Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

شمس مهنّا

شمس مهنّا

( 21 أيار 2024 )

(20 عامًا)، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تتحدّث في إفادتها عن أقاربها الذين قـُتلوا في عمليّات القصف، وعن المعاناة والتهجير والجوع منذ بداية الحرب

شمس مهنّا. الصورة منها مشكورة

في يوم الجمعة الموافق 6.10.23 توجّهتُ لزيارة عمّتي مريم (31 عامًا) في مدينة الزهراء وسط قطاع غزّة. فهي تسكن قرب الجامعة التي أدرس فيها، وخطّطت أن أذهب من عندها مباشرة إلى الجامعة في صباح اليوم التالي. لكن في اليوم التالي، 7.10.23، سمعنا انفجارات منذ الصباح، وأدركتُ أنّ شيئًا ما يحدث ولن تنتظم الدراسة.

قرّرنا، عمّتي وأنا، الذهاب إلى شقّة والدَيَّ في منطقة الفالوجة شمال مخيّم جباليا للّاجئين، لأنّها كانت تخشى من أنّ موقع منزلها خطير للغاية. لكن بعد وقت قصير من وصولنا إلى منزلنا تدهور الوضع وأصبح خطيرًا لدينا أيضًا. كانت هناك عمليّات قصف عنيف في كلّ مكان.

استمرّ ذلك لمدّة سبعة أيّام، وكان الوضع في شمال قطاع غزّة مخيفًا جدًّا، وأمر الجيش السكّان بإخلاء منازلهم والنزوح إلى الجنوب. كانت طائرات 16F تقصف من حولنا خلال اليوم، وأساسًا في الليل. كانت الليالي لا تطاق حقًّا، وكانت عمليّات القصف بلا توقّف. شقّتنا تقع في الطابق الثالث، لكن في الليل كنّا ننزل إلى الطابق الأوّل، إلى شقّة جدّي وجدّتي. شعرنا بأنّ ذلك أكثر أمانًا.

في 14.11.23 أصابت قذيفة مدفعيّة سقف بنايتنا ونحن موجودون فيها. بعد ذلك قصفوا منزل الجيران الواقع على بُعد عدّة أمتار، ثمّ قصفوا مقبرة الفالوجة الواقعة أمام المنزل بشكل مكثّف. نظرتُ من النافذة إلى المقبرة. كانت هناك جنازة وأطلق الجيش الإسرائيليّ النار على الناس. فتركوا الميِّت وهربوا. تركوا جثّته مُلقاة على الأرض، ولم يعودوا لدفنها من شدّة الخوف.

عندما حدث ذلك قرّرنا جميعًا على الفور، باستثناء والدي، النزوح إلى وسط مخيّم جباليا للّاجئين، إلى منزل جدّي الثاني، ناهض، رغم أنّ منزله كان قد دُمِّر جزئيًّا في قصف مسجد التوبة المقابل له. بقي والدي وحيدًا لحراسة منزلنا. مكثنا هناك يومين. في اليوم التالي، 15.11.23، تراجعت عمليّات القصف وبدت لنا أبعد قليلًا عنّا. لكن بعد ذلك، في 18.11، شهدنا أقسى ليلة في حياتنا. قصفت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة المنطقة بشكل مكثّف، ما أدّى إلى اشتعال أحزمة ناريّة كبيرة في كلّ مكان. كانت شقّة جدّي في الطابق الثالث، لكنّنا نزلنا إلى الطابق الأوّل وحشرنا أنفسنا فيه، كنّا معًا نحو 60 شخصًا، بمَن في ذلك مهجَّرون من عائلة والدتي.

كريم، ابن خال شمس، الذي قُتِل إثر إطلاق الجنود النار على رأسه وهو في داخل مستشفى اليمن السعيد. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة

كانت الأحزمة الناريّة قريبة جدًّا منّا. بعد ساعة عدنا إلى الأعلى للنوم، ثمّ قرابة الساعة 1:00 ليلًا بدأ المخيّم يتعرّض لقصف مدفعيّ مكثّف. كانت الانفجارات شديدة جدًّا. نزلنا إلى الأسفل مرّة أخرى. تعرّضت المنازل التي حولنا لقصف مدفعيّ عشوائيّ، وتطايرت شظايا القذائف إلى كلّ مكان واخترقت المنزل. كنّا خائفين جدًّا وبكينا جميعًا من الرعب. كان جميع المهجّرين في حالة من الذعر.

في الفجر اقترحتُ على والدتي أن نعود إلى الطابق الثالث، لكنّها كانت مصدومة جدًّا ورفضت الصعود. في تلك اللحظة تمّ قصف منزل يقع أمام بناية جدّي، وقُتِل من جرّائه نحو 18 شخصًا هناك. أدّى القصف أيضًا إلى إلحاق أضرار ببناية جدّي التي امتلأت بالحجارة والركام.

قرّرنا الانتقال من هناك إلى بيت والدَيّ زوجة عمّي، من عائلة أبو سمرة، وهو أيضًا يقع في مخيّم جباليا. كنّا هناك نحو 40-50 شخصًا من المهجَّرين من مخيّم جباليا نفسه، وأقمنا جميعًا في غرفة واحدة. بعد ذلك وقع قصف مدفعيّ قرب المنزل وأصيب عمّ والدتي، رمضان حميد (80 عامًا) بشظيّة في يده، وأصيبت أختي هيا (7 سنوات) بشظيّة في رأسها. لحسن حظّنا كان من بين المهجَّرين في المنزل ممرّضة، فقدّمَت لهما الإسعاف الأوّليّ. بعد ذلك تعرّضت المنازل المحيطة بنا لقصف مدفعيّ آخر، وسقط علينا الركام وشظايا الزجاج.

أدركنا أنّ البقاء هناك غير آمن أيضًا، فتوجّهنا نحو مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا). في الطريق رأينا مشاهد بالغة الصعوبة. كانت الشوارع مليئة بالجثث والجرحى والمهجّرين والأنقاض وشظايا الزجاج والحجارة. كان الأمر أشبه بنهاية العالم.

وصلنا إلى مدرسة أبو حسين ومكثنا فيها. واصل بعض المهجَّرين الآخرين طريقهم إلى مستشفى اليمن السعيد في مخيّم جباليا للّاجئين، والذي كان لا يزال قيد الإنشاء، لكنّه كان يحتوي على سيّارات إسعاف وفرق دفاع مدنيّ.

بعد ساعة من وصولنا إلى المدرسة، حضر والدي أيضًا إلى هناك، والذي كان يقيم في منزلنا طوال الوقت حتّى ذلك الحين. قال إنّنا يجب أن ننتقل نحو الجنوب. غادرنا مع أعمامي وعائلاتهم ومشينا نحو 15 كيلومترًا إلى الجنوب على شارع صلاح الدين شرقيّ مدينة غزّة، وكنّا نحمل الأمتعة التي أخذناها معنا. وصلنا إلى ميدان الكويت ثمّ واصلنا السير على الأقدام من هناك حتّى حاجز "نتسريم".

عندما وصلنا إلى الحاجز قال الجنود إنّه لا يُسمَح لأحد بالعبور، وأطلقوا النار علينا وعلى المهجَّرين الآخرين. وقفنا هناك لمدّة ثلاث ساعات، وأيدينا مرفوعة، وكنّا نلوّح ببطاقات الهويّة الخاصّة بنا. كان ذلك الموقف مُذلًّا للغاية.

قرابة الساعة 4:00 عدنا إلى مدرسة أبو حسين في المخيّم. أقام الرجال في المدرسة والنساء في المنزل المقابل. بقينا على هذه الحال لمدّة أسبوع. خلال هذا الأسبوع ذهب عمّي نادر وزوجته ميرفت وأولادهما الأربعة إلى منزل عائلة زوجته، والذي يقع هو أيضًا في مخيّم جباليا. في 23.11.23 قصفوا هذا المنزل وقُتِلت عمّتي ميرفت (34 عامًا) مع أولادها الأربعة: ليان (19 عامًا)، شادي (13 عامًا)، ريتال (11 عامًا) وتولين (سنتان)، كما أصيب أفراد آخرون من العائلة وعمّي نادر وابنه عبد السميع (20 عامًا) بجروح طفيفة.

في نهاية تشرين الثاني، عندما أُعلِن وقف لإطلاق النار، عدنا إلى منزلنا في منطقة الفالوجة واكتشفنا أنّ معظم الجدران قد تضرّرت ولم تكن هناك نوافذ. قمنا بتنظيف المنزل وقضينا أسبوعًا هادئًا هناك. استرحنا قليلًا من الأحداث الصعبة التي مررنا بها سابقًا.

لكن في 1.12.23 انتهى وقف إطلاق النار، وعادت الطائرات تقصف المخيّم من جميع الاتّجاهات. أخذنا بعض الملابس والأغراض وعدنا إلى مستشفى اليمن السعيد. بعد يومين، في 3.12.23، اقتحم الجيش منطقة الفالوجة. حاصرت الدبّابات المنطقة، ومشّطت الجرّافات المقبرة. كان عمّي نادر وابنه عبد السميع عالقَين في بناية عائلتنا ولم يتمكّنا من المغادرة. أحرق الجيش المقبرة والمنازل في المنطقة. وقال عمّي نادر إنّه رأى من النافذة الجثث المكشوفة والكلاب التي كانت تنهشها. الحمد لله أنّه خرج هو وابنه بسلام من هناك.

في 8.12.23 اقتحم الجيش المخيّم وحاصر المستشفى الذي نزحنا إليه. بقينا محاصرين لمدّة 5 أيّام تقريبًا، ولم يُسمَح لأحد بالدخول أو بالخروج منه. طوال ذلك الوقت كانت هناك عمليّات قصف من الدبّابات وإطلاق نار من الجوّ من الطائرات الشراعيّة، كما قام قنّاصة بإطلاق النار من أسطح المنازل القريبة من المستشفى. لم يكن لدينا طعام أو ماء، وكنت نحيلة جدًّا، وفي بعض الأحيان كنتُ أفقد الوعي جزئيًّا. حتّى الذهاب إلى المرحاض كان بمثابة مخاطرة إلى أن أطلقوا في مرحلة ما قذيفة مدفعيّة على المرحاض. تسبّب القصف المدفعيّ في احتراق الأشجار والخيام التي كانت مقامة بجوار المستشفى.

في أحد الأيّام أثناء الحصار على المستشفى كان خالي أمير وأولاده يجلسون بجانبنا. وكان ابنه كريم (3 سنوات) يجلس في حضنه عندما أصابته فجأة رصاصة في رأسه. أخذ ينزف، لكن لم يكن هناك أيّ طاقم طبّيّ. احتضنته والدته وضمّدنا رأسه بقطعة شاش ثمّ أخذه والده سيرًا على الأقدام، رغم الخطر القائم في الخارج، إلى عيادة الفاخورة التابعة للأونروا. في العيادة أخبروه بأنّ حالة كريم حرجة للغاية وبأنّ عليه أن ينقله إلى المستشفى المعمدانيّ في غزّة.

لم يتمكّن من أخذه إلى المستشفى، وفي الساعة 18:00 توفّي كريم. في ذلك الوقت تقريبًا قالت والدته، روان، التي بقيت معنا، إنّها تشعر بأنّه لم يعد على قيد الحياة. عندما تلقّت الخبر المرير، صرخت وانفجرت في البكاء. تمّ دفن كريم في سوق مخيّم جباليا للّاجئين، لأنّنا لم نستطع الوصول إلى المقبرة. رغم الخطر، خرجت روان من المستشفى لوداعه. لاحقًا، بعد شهر رمضان، تمكّنوا من نقل جثمانه إلى مقبرة الفالوجة.

في أحد الأيّام، بينما كنتُ واقفة بجوار إحدى نوافذ المستشفى، رأيتُ بأمّ عيني كيف أطلقوا النار على شابّ كان يسير في الشارع. وبعدها أطلقوا النار على شابّ توجّه لمساعدته، ثمّ أطلقوا النار على شابّ ثالث حضر هو أيضًا إلى المكان.

كانت الأيّام الخمسة من الحصار على المستشفى قاسية جدًّا. وفي اليوم السادس انسحب الجيش من المنطقة. لكنّ الوضع بقي صعبًا للغاية. عمّ الجوع المكان، وكان من الصعب الحصول على الطحين، وحتّى عندما تمكّنا من خبز أرغفة الخبز، لم يكن لدينا سوى الزعتر لنأكله معها. كان سعر كيس الطحين الذي يزن 25 كيلوغرامًا 2,000 شيكل أو أكثر. في الغالب كنّا نعدّ الخبز من طحين الذرة المخصّص للبهائم. كنّا نخبزه على موقد لعدم وجود أيّ نوع من الوقود. عانينا من الجوع المدقع لمدّة ثلاثة أشهر تقريبًا. كانت تلك الفترة هي الأكثر ظلمة في حياتي. طوال الوقت كنّا نسعى إلى تحصيل الأكل فقط.

كان من المستحيل الحصول على الخضار أو اللحوم أو حتّى المعلّبات. رأيتُ الناس يأكلون طعام الحيوانات. كنّا نأكل وجبة واحدة فقط في اليوم، قطعة أو قطعتين من الخبز، ثمّ نذهب إلى النوم جائعين. باستثناء الخبز لم يكن لدينا سوى الحامض والخبّيزة التي اشتريناها بسعر باهظ. كان الوضع في شمال قطاع غزّة كارثيًّا.

في النهاية عدنا إلى منزلنا في الفالوجة. رغم أنّه لم يكن صالحًا للسكن. كان الوضع هناك أفضل من الوضع في المستشفى، رغم أنّه لم يكن لدينا ماء أو كهرباء وكنّا نضطرّ إلى الذهاب لملء الماء بالدلو في كلّ مرّة. ثمّ حلّ شهر رمضان، شهر الصيام - وكنّا نحن أصلًا في حالة صوم تقريبًا. لا أستطيع وصف هذه الفترة من الجوع، لقد كانت صعبة للغاية. في نهاية شهر رمضان أصبح من الممكن الحصول على بعض الخضار والطحين في المنطقة، لكنّ الأسعار كانت باهظة جدًّا ولم نتمكّن من شراء أيّ شيء تقريبًا.

بعد ذلك تحسّن الوضع قليلًا، وأصبح من الممكن الحصول على الطحين والمعلّبات. بدأت أمّي بخزن السلع الغذائيّة لأنّها خافت من عودة الجوع مرّة أخرى. عانيتُ أنا من مشاكل في الهضم بسبب المياه الملوَّثة والأغذية المعلَّبة.

في 11.5.24 ألقى الجيش الإسرائيليّ من الجوّ منشورات تأمرنا مُجدّدًا بإخلاء مخيّم جباليا للّاجئين. أخذنا ملابسنا وذهبنا إلى بيت جدّي ناهض، في شمال المخيّم، لكن قبل أن نصل إلى هناك رأينا وسمعنا قصفًا مكثّفًا على المخيّم - انفجارات مروِّعة. فعدنا مرّة أخرى إلى مستشفى اليمن السعيد.

بقينا هناك ليلة واحدة وفي اليوم التالي ذهبنا إلى غرب غزّة، إلى منطقة حيّ الشيخ رضوان. بينما كنّا نسير في الشوارع رأينا أنّ معظم المنازل قد دّمِّرت بالكامل. كانت الشوارع مليئة بالحجارة والأنقاض، الجثث والجرحى. كانت المنازل تحترق، وكان هناك قصف مدفعيّ وجوّيّ في كلّ مكان. جرّفَت الجرّافات الجهة الشرقيّة من المخيّم والسوق والمنازل. كان المسير من المخيّم إلى مدينة غزّة بمثابة رحلة إلى الموت.

نحن نقيم الآن لدى أقاربنا في حيّ الشيخ رضوان غرب مدينة غزّة، في مكان ليس بعيدًا جدًّا عن المخيّم. الطائرات والدبّابات تقصف ليل نهار، لا تتوقّف أبدًا. هنا، في شمال القطاع، لم تعد هناك حياة حقيقيّة. معظم سكّان مخيّم جباليا غادروه وانتقلوا إلى غرب مدينة غزّة. جميعهم يعيشون هنا في ظروف صعبة للغاية. تمّ إحراق المدارس والمستشفيات التي حُوِّلتْ إلى مخيّمات للمهجَّرين. مستشفى العودة محاصَر. والمستشفى الإندونيسيّ ومستشفى كمال عدوان أصبحا خارج نطاق الخدمة تمامًا. الوضع قاسٍ جدًّا.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، في 21.5.24

تحديث: بعد ذلك بأيّام قليلة عادت شمس مهنّا وأفراد عائلتها إلى مخيّم جباليا للّاجئين. منذ 27.10.24 لم تتمكّن بتسيلم من التواصل معهم.

جرّاء القصف الذي حصل في 23.11.23 قُتِل كلٌّ من:

  1. زوجة عمّ شمس، ميرفت مهنّا (39 عامًا)، وأولادها:
  2. ليان نادر مهنّا (19 عامًا)
  3. شادي نادر مهنّا (13 عامًا)
  4. ريتال نادر مهنّا (11 عامً)
  5. تولين نادر مهنّا (سنتان)
  6. والد ميرفت، محمود عبد الهادي حمد (73 عامًا)
  7. زوجته سهام حمد (52 عامًا)
  8. زوجة شقيق ميرفت، فاتن حمد (45 عامًا). وابنتاها:
  9. مرام سعدي حمد
  10. مَلـَك سعدي حمد