عند بدء الحرب، بقينا في المنزل ـ أنا وزوجتي وأولادنا الثمانية الذين تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و19 سنة. قررنا البقاء في المنزل على الرغم من الخطر الكبير، لأنه كان هنالك الكثير من المهجرين في المنطقة ولم يكن ثمة مكان نذهب إليه. بدا لنا الانتقال إلى الجنوب خطيراً للغاية. كان منزلنا بالقرب من مدرسة الأونروا، لذلك شعرنا بدرجة أكبر من الأمان، قليلاً.
حتى عندما ساءت الأوضاع، بقينا في شمال القطاع. خلال الاقتحام الأول لمخيم جباليا للاجئين، والذي حصل في نهاية تشرين الأول 2023، بقينا في المنزل على الرغم من القصف والدمار الشديد، لأن الدبابات لم تصل إلى حيّنا. في تلك الفترة، بدأت مجاعة شديدة في شمال القطاع، مما تسبب بمعاناة هائلة لا توصف. اضطررت إلى الذهاب مع أولادي إلى مناطق خطرة لجمع الحطب ونبات الخبيزة للأكل. في إحدى المرات التي كنا نجمع فيها الخبيزة، سقطت قذائف بالقرب منا. هربنا من هناك وبأعجوبة لم نُصب بأذى.
في أيار 2024، بدأت الهجمة الثانية على مخيم اللاجئين. اشتدّ القصف، فهربنا إلى الجزء الغربي من المخيم. بقينا هناك، مشردين، لمدة شهر تقريباً. بعد انسحاب الجيش من المخيم، عدنا إلى منزلنا فوجدناه مدمراً بالكامل تقريباً. تمكنت من إصلاح أجزاء منه ـ سدَدْتُ الجدران التي دُمرت بصورة جزئية والنوافذ بأغطية بلاستيكية وعادنا للعيش هناك. حتى في ذلك الوقت، كان عليّ أن أمشي مسافات طويلة للبحث عن الطعام والماء لي ولعائلتي. كنا نشعل النيران، كل يوم، للطهي.
في تشرين الأول 2024، اقتحم الجيش المخيم مرة أخرى. كان ذلك الاقتحام هو الأصعب، فقد كان القصف شديداً للغاية. اختبأت أنا وعائلتي في داخل منزلنا المدمر، ولكن عندما سمعنا الدبابات تقترب منه، قررنا الفرار غرباً، مرة أخرى. بقينا هناك 15 يوماً ولكن الوضع كان صعباً هناك أيضاً. فقد كان القصف متواصلاً، ولم يزدَد إلا اشتداداً. عندما أدركنا أن الاقتحام لن ينتهي وأن هناك العديد من القتلى والجرحى، هربنا مرة أخرى - إلى بيت لاهيا، في شمال القطاع، هذه المرة.
في مرحلة ما، نثرت طائرة بدون طيار منشورات تطلب من جميع مَن في المنطقة التجمّع بالقرب من حاجز "الإدارة المدنية"، الواقع شرق مخيم جباليا للاجئين. من هناك، كان من المفترض أن ننتقل إلى الجزء الغربي من مدينة غزة. في يوم الخميس الموافق 31.10.24، خرجنا باتجاه الحاجز. كان هناك حشود من المهجرين. قام الجنود بفصلنا: النساء والأطفال في صف واحد، والرجال من سن 15 عامًا فما فوق في صف آخر. فحص الجنود بطاقات هويتنا ونادونا بأسمائنا.
عندما حان دوري، أوقفوني. عندما اقتربت من الجنود، سألوني إن كنت من حماس. أجبتهم أنني لا أنتمي إلى المنظمة وأنني موظف في السلطة الفلسطينية. قال لي الجنود: "سوف يتم إعدامك". أمروني بخلع ملابسي، حتى الملابس الداخلية، وأخذوا بطاقة هويتي وهاتفي وعصبوا عينيّ وربطوا يديّ وأمروني بالركوع في وضعية السجود ورأسي على الأرض، بجانب دبابة كانت موجودة هناك. بعد ذلك، جروني إلى منزل مهجور واحتجزوني فيه لمدة سبع ساعات تقريبًا، بينما يداي مقيدتان وعيناي معصوبتان.
بعد ذلك، نقلوني إلى مبنى يُدعى "الثلاجة" وهناك قاموا بالتحقيق معي. قال المحقق مرارًا وتكرارًا إنني أنتمي إلى حماس وهددني قائلًا: "إذا لم تعترف، فسوف تُرسَل إلى الجحيم. اخْتَر: الجحيم أو البيت". قلت للمحقق مرة أخرى إنني لست عضوًا في حماس وطلبت منه أن يتحقق من ذلك مع " الشاباك" (جهاز الأمن العام). أجابني الجندي الذي كان يحقق معي: "نحن الشاباك". سكب جندي آخر عليّ وقوداً وحاول إشعال النار فيّ بقدّاحة، لكن ضابطاً كان هناك أوقفه. بعد ذلك، وصلت مجموعة أخرى من الجنود وضربوني. أعتقد أنهم كسروا بعض أضلاعي، وشتموني بشتائم بذيئة.
سألني أحد الجنود إن كنت أريد ماءً. وعندما أجبت بـ "نعم"، أخذ جندي آخر زجاجة ماء وألقى بها على الأرض. ثم أدخلوني إلى سيارة جيب ونقلوني إلى مكان آخر، حيث كانت هناك مجموعة أخرى من الجنود. وهناك، جرّدوني من ملابسي بالكامل - حتى ملابسي الداخلية - وسألوني عن المختطفين وحماس وسخروا مني وضربوني. بعد ذلك جاء ضابط قدم نفسه على أنه "أبو علي" أو "أبو لهب"، ضربني ووضعني في سيارة جيب أخرى. في النهاية نقلوني إلى سجن "سديه تيمان". وصلت إلى هناك منهكًا جدًا، في حوالي الساعة الرابعة صباحًا. هناك، أعطوني ملابس سجناء بيضاء وضربوني مرة أخرى وصوّروني، وألقوا بي في قفص مع معتقلين آخرين.
احتُجزتُ في سجن "سديه تيمان" لمدة أربعة أشهر، في 25 يوماً منها كنت مقيداً ومغطى العينين. كانت الظروف مروّعة وكان العنف يومياً. كانوا يطلقون الكلاب علينا وكان الجو بارداً جداً وكنا نحصل على القليل من الطعام. بالإضافة إلى ذلك، كان ممنوعاً علينا التحدث مع المعتقلين الآخرين. كنت أنام على فرشة رقيقة، كنت أتشاركها مع معتقلين آخرين: كل يوم في الساعة 4:00 صباحاً كانوا يأخذون الفرشة ولا يعيدونها إلا في الساعة 23:00 فقط. وكانوا يجبروننا أحياناً على الركوع على ركبنا لساعات طويلة، دون أن نتحرك.
بعد 17 يوماً من الاعتقال، حققوا معي في مكان يسمى "الديسكو". هناك أيضاً ضربوني وهدّدوني. كان الجو بارداً جداً والملابس والبطانيات التي حصلنا عليها كانت رقيقة. تشاركتُ الفرشة مع خمسة أو ستة معتقلين.
في 16.2.25 نقلوني إلى سجن النقب (كتسيعوت) حيث احتُجزت لمدة ثمانية أشهر تقريبًا. كان هناك نقص في الملابس والغذاء وانتشر الجَرَب فتسبب بظهور تقرحات قيحية في جميع أنحاء الجسم. منعت إدارة السجن عنا العلاج الطبي للجرب. احتُجزت هناك في أقفاص طوال ستة أشهر تقريبًا. لم تتوفر لنا إمكانية الوصول إلى المراحيض، بل كان هنالك فقط دلو في الزنزانة.
في 24.6.25، تعرضت لهجوم من وحدة "متسادا" وأصبتُ بعيار مطاطي. تم إدخالي إلى المستشفى ورقدتُ فيه لمدة 15 يومًا. خلال نقل إلى المستشفى، ضربوني. سألوني مرة أخرى عن حماس والمختطفين والمنازل المفخخة وهددوني بأنه إذا لم أعطهم معلومات، فسوف يعتقلون ويغتصبون زوجتي وأمي. كنتُ أتلقى الضرب والإهانة الشديدة في كل يوم تقريباً. أحياناً كانوا يروننا كيساً أسود مليئاً بالجثث ويقولون لنا: "هكذا فقط ستخرجون من هذا المكان"، ثم يطالبوننا مرة أخرى بإخبارهم عن مواقع حماس والأنفاق، وهي أمور لم تكن لنا علاقة بها.
قبل إطلاق سراحي بثلاثة أيام، أخبرنا أحد المعتقلين العائدين من التحقيق بأن هنالك صفقة تبادل وأنه سيتم إطلاق سراح معتقلين. كانت تلك المرة الأولى التي نسمع فيها عن ذلك. بعد يومين، نقلنا الجيش إلى منطقة أخرى في السجن، حيث كانت الغرف نظيفة. كان في كل غرفة عشرة معتقلين وكنا جميعاً مكبلين بالأصفاد. حذرنا ضابط استخبارات من عدم التعاون مع "منظمات إرهابية" بعد الإفراج عنا، وإلا فإننا وعائلاتنا "سنتأذى ونُقتَل". جاء ممثلو الصليب الأحمر وأبلغونا أنه سوف يُفرج عنا خلال الأيام المقبلة.
في يوم إطلاق سراحي، 13.10.25، قيّدوا يديّ بقوة مما تسبب لي بألم شديد. صعدنا إلى الحافلات وأيدينا وأرجلنا مقيدة. بعد حوالي ساعة ونصف الساعة وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم)، حيث أزالوا الأصفاد عنّا. دخلنا إلى القطاع وصعدنا إلى حافلات فلسطينية.
أخذونا إلى مستشفى ناصر، حيث استقبلنا حشد من الناس. خضعت لفحص طبي وأعطوني بعض الأدوية. عندما خرجت، كان أخوتي وبعض أفراد عائلتي في انتظاري. كنت سعيداً للغاية. لم أصدق أنه قد أُطلق سراحي من السجن. من هناك، توجهنا إلى عائلتي التي كانت في دير البلح. كانت زوجتي وأولادي يقيمون هناك في خيمة مع إخوتي وأبناء أعمامي.
عندما وصلت إلى هناك، قابلت ابني عبد الرحمن (12 عامًا) ثم بقية أولادي. عندما سألت عن ابني محمود (14 عامًا)، لم يجِبني أحد. دخلت الخيمة وسألت زوجتي، فأخبرتني أن محمود قُتل بشظية أصابت رأسه عندما كانوا في خيمة في شمال القطاع. قالت إنه رقد في المستشفى ثلاثة أيام في العناية المركزة وكانا مصاباً بضرر دماغي، ثم توفي متأثراً بجراحه. قالت زوجتي إنها لا تزال مصدومة من وفاته. لم أتمكن من توديعه ومن الصعب عليّ استيعاب فقدانه.
سنة من الاعتقال والتهجير وفقدان المنزل والمعاناة الشديدة ـ كلها لا شيء مقارنةً بوفاة ابني محمود. وأنا في السجن، كنت أفكر بعائلتي طوال الوقت، بمحمود والأولاد الآخرين، وكذلك بأمي وأخي هيثم (42 عاماً) وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة. اليوم أنا مع عائلتي في دير البلح. نحن جميعاً أحياء وبصحة جيدة، لكنني أشتاق إلى محمود.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 11.11.25