35 عامًا، أمّ لستّة أولاد تتراوح أعمارهم بين 7-16 عامًا، روت عن إصابة زوجها جرّاء القصف أثناء مروره في الشارع، وكيف اضطُرّت إلى النزوح مع أولادها إلى مخيّم للمهجَّرين في جنوب القطاع من دونه، وعن اعتقاله بأيدي الجيش:
في بداية الحرب هربنا، زوجي شادي (37 عامًا) وأنا، مع أولادنا: ملك (16 عامًا) وسناء (14 عامًا) وخطّاب (13 عامًا) وفادي (11 عامًا) وسلسبيل (10 أعوام) وسليم (7 أعوام)، من منزلنا في حيّ الشجاعيّة بعد أن كانت هناك عمليّات قصف كثيفة بجوار المنزل. وصلنا إلى مخيّم للمهجَّرين في مدرسة في حيّ الزيتون، لكنّ الوضع هناك كان مُريعًا. كانت هناك أيضًا عمليّات قصف متواصلة، وكان الجميع في حالة من الذعر طوال الوقت. كنّا هناك نحو 30 شخصًا في غرفة صفّ. كان الأولاد خائفين جدًّا طوال الوقت ولم أتمكّن من فعل أيّ شيء. كان هناك نقص في الغذاء وكان الناس جائعين ولم تكن هناك كهرباء.
في يومنا الثالث هناك، خرج شادي لملء حاوية الغاز وأصيب من جرّاء قصف منزل بينما كان يسير في الشارع. أصيب بجروح بالغة وتمّ إخلاؤه إلى مستشفى الشفاء. علمتُ لاحقًا بأنّه عندما أحضروه إلى المستشفى ظنّوه في البداية جثّة ووضعوه في ثلّاجة الموتى لأنّه لم يتحرّك، وكانت عليه أيضًا لاصقة كُتبت عليها كلمة "شهيد"، وذُكِر هناك أنّ هويّته غير معروفة. لكن الحمد لله أن إحدى الممرّضات قد لاحظت أنّ لديه نبضًا وأجرت له تنفّسًا اصطناعيًّا وبقي على قيد الحياة.
أصيب بكسور في يده اليمنى ورِجله اليسرى وزرعوا له بلاتين في المستشفى، كما أصيب بحروق بالغة في جزء من جسمه واخترقت الشظايا جسمه، كما كان لديه جرح في الرأس لم يتمكّن الأطبّاء من تقطيبه. خضع لعلاجات وعمليّات جراحيّة لمدّة خمسة أيّام، ولم أتمكّن طوال هذا الوقت من زيارته لأنّ عمليّات القصف لم تتوقّف، سواء في حيّ الزيتون أو قرب مستشفى الشفاء. من حسن حظّنا أنّ أخاه سليمان كان معه في المستشفى.
بعد نحو 15 يومًا أعادوه إلى المدرسة بسيّارة إسعاف. واصل الأطبّاء الذين كانوا في المدرسة متابعة حالة شادي، لكن في تشرين الثاني أصبح البقاء هناك خطرًا جدًّا بسبب كلّ عمليّات القصف في المنطقة. قُتِل وجُرِح أناس كثيرون، فقرّرنا الرحيل والنزوح إلى جنوب القطاع. لم يكن لدينا كرسيّ متحرّك لزوجي، فقام إخوته بتمديده على فرشة وُضعتْ على سُلّم حديديّ، وهكذا حملوه إلى عربة يجرّها حصان. نقلتنا العربة حتّى حاجز "نتسريم" وكانت هناك حشود من الناس. اضطُررنا إلى الانفصال وفقدتُ الاتّصال مع زوجي وإخوته. عبرتُ أنا مع الأولاد ومع أخت زوجي آية (32 عامًا) وحماتي سناء (58 عامًا).
سرنا على الأقدام إلى مخيّم للمهجَّرين في مدرسة البريج، ومكثنا هناك ليلةً. في اليوم التالي واصلنا طريقنا إلى مخيَّم للمهجَّرين في مدينة خان يونس. فوجئتُ هناك بلقاء زوجة صهري، رندة (38 عامًا). قالت إنّها حاولت هي وزوجها المساعدة في تمرير زوجي عبر حاجز "نتسريم" في ذلك اليوم، وعندما لم ينجحا في ذلك، اهتمّا بأن يقوم شخص ما بإعادته بشكل آمن إلى حيّ الزيتون، وبأنّه تمّ أخذه إلى منزل جدّه شريف رجبي (85 عامًا).
لم أتمكّن من الوصول إليه عبر الهاتف إلّا بعد أسبوعين فقط، وقال إنّه بخير.
بقينا في المخيّم في خان يونس شهرًا. كانت تلك أيّامًا من الرعب والمعاناة اليوميّة. عندما سمعتُ أنّهم يهدّدون بمهاجمة هذه المنطقة أيضًا قرّرتُ المغادرة. أخذتُ الأولاد وهربتُ من هناك إلى رفح مع أفراد آخرين من العائلة، دون أن نأخذ أيّ شيء تقريبًا. لم تكن لدينا بطانيّات، وبالطبع لم يكن لدينا طعام ولا نقود لشراء أيّ شيء. نصبنا خيمة ونمنا فيها جميعًا معًا.
بعد وقت قصير من وصولنا إلى هناك علمتُ من أقاربي بأنّ الجيش الإسرائيليّ اقتحم حيّ الزيتون، حيث بقي زوجي. وقالوا إنّه انتقل للسكن لدى عمّه سمير، وإنّ الجنود اقتحموا المنزل هناك واعتقلوا سمير وسبعة من أبنائه وكذلك زوجي شادي. حتّى أمس لم أسمع أيّ شيء جديد من شادي. ثمّ اتّصل بي واحد من أبناء عمّ زوجي، جواد (17 عامًا)، والذي كان قد اعتُقِل وأطلِق سراحه أمس، وأخبرني بأنّه في يوم الاعتقال قام الجنود بإخراج جميع الرجال من المنزل وأمروهم بخلع ملابسهم، وبأنّهم أمروا جميع النساء بالذهاب جنوبًا. وأخبرني بأنّهم قيّدوا أيدي جميع الرجال بالأصفاد خلف ظهورهم، وعصبوا أعينهم بقطعة قماش، وضربوهم وسكبوا عليهم ماء باردًا. كان زوجي لا يزال مصابًا، وقال جواد إنّ الجنود ضربوه هو أيضًا. أخذوهم إلى سجن في القدس وتركوهم خلال الأيّام الثلاثة الأولى بدون طعام أو ماء. بعد ذلك زجّوا بهم في زنازين منفردة، ومنذ ذلك الحين لم يتمكّن جواد من معرفة المزيد.
أشعر بسوء فظيع لأنّني لا أعرف كيف حال شادي. لا أعرف ما هي الظروف التي يحتجزونه فيها وأنا أشعر بالقلق عليه. الأولاد أيضًا يسألون عنه طوال الوقت. روت لي ابنتنا الصغيرة، سلسبيل (10 سنوات) أنّها حلمت بأنّه ينام معنا في الخيمة. من الصعب جدًّا علينا أن نعيش بدونه، خصوصًا الآن في شهر رمضان. كان سندًا لنا ومنذ أن فصلوا بيننا أنا لا أتوقّف عن البكاء بسبب ما هو عليه، وأشعر بالأسى على نفسي أيضًا بسبب المسؤوليّة الثقيلة عن العناية بالأولاد في هذه الظروف الرهيبة. الوضع كارثيّ هنا. ليس لدينا طعام أو شراب. نحن نعيش على الطعام الذي توزّعه علينا المنظّمات الخيريّة.
أنا واثقة من أنّ شادي لا يزال مصابًا وأنّهم يواصلون تعذيبه في السجن الإسرائيليّ. حاولتُ أن أستفسر عن وضعه من خلال الصليب الأحمر، فقالوا إنّه من الصعب الحصول على معلومات عن المعتقلين من غزّة، وإنّه من الصعب التواصل مع الجيش الإسرائيليّ أساسًا. أدعو الله فقط أن يخلّصه من هذا كلّه وأن يعود إلينا. لقد مرّت ثلاثة أشهر منذ آخر مرّة رأيناه فيها. غدًا عيد ميلاده وسيكون ذلك يومًا صعبًا بالنسبة لنا جميعًا. اعتدنا أن نحتفل بعيده معًا ولكن هذا لن يحدث الآن.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 14.3.24