Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

حنان صالح

حنان صالح

( 07 آذار 2024 )

47 عاماً، أمّ لسبعة، من سكّان مدينة غزّة، تحدّثت عن القصف الذي جُرحت جرّاءه وثكلت خمسة من أولادها واثنين من أحفادها، كما عن حياتها في مخيّم المهجَّرين في رفح

حتى اندلاع الحرب كنت أقيم مع أولادنا محمد (24 عاماً) وعماد (23 عاماً) وبيسان (20 عاماً) وأكرم (19 عاماً) ونور (11 عاماً) في بناية قرب دوّار أبو مازن في مدينة غزّة. ابني الرابع مصعب (26 عاماً) متزوّج ويقيم مع زوجته آية (26 عاماً) وابنتهما جوليا (ثلاث سنوات ونصف) في شقة في حيّ تل الهوى، قبالة مستشفى القدس. ابنتي أفنان (27 عاماً) متزوّجة أيضاً وتقيم في دير البلح مع زوجها وولديهما مجد (5 سنوات) ورنين (سنة ونصف)، لكنّهم انتقلوا للسّكن عندنا في ثاني أيّام الحرب.

في اليومين الأوّل والثاني للحرب كنّا نسمع القصف دون توقّف وعشنا أوقاتاً صعبة للغاية. في اللّيل كنّا نختبئ تحت الدّرج. في 13.10.23 أمر الجيش جميع سكّان شمال القطاع بالانتقال جنوباً، فانتقلنا جميعاً في اليوم نفسه إلى دير البلح، بمن فينا ابني وابنتي المتزوّجان مع أسرتيهما. استأجرنا شقّة في بناية مؤلّفة من ثلاثة طوابق.

في 9.11.23، نحو السّاعة 12:30 ظهراً، كنت مع حفيديّ جوليا ومجد على الشرفة وكان بقية أفراد العائلة في داخل الشقّة يستعدّون لوجبة الغداء. فجأة شعرت بجسمي يطير في الهواء ثمّ وقعت أرضاً. كذلك تهاوى كلّ من جوليا ومجد على الشرفة وامتلأ المكان بالغبار والركام. كذلك انتشر دخان كثير وشممت رائحة حريق. شعرت أنّ كتفي قد خُلعت ولم أقدر على الحركة أو النهوض. بعد ذلك شعرت بأنّ البناية تنهار تحتي حتى أصبح الطابق الثالث في مستوى الطابق الأوّل.

وصلت سيّارات إسعاف وأخلتني وأخلت جوليا إلى المستشفى. مجد، الذي كان معنا، قُتل أثناء القصف. في المستشفى التقيت ولديّ عماد وأكرم وكانا بخير. بعد ذلك جلبوا جثامين بقيّة أفراد أسرتي. أبنائي وبناتي وأحفادي، محمد ونور وبيسان، أفنان وولديها مجد ورنين، ثمّ مصعب وزوجته آية. جميعهم قُتلوا جرّاء القصف. عندما رأيت جثامينهم جُنّ جُنوني ولم أكن قادرة على الحركة والاقتراب منهم. أصابتني شظايا في يدي اليسرى وعدّة جُروح في رجليّ، وتبيّن أنّ كتفي قد خُلعت حقّاً. لم يتبقّ من عائلتي على قيد الحياة سوى أنا وولديّ عماد وأكرم وحفيدتي جوليا. الآن أنا بمثابة أمّها وأبيها، بعد أن قُتل والداها دون ذنب اقترفاه.

البناية التي استأجرنا فيها شقّة تهاوت تماماً في أعقاب القصف وقُتل فيها نازحون آخرون كانوا قد استأجروا فيها شققاً. قُتل أيضاً جيران يُقيمون في البنايات المجاورة.

انتقلنا من المستشفى إلى مستشفىً آخر، ثمّ انتقلت مع من بقي على قيد الحياة من عائلتي إلى مدرسة في منطقة الزوايدة تمّ تحويلها إلى مستشفىً ميدانيّ. مكثنا هناك نحو شهرين، ثمّ بسبب كثافة القصف اضطُررنا أن نفرّ من هناك أيضاً. انتقلنا إلى مخيّم للمهجّرين في رفح، ومنذ ذلك الحين ما زلنا نقيم في خيمة هنا. حياتنا صعبة جدّاً إذ اختُزلت إلى مجرّد وقوف لا ينتهي في طوابير - لدخول المرحاض، لتوزيع الخبز، والماء. الاكتظاظ في المخيّم مُريع، وفي داخل مبنى المدرسة دُخان كثيف بسبب إشعال مواقد للطبيخ والخبيز في الدّاخل.

ما يُبقينا على قيد الحياة حاليّاً هو الأمل في أن تنتهي الحرب قريباً، أن نتخلّص من المعاناة التي نعيشها يوميّاً، وأن نصحو ذات يوم من هذا الكابوس.

جوليا تسألني طوال الوقت عن والديها، وهي ما زالت تنتظر عودتهما. أنا أيضاً أفتقدهما كثيراً إذ كانت علاقتنا متينة جدّاً وكنّا نقضي معاً أوقاتاً كثيرة. لن يعودا أبداً ولذلك أبكيهما كثيراً وأبكي أولادي وأحفادي الآخرين.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صبّاح في 7.3.24