(29 عامًا)، أم لطفلة (5 سنوات)، من سكان بيت لاهيا، تحكي عن الترحال والحياة تحت الحصار، عن القصف الذي أصيبت فيه هي وابنتها (5 سنوات) وقُتلت والدتها وشقيقتان لها وعن قصف آخر قُتلت فيه شقيقتها الكبرى وأفراد آخرون من العائلة:
حتى اندلاع الحرب، كنت أعيش في بيت لاهيا مع ابنتي إيلياء (5 سنوات). زوجي، نادر عليان (31 عامًا) يعمل خارج قطاع غزة في الإمارات العربية المتحدة. في شقة بجوارنا، كان يعيش والداي، محمد (63 عامًا|) ونبيلة (54 عامًا) وشقيقتاي بيسان (31 عامًا) ومرح (26 عامًا). بيسان هي من ذوي الاحتياجات الخاصة. اثنان من أشقائي يعيشان خارج قطاع غزة، أحدهما في بلجيكا والآخر في تركيا. والدي متزوج من امرأة أخرى ولديهما معًا خمسة أولاد. في بداية الحرب، انضمت إلينا أختي خلود (35 عامًا) وزوجها، أيمن الزعانين (41 عامًا) وبناتهما ريتا (12 عامًا) وروزيت (9 سنوات) وأيلول (عامان) وإيلياء الرضيعة. انتقلت زوجة أبي الثانية مع أولادها إلى جنوب القطاع.
بعد بدء الحرب، وبسبب القصف الشديد، انتقلنا إلى منزل عمي الموجود خارج غزة وانتقلت عائلته إلى جنوب القطاع. يقع المنزل على بعد بضعة شوارع من منزلنا. في بداية كانون الأول 2023، فرض الجيش حصارًا على المنطقة. كنا 12 شخصًا محاصرين داخل المنزل لمدة 12 يومًا. توجهنا إلى الهيئات الدولية عبر الشبكات الاجتماعية بطلب للمساعدة، لكن الدبابات والجرافات حاصرت المنزل وقصفت كل ما حوله. بالكاد كنا نستطيع التحرك، كنا نذهب إلى الحمّام فقط. كنا بلا طعام ولا ماء. في أحد الأيام، رأيت من النافذة جرافة ضخمة ومن شدة الخوف تجمدت في مكاني ولم أستطع التحرك. بقيت في حالة صدمة لمدة يومين.
بعد أن غادر الجيش، عدت مع إيلياء ووالديّ وبيسان ومرح إلى منزلنا، الذي دمر بالكامل تقريبًا. عشنا هناك في ظروف صعبة للغاية. بقيت خلود وأيمن والبنات يعيشون في منزل العم. في 23.10.24، ذهب والدي لإحضار الماء من منزل العم فاعتقله الجيش الذي اقتحم المنطقة، هو وأيمن. أطلق سراحهما بعد بضعة أيام، ثم انضما إلى خلود والبنات اللواتي انتقلن في تلك الأثناء للعيش في غرب المدينة. في وقت لاحق، انضم والدي إلى زوجته الثانية وأطفالهما في جنوب القطاع.
بقيت في المنزل مع إيلياء وأمي ومرح وبيسان. خططنا للانتقال جنوبًا، لكن لم نتمكن من فعل ذلك بمفردنا، لذلك انتظرنا فرصة انتقال الأشخاص الذين كانوا يقيمون في المدارس في شمال القطاع، والتي تحولت إلى مخيمات للمهجرين، جنوبًا كي نتمكن من الانضمام إليهم. لم ننتقل بأنفسنا إلى إحدى تلك المدارس لأن بيسان لم تكن تستطيع التأقلم مع الظروف في الحمامات هناك. ذات يوم، قصف الجيش حارتنا فهربنا إلى منزل العم مرة أخرى.
في 30.11.24، في الساعة 16:00، كنا جالسين نأكل فسمعنا انفجارًا في الشارع. قالت أمي: "صلوا لكي نخرج من هذا سالمين". كانت مرح تتجول في المنزل وتصلي وبقيت أمي وبيسان جالستين بجوار مائدة الطعام. كانت إيلياء تقف بجانبي. فجأة تعرض المنزل للقصف. انهار كل شيء وامتلأ بالدخان والغبار والأنقاض. قُتلت أمي ومرح وبيسان. أصبت أنا وإيلياء.
لم يكن هناك من ينقلني أنا وإيلياء إلى المستشفى. أخذتنا ابنة عمتي، شيماء عليان، التي تعيش في منزل مجاور، إلى مدرسة في بيت لاهيا. من هناك تم إجلائي أنا وإيلياء على كرسي متحرك إلى عيادة ميدانية كنت أعمل فيها كمسعفة في بداية الحرب، وهناك تلقينا العلاج. أصيبت إيلياء بحروق من الدرجة الأولى والثانية في الوجه واليدين وإصابات في الرأس استدعت القُطَب. أصبتُ أنا بحروق من الدرجة الأولى في الوجه ومن الدرجة الثانية في الظهر واليدين.
لم يتمكنوا من انتشال جثتي أختي بيسان وأمي ولا تزالان تحت الأنقاض. تم انتشال جثة أختي مرح بصعوبة، تحت إطلاق النار. دفناها بجوار المدرسة.
في 4.12.24، أمرنا الجيش بإخلاء المدرسة وبعد فترة وجيزة، قبل أن نتمكن من المغادرة، قصف المنطقة. أصيب العديد من المهجرين واضطر كل من كان هناك إلى المغادرة، بمن فيهم نحن. كنت متعبة وجريحة ولا أعرف كيف وقفت على قدمي. أثناء سيرنا من شمال المدينة إلى غربها، اتصلت هاتفيًا بأختي خلود، التي كانت لا تزال في غرب المدينة مع زوجها وبناتها. مشينا كثيرًا، جرحى ونرتدي ملابس ممزقة تلقيناها من مهجرين في المدرسة. شعرت بالاكتئاب والحزن الشديدين، لأن أمي وأختي بقيتا تحت الأنقاض. ظللت أبكي طوال الطريق. كانت إيلياء مع ضمادات على الحروق في وجهها ويديها وكنت أعاني أيضًا من الحروق التي أصابتني في وجهي وظهري ويدي، وما زلت أتلقى العلاج حتى الآن.
وصلت إلى المنزل الذي كانت فيه أختي خلود في حالة صعبة للغاية. عندما التقينا، عانقتني خلود وإيلياء وسقطنا على الأرض، بكينا وتعانقنا لمدة نصف ساعة. بكى كل من كان في المنزل، من شدة الشوق ولأنني أنا وخلود فقط بقينا من بين الأخوات. عزينا بعضنا البعض وتقاسمنا الألم. منذ ذلك الحين بقينا معًا كل الوقت. خلود، الأكبر مني، هي تقريبًا كل ما تبقى من عائلتي بعد أن فقدنا أمي وأخواتنا.
في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، عدنا في الصباح إلى بيت لاهيا سيرًا على الأقدام للبحث عن جثتيّ أمي وبيسان تحت الأنقاض. عندما وصلت إلى المنزل المدمر، انهرت. صرخت وولولت، "أماه!". سمعني كل من كان في الشارع. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها المنزل بعد القصف ولم أصدق ما رأته عيناي. تألمت كثيرًا عندما وجدت بقايا الملابس التي كنت أرتديها في ذلك اليوم معلقة على عمود في المنزل، بعد أن تمزقت عني أثناء القصف. أدركت أنني أرى الحجارة التي سقطت على أختي مرح ودمها لا يزال هناك. في ذلك اليوم شعرت بالموت. بدأت أنا وخلود نبحث عن جثة أمي والدموع تنهال من أعيننا. تألمت لرؤية المكان الذي كانت تجلس فيه أمي، بجوار مائدة الطعام في المطبخ. وجدت المكان، ولكن أين أمي؟ أين بيسان؟ من المحتمل أنهما مدفونتان تحت الأنقاض، لأن منزلًا مكونًا من طابقين مع الكثير من الأثاث والمعدات انهار عليهما. لا توجد هنا الآن المعدات الثقيلة اللازمة لإخراجهما. حاولنا الحفر بأدوات يدوية وتمكنا من إحضار جرافة صغيرة أيضًا، لكننا لم نتمكن من العثور على جثتيهما أو أي بقايا لهما.
في بيت لاهيا، اكتشفنا أنه ليس منزلنا فقط هو الذي دُمر، بل جميع منازل عائلتنا تقريبًا. صُدمنا مما رأيناه، لم يتبق شيء تقريبًا. عاد والدي وعائلته الثانية أيضًا من جنوب القطاع بعد حوالي أسبوع من بدء وقف إطلاق النار. كنا جميعًا في بيت لاهيا، مرة أخرى. منزل أخي مجد الموجود في تركيا، والمكون من طابقين، كان لا يزال قائمًا في مكانه. قمنا بترتيبه وأقمنا في الطابق الأول منه أنا وإيلياء وخلود وزوجها أيمن وبناتهما. في الطابق الثاني كانت هنالك عائلتان: عمتي إلهام رجب (59 عامًا) وزوجها وأولادهما الخمسة، وعائلة عمي خالد عليان، وهم أيضًا سبعة أشخاص. إجمالاً، كان هناك 14 شخصًا. والدي وزوجته وأولادهما يعيشون في منزلهم الخاص. قام بترتيب غرفة ومطبخ وحمّام وعرض عليّ أن أعيش معه، لكنني رفضت لأنني أردت البقاء مع خلود.
في 24.3.25، في شهر رمضان، بعد أن تناولنا وجبة الإفطار وأدّينا صلاة المغرب، ذهبت خلود وزوجها إلى مستشفى العودة لإرسال بعض المستندات لأنه كان هناك كهرباء وإنترنت. بعد عودتهما، وقفنا نحن الاثنتين في المطبخ. كنت أحضر السندويشات وخلود كانت تحضر الشاي. كانت جميع الفتيات نائمات في الغرفة. وقفت أمام النافذة وفجأة رأيت نارًا حمراء اللون داخل المنزل، أمام وجهي. سقطت على الأرض وبدأت الحجارة تتساقط علي. انطفأت الأنوار وأصبح الجو مظلمًا. بدأت أتلو الشهادتين، لكنني اكتشفت أنني أستطيع التحرك. نهضت وركضت إلى غرفة الفتيات. وجدتهن يبكين، مصابات بخدوش وجروح، وكانت الغرفة بأكملها مليئة بأنقاض المباني والحجارة. أخرجتهن من المنزل. بدأ زوج خلود، الذي كان رأسه مغطى بالدماء، يسألني أين خلود. قلت له إنها كانت بجانبي وأنا متأكدة أنها بخير. قال: "لا، خلود موجودة هنا" وأشار إلى كومة من الحجارة. صدمت، ماذا يعني هنا؟ كانت بجانبي وأنا بخير، فكيف هي تحت الأنقاض؟ وصل أفراد الدفاع المدني والمسعفون أيضًا وبدأوا بمناداة خلود لكنها لم تجب. بدأوا بإزالة الأنقاض. لم أستطع فهم ما يحدث. لم أصدق. كنت متأكدة من أنهم لن يجدوا شيئًا، لأن خلود كانت بجانبي وهي بخير بالتأكيد. بقيت بجانبهم، مصدومة، حتى رأوا خصلة من شعرها، ثم أغمي علي.
استيقظت في المستشفى الإندونيسي على الكارثة الكبيرة، أن خلود قتلت. فقدتها هي أيضًا. كانت هذه صدمة قوية حتى أكثر من وفاة أمي وأختي الأخريين، لأنها كانت الوحيدة المتبقية لي. في ذلك اليوم قتلت خلود وعمتي إلهام رجب (59 عامًا) وحفيدتها تسنيم (سنة ونصف) وزوجة عمي، منال رجب (45 عامًا).
أصيب جميع أفراد الأسرة الآخرين الذين كانوا في المنزل بجروح طفيفة نسبيًا. وصل والدي إلينا مباشرة بعد القصف وبكى على خلود عندما ودعها في المستشفى. عدت إلى منزل جدي، الموجود أيضًا في بيت لاهيا مع إيلياء وأيمن وبناته. في صباح اليوم التالي دفنا خلود وبقية القتلى. كان الأمر صعبًا للغاية علينا جميعًا. منذ ذلك الحين أعيش في منزل جدي مع إيلياء. أيمن والبنات يستأجرون منزلًا في غرب مدينة غزة. أزورهم من حين لآخر أو يأتون إلينا. في كل مرة ألتقي بهم، أشعر أن قلبي يحترق. نجلس ونبكي. إنهن متعلقات بي جدًا. تقول لي أيلول الصغيرة على الهاتف: "من فضلك أخبريني إلى أين ذهبت أمي". قلبي مكسور. أنا العمة الوحيدة المتبقية لهن. أنا لا أستوعب ما حدث..
أريد أن أسافر إلى زوجي نادر في الإمارات العربية المتحدة. أريد أن أهرب من كل شارع وشارع هنا، من كل ذكرياتي. أشعر بالموت بسبب الذكريات. ولكن إذا سافرت، فلن يتبقى لبنات أخي أحد. اليوم كنت في فناء منزل والدي المدمر وتذكرت لقاءاتنا. تذكرت أصوات الحياة وضحكنا، أنا وأخواتي، وكيف كانت أمي تجلب لنا البذور والفشار. بدأت أرتجف وأبكي. عدت إلى السرير ونمت من شدة الألم والحزن. تقول لي إيلياء: "الحياة ليست جميلة بدون جدتي وبدون عماتي - أتمنى لو كن يعلمن أنني وصلت إلى سن رياض الأطفال". أريد أن أهرب من كل شيء، من كل الذكريات والأشياء التي مررت بها.
* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 12.4.25