرب في تشرين الأول 2023، قصف الجيش القطاع بأكمله دون توقف، بما في ذلك رفح. لم يكن لدينا لحظة سلام، لا في النهار ولا في الليل. بالإضافة إلى ذلك، بدأ الجيش في الأيام الأولى بالتهجير الجماعي لسكان شمال القطاع نحو الجنوب من الحرب واضطر مئات الآلاف من السكان إلى النزوح إلى مدينة رفح. تحولت مدارس وكالة "الأونروا" إلى مراكز إيواء مكتظة للغاية. طالما كنا نعيش في منزلنا، كنا نحن أيضًا نعتمد على مساعدات "الأونروا" بشكل أساسي. حاولنا أيضًا بيع المواد الغذائية المعلبة والمنتجات الغذائية البسيطة في الأكشاك حتى نتمكن من شراء الضروريات.
في 6.5.25 أعلن الجيش الإسرائيلي إنه ينوي شن هجوم على مدينة رفح وأمر جميع السكان بإخلاء المدينة. أصبحت حياتنا كابوسًا حقيقيًا. كان الجيش يقصف المدينة طوال الوقت وكانت الصواريخ تصيب المنازل وتدمرها على سكانها. عندما اقترب القصف من منطقتنا، اضطررنا إلى الفرار من المنزل تحت النار وأخذنا معنا القليل من الملابس والبطانيات.
هربنا إلى معسكر الخيام في منطقة المواصي في خان يونس، بالقرب من مستشفى ميداني بريطاني أقيم في المنطقة التي كان يوجد فيها ذات مرة مطعم Fresh Fish. الحياة في مخيم المهجرين صعبة للغاية ولا تتوفر فيه حتى الظروف المعيشية الأساسية. يجب تقاسم المراحيض مع الكثير من الناس ولكي نخبز الخبز نحتاج إلى إشعال النار. ليس لدينا فرشات وبالكاد يوجد مأوى يحمي من الشمس والبرد. بقينا طوال أشهر عديدة ننام على الأرض ونتغطى بالبطانيات القليلة التي تمكنّا من إحضارها معنا من المنزل. كنا نأمل طوال الوقت في أن ينسحب الجيش من رفح وأن نتمكن من العودة إلى منزلنا، لكن هذا الأمل بعيد جدًا عنا.
حتى خلال وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، لم نستطع العودة إلى منزلنا في مدينة رفح. استمر القصف من حولنا طوال الوقت. تفاقم جوعنا الشديد بعد أن أغلق الجيش المعابر ومنع إمدادات الغذاء إلى القطاع في 2.3.25. لم يتبق لدينا دقيق واختفت المنتجات الغذائية من الأسواق وارتفعت الأسعار بشكل كبير.
في 18.3.25 تجددت الحرب وازداد الوضع تدهورًا وتفاقمًا. لم نتمكن من شراء الخضار والدقيق ولا السكر أو الزيت أو الأرز أو الملح. حتى قبل الحرب، كنا بالكاد نعيش. وفي الحرب أصبحنا معدمين. يرهقنا الفقر المدقع والعجز والجوع ينخر بنا ويسبب لنا معاناة شديدة. في معظم الأوقات، لا نتمكن حتى من الحصول على رغيف خبز. يعاني إخوتي كثيرًا من الجوع ويشتكون طوال الوقت. في بعض الأحيان لم يكن لدينا ما نأكله لمدة يومين أو ثلاثة أيام فكنّا نضيف الملح فقط إلى مياه الشرب لأنه يخفف قليلاً من الشعور بالجوع.
عندما وصل الجوع إلى مستوى لا يطاق، بدأ الناس يذهبون إلى نقاط توزيع المساعدات التي أقامها الجيش على أمل الحصول على بعض الدقيق والمواد الغذائية. لم يتبق أمامنا خيار آخر، رغم أننا كنا نعلم أن هذه الأماكن هي مصائد موت ومحاطة بالقناصة والطائرات بدون طيار.
في 1.6.25 الساعة 4:30 فجرًا، خرجت مع أخي فراس واثنين من الأصدقاء باتجاه نقطة توزيع المساعدات بالقرب من ساحة العلم في غرب رفح. مشينا حوالي 3 كيلومترات مع آلاف السكان من مخيم النازحين الذين يتضورون جوعًا، حتى وصلنا إلى حي الأكواخ، على بعد 200-300 متر عن نقطة توزيع المساعدات في منطقة العلم. فجأة ظهرت طائرات مسيّرة (كوادكوبتر) في السماء وأحاطت بنا وبدأت تطلق علينا نيرانًا حية.
أصبتُ في يدي اليسرى برصاصة اخترقتها وخرجت. استدرت للبحث عن أخي فراس والفرار من إطلاق النار، ثم أطلق علي قناص من الجيش من مسافة حوالي 300 متر وأصابتني الرصاصة في ظهري، بالقرب من العمود الفقري، وخرجت من البطن. كان هناك ثلاثة قناصين وكانوا يعرفون جيدًا أننا مدنيون جائعون وغير مسلحين وأننا جئنا فقط لمحاولة الحصول على المساعدة.
سقطت على الأرض مع نزيف حاد. أدركت أنني مصاب بجروح خطيرة وكنت متأكدًا من أنني سأموت وبدأت أتلو الشهادتين. حاول أخي وقف النزيف، لكن لم تكن لديه طريقة لذلك. بحث عن أشخاص لمساعدته في نقلي إلى المستشفى، لكن الجميع من حولنا كانوا يفرّون. كان الوضع صعبًا للغاية لدرجة أن الناس داسوا على الجثث للهروب من هناك. بجانبي كان يرقد حوالي 20 قتيلاً وعشرات الجرحى الآخرين. كنت متأكدا من أنني أيضًا سأموت.
بدأ أخي يصرخ مستغيثًا يطلب النجدة لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب. جرّني حتى تمكن من إيجاد عربة يجرها حمار وحمّلني عليها إلى أن أصيب الحمار أيضًا، فعاد يحملني هو على يديه ويبحث عن مساعدة. كنت لا أزال أنزف بقوة. بعد نحو نصف ساعة فقط وصلت إلى هناك عربة "توكتوك" فتوسل أخي إلى سائقها وعرض عليه 4,000 شيكل ـ وهو مبلغ لم يكن متوفرًا معنا ـ فقط ليأخذني إلى المستشفى. كان أخي مستعدًا للتضحية بحياته لإنقاذي.
نقلتني عربة "التوكتوك" إلى مستشفى ميداني تابع للصليب الأحمر في منطقة مطعم Fresh Fish التي كان قد وصل إليها عشرات الجرحى. لولا رحمة ربي وأخي فراس لما بقيت على قيد الحياة. عندما وصلت إلى المستشفى أدخلني الأطباء فورًا إلى غرفة العمليات فأوقفوا النزيف الحاد من ظهري واستأصلوا الجزء المصاب من الكبد وهكذا أنقذوا حياتي.
لقد خضعت حتى الآن لثلاث عمليات جراحية في الظهر. أعاني من صعوبة في التنفس بسبب أنبوب التغذية الذي أدخلوه في أنفي. وقد قال الأطباء إن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً قبل أن أتمكن من المشي مرة أخرى، لأن الرصاصة استقرت على بعد بضعة سنتيمترات من العمود الفقري. لا أستطيع النوم من شدة الألم.
ذهبت إلى مركز توزيع المساعدات فقط لمحاولة الحصول على بعض الطعام وكدت أدفع حياتي ثمنًا ذلك. ليس لدينا ما نأكله. ما حدث لي وللآخرين في ذلك اليوم بالقرب من نقطة توزيع المساعدات لم يكن مجرد حادثة منفردة - بل هي جريمة مستمرة ضدنا. لقد سلبتنا الحرب المنزل والأمن والعيش. ليس لدي منزل، ليس لدي طعام، ليس لدي أمل في العيش بكرامة. كل ما أريده هو أن تنتهي هذه الحرب وأن نتمكن من الحصول على الطعام بسهولة وكرامة.
* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 5.6.25