(45 عامًا)، أب لسبعة، من سكان رفح، تحدث عن تهجيره واعتقاله وتعذيبه، عن الجوع والظروف القاسية التي عاشها خلال نصف عام قضاه مُعتقلًا في "سديه تيمان":
قبل الحرب، كنت أعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية وأسكن في الحي السعودي في مخيم الشابورة للاجئين في مدينة رفح، مع زوجتي وأولادنا السبعة: حلا (18 عاماً) وصالح (15 عاماً) ولانا (13 عاماً) والتوائم الثلاثة ياسر عرفات وأمين وإبراهيم (11 عاماً) ومحمد (سنتان وثلاثة أشهر).
منذ بدء الحرب، عانينا أنا وعائلتي من كل أنواع المعاناة: الجوع والعطش والخوف الدائم من القصف. في أيار 2024، بعد الاقتحام البري لرفح، بدأت رحلة تهجيرنا. اضطررنا إلى مغادرة المنزل ولم نأخذ معنا سوى الأغراض الضرورية فقط وانتقلنا للعيش في خيمة في منطقة المواصي في خان يونس. كانت الأوضاع هناك قاسية طوال الوقت: كان القصف متواصلاً وكنّا نعيش في خوف دائم. كنت أقف كل يوم في طوابير طويلة للحصول على الماء، ويومًا بعد يوم كنت أبحث عن الطعام لضمان تلبية احتياجاتنا الأساسية، على الأقل.
بقينا على هذا الحال حتى 30.1.25، ثم سمعنا أن الناس بدأوا بالعودة إلى الحي السعودي في رفح. كنا مرهقين من العيش في خيمة في مخيم المهجرين. ورغم عِلمِنا بأن الأمر سيكون خطيراً، قررنا العودة إلى رفح، على أمل أن يكون الوضع أفضل قليلاً. انتقلنا إلى حي تل السلطان. بمجرد وصولنا، سمعنا صوت القصف وطائرات الكوادكوبتر التي كانت تحلق فوق المنازل وإطلاق النار المتواصل.
في 23.3.25، طوّق الجيش حي تل السلطان ووزع منشورات تأمرنا بالانتقال إلى الحي السعودي، الذي يقع غربه. لكن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على مجموعة من المهجرين الذين سبقونا إلى هناك: قُتل شابان وأصيب آخرون. أثار هذا الحادث خوفًا كبيرًا وخلق فوضى بين المهجرين. كنا خائفين جدًا من أن يطلقوا النار علينا أيضًا إذا امتثلنا للمنشورات الإسرائيلية. لم نكن نعرف إلى أين نذهب وإلى أين نتجه، ولم يكن هناك من يرشدنا - لم يكن هناك أفراد من الصليب الأحمر أو أي جهة أخرى. واصلنا السير حتى وصلنا إلى مسجد الطيبة. كنا منهكين ومتعبين، خاصة النساء والأطفال. استرحنا قليلاً وقررنا مواصلة السير نحو براكيات وخيام وكالة الأونروا في شمال الحي السعودي. في الطريق، صادفنا دبابات وجنود الجيش الإسرائيلي، فتوقفنا. بعد 15 دقيقة، أمر الجنود النساء والأطفال بالوقوف بعيداً عن الرجال، ثم المضي وحدهم إلى منطقة المواصي في خان يونس. أما نحن، الرجال، فقد أبقونا هناك.
بعد ذلك، أمرونا بالدخول إلى جهاز فحص، مثبتة عليه كاميرا، وكان علينا النظر إليها. دخل أمامي خمسة شبان، بعضهم اعتُقل وبعضهم أطلق سراحه. عندما دخلت، أمرني الضابط بالسير نحو الجنود. أخذوا بطاقة هويتي وتحققوا من اسمي، وأمروني بالجلوس على الأرض: سمعت الجنود يقولون للرجال الآخرين "يلا، اذهب!" باللغة العربية.
بقيت هناك، وأمرني أحد الجنود بخلع ملابسي ووضعها مع أغراضي في كيس أسود أعطاني إياه، وارتداء بذلة (أوفرول) بيضاء. كان الجو بارداً جداً. قيّد الجنود يديّ إلى الخلف وغطوا عينيّ وعيون بعض المعتقلين الآخرين ثم أدخلونا إلى حفرة. في الحفرة، ضربنا الجنود بأسلحتهم وشتمونا... ظننا أننا سنموت في تلك الحفرة.
ثم سمعت صوت سيارات جيب. كنا حوالي 30 معتقلاً، ألقوا بنا في سيارتين عسكريتين وهناك بدأت رحلة تعذيبنا الحقيقية. كانوا يضربوننا بشدة طوال الرحلة، حتى وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم). عندما وصلنا، فوجئنا برؤية إسرائيليين يرتدون ملابس مدنية إلى جانب الجنود. أنزلونا من الجيبات وهم يركلوننا، أثناء ذلك. فتحوا سحّابات ملابسنا وألقوا بنا على الأرض ووجوهنا إلى الأرض وبطوننا مكشوفة، ثم ضربونا وشتمونا. بقينا هكذا لمدة ساعتين تقريباً، في البرد.
أعادوا نقلنا إلى سيارات الجيب التي نقلتنا إلى مكان لا أعرف اسمه، وهناك بدلنا البدلات البيضاء. قالوا لنا إن وحدة النقل ستنقلنا من هناك. نقلونا إلى حافلة كانت في حالة سيئة للغاية، بدون مقاعد وغير صالحة لنقل البشر. طوال الرحلة، كانوا يضربوننا على رؤوسنا بالعصي. في مرحلة ما، فقدت الوعي للحظة واستيقظت عندما ضربوني على كتفي. كانوا يشتموننا طوال الوقت ويشتمون أمهاتنا ونساءنا وبناتنا. راح أحد الجنود يغني شيئًا لم أفهمه ثم أجبرنا على ترديد الغناء خلفه، ولم يكن لدينا خيار سوى محاولة غناء ما غنّاه.
في النهاية، توقفت الحافلة عند سجن وأنزلونا منها. لم أكن أعرف إلى أي سجن وصلنا، لكن اتضح لي لاحقاً أنه كان معتقل "سديه تيمان". قابلنا طبيباً كان من المفترض أن يفحصنا، لكنه بدلاً من ذلك شتمنا واستخدم عبارات غير إنسانية لإهانتنا، أجد صعوبة حتى في تكرارها.
بعد ذلك، أجبرونا على خلع الملابس التي كنا نرتديها وأعطونا بدلاً منها ملابس رياضية (تريننغ) رمادية اللون. من اللحظة التي ارتدينا فيها هذه الملابس الرياضية، بدأت مرحلة أخرى من رحلة تعذيبنا.
كانت الساعة حوالي الساعة 2:00 صباحاً حين أخذونا إلى غرف الاعتقال. نزع الجنود الأصفاد عنّا وأحضروا لنا القليل من الطعام: قطعة خبز وقطعة جبن، لأننا كنا في شهر رمضان.
كنت آمل أن نتمكن من النوم لساعات كافية ونرتاح من الضرب الذي تعرضنا له، ولكن في الساعة 4:00 صباحاً أيقظونا وأبلغونا أنه سيتم إجراء عدّ في الساعة 4:30 من كل صباح وأنه سيُسمح لنا بالنوم في الليل فقط، من منتصف الليل. كنا منهكين تماماً وبالكاد كنا نستطيع التنفس من شدة الضرب الذي تعرضنا له.
في الساعة 7:00 صباحاً، قيدوا أيدينا مرة أخرى وأخذونا إلى غرفة التحقيق التابعة لـ"جهاز الأمن العام" (الشاباك). لم أكن أعرف سبب اعتقالي. عندما بدأ التحقيق معي، جاء ضابط قدم نفسه على أنه "أبو علي". قال لنا: "أنتم هنا أسرى حرب، أيها الكلاب".
قال لي إننا قتلنا زوجته وأطفاله. سألته: كيف ولماذا؟ فأجاب: "كل غزة ميتة. لن نُبقي منكم أحدًا".. قلت له إنني موظف في السلطة ولا علاقة لي بالفصائل. فرد عليّ قائلاً: "جميعكم إرهابيون. حماس وفتح. سندفنكم. لا يوجد صليب أحمر ولا منظمات إغاثة، لن يسأل أحد عنكم. أنتم غير معروفين في أي مكان".
كنا نتمنى الموت هناك. تعرضنا لتعذيب شديد. كان تعامل الجنود والجنديات معنا سيئًا للغاية. كانوا يشتموننا بألفاظ بذيئة. بالكاد كانوا يسمحون لنا بالاستحمام، وعندما يسمحون لنا بذلك، كان ذلك لمدة دقيقتين فقط. لم نغير هذه الملابس الرياضية لأكثر من شهرين. كانت ملابسنا متسخة للغاية، لدرجة أننا اضطررنا إلى غسلها وارتدائها وهي مبللة، حتى في برد الشتاء. كنا مضطرين إلى ارتداء نفس الملابس الرياضية، لأنه لم يكن لدينا ملابس أخرى لنبدّلها.
كان أفراد الوحدة الخاصة يقتحمون الغرف بحجة أنهم يجرون تفتيشًا، ثم يلقون قنابل صوتية في داخلها ويصرخون ويلعنوننا، نحن وعائلاتنا، ويضربوننا. كانوا يضربوننا ضربًا مبرحًا. بسبب الضرب الذي تعرضت له، تأذت قدرتي على السمع وأصبحت أعاني من طنين في أذنيّ.
أجبرونا على الركوع على رُكبنا ورفع أيدينا في الهواء لساعات. كان الجلوس في هذه الوضعية لفترة طويلة يسبب لنا آلامًا لا تطاق ووخزًا في الساقين. بعد ذلك كانوا يجرّوننا إلى خارج الغرفة، على الأرض، مرة أخرى بحجة إجراء تفتيش، ويهينوننا ويضربوننا من جديد، وأحيانًا في المناطق الحساسة. ومن الطرق الأخرى التي استخدمها الجنود لإذلالنا وإرهابنا ـ الضغط بقوة على كليتينا بعصا، مما كان يتسبب لنا بألم شديد.
عندما كان أحد السجناء يشكو من الألم ويطلب مسكنات للألم، كان الجنود يجيبون: "اشرب ماء"، وهذا كل شيء. وهكذا، قضينا كل أيام اعتقالنا في معتقل "سديه تيمان"، نتعرض للضرب والإذلال يومياً ونأكل قليلاً جدًا من الطعام في حالة سيئة للغاية، يتكون من التونة والبيض المعلب والبطاطا المسلوقة والمعكرونة والتفاح والخبز المقطع.
طوال فترة الاعتقال كلها، لم نرَ ضوء الشمس تقريبًا. كنا محبوسين في غرف أو بركسات طوال اليوم، ولم يُسمح لنا بالخروج إلا لمدة 10 دقائق في اليوم. كنت أنام على فرشة صلبة وقذرة وكانت لدي بطانيتان رقيقتان لأغطي نفسي بهما. بسبب الظروف القاسية، أصبتُ أنا والعديد من السجناء الآخرين بتلوثات فطرية.
استخدمنا نفس الفرشات والبطانيات القذرة والكريهة طوال فترة الاعتقال. كانت الرائحة لا تطاق. كانت الغرفة أيضاً قذرة وكريهة الرائحة. مرت علينا أيام وشهور صعبة للغاية: معاملة سيئة، ضرب، إهانة، تعذيب نفسي، قلة نوم وقلة راحة دائمة.
في الشهر الأخير من اعتقالنا، أحضروا لنا أدوية مضادة للفطريات وزادوا حصصنا من الطعام وتحسنت معاملتهم لنا قليلاً ـ لم نكن نعرف سبب هذا التغيير.
في اليوم الأخير لنا في مركز الاعتقال، أحضروا لنا الطعام وأمرتنا الجنديّة بأن نأكل ونصلي ونذهب إلى الحمام بسرعة. امتثلنا لأوامرها. بعد ذلك أمرتنا بالاستلقاء على بطوننا، ثم النهوض، ثم بدأوا بتصويرنا. أثناء التصوير سألوا كل واحد منا عن اسمه واسم أمه واسم أبيه.
في تلك الليلة، 10.10.25 حوالي الساعة 23:00، سمعنا نباح كلاب وظننا أنهم ينقلون معتقلين من السجن. وصل أفراد من وحدة تابعة لمصلحة السجون ونقلونا، وهم يضربوننا ويهينوننا ويعذبوننا بينما كانت الأصفاد الموضوعة على أيدينا مشدودة إلى أقصى حد. سافرنا حوالي ساعتين ونصف الساعة إلى سجن آخر، لم نكن نعرف أي سجن. وصلنا إلى هناك في الساعة الرابعة صباحًا، وما أن نزلنا من الحافلة، حتى هاجمتنا الكلاب. بعد ذلك، نقلونا من مكان إلى آخر، حتى أدركنا أننا في سجن النقب (كتسيعوت). احتُجزنا هناك لمدة يومين، ثم أخبرنا أفراد "جهاز الأمن العام" بأنه سيتم الإفراج عنّا في المساء.
جاء ممثل للصليب الأحمر من نابلس وقال لنا: "لقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وأنتم من ضمن المجموعة الأولى التي سيتم الإفراج عنها من الاعتقال". أخذوا بصماتنا. عندها فقط أدركنا أنه سيُطلق سراحنا بالفعل. كانت فرحتنا عارمة. لم نكن قادرين على تصديق أن هذا يحدث بالفعل. سجدنا لله شكراً له وبكينا من شدة الفرح.
في يوم الاثنين الموافق 13.10.25، حوالي الساعة الرابعة صباحاً، أمرونا بالاستعداد للخروج الفوري. قيّدونا بالأصفاد وركبنا الحافلة. أثناء الرحلة بالحافلة، ضربنا أفراد مصلحة السجون وتعرضوا لنا بالإساءة. استمر هذا طوال الرحلة، حتى وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم في الساعة 12:00 ظهراً. هناك، أزالوا الأصفاد عنا وبدأنا بالسير على الأقدام، حتى التقينا بممثلي الصليب الأحمر. عندها فقط شعرنا بالأمان وأدركنا أنه قد أُطلق سراحنا من السجن بالفعل.
تم اعتقالي وإطلاق سراحي دون اتهامي بأي شيء. كانت الأيام التي قضيتها في "سديه تيمان" هي أصعب أيام حياتي.
كنت سعيدًا جدًا برؤية زوجتي وأولادي وعائلتي - كانوا جميعًا على قيد الحياة، لكن في حالة سيئة للغاية. كانوا هزيلين ووجوههم شاحبة. كان الدمار منتشرًا في قطاع غزة. فوجئت عندما اكتشفت عدد الأشخاص الذين قُتلوا في الحرب، بمن فيهم أصدقائي وجيراني.
على الرغم من كل شيء، شكرتُ الله أنني خرجت من السجن حياً، دون إصابات خطيرة أو إعاقة. لكنني لا أستطيع أن أنسى التعذيب والإرهاب والإهانات والألم الذي عانيته، والإصابات التي لحقت بجسدي وأذني. أنا أعاني اليوم من ضعف في الذاكرة، من عدم التركيز والأرق والإرهاق المستمر، وحالتي النفسية سيئة للغاية بسبب التجارب القاسية التي مررت بها في السجن.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 26.10.25