Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

آلاء الكُرد

آلاء الكُرد

( 30 تشرين الثاني 2023 )

29 عاماً، أمّ لثلاثة، حدّثت عن رحلة العذاب التي تعيشها أسرتها منذ اضطرّت إلى النزوح عن منزلهافي مخيّم جباليا للّاجئين:

آلاء الكُرد مع اثنين من أولادها، عبد الكريم (5 سنوات) وبتول (6 سنوات). تصوير: ألفت الكُرد، بتسيلم، 30.11.23
آلاء الكُرد مع اثنين من أولادها، عبد الكريم (5 سنوات) وبتول (6 سنوات). تصوير: ألفت الكُرد، بتسيلم، 30.11.23

أنا متزوّجة من حسن الكُرد (36 عاماً) ولدينا ثلاثة أولاد: علي (8 سنوات) وبتول (6 سنوات) وعبد الكريم (5 سنوات). حتى اندلاع الحرب كنّا نُقيم في مخيّم جباليا للّاجئين. تركنا منزلنا منذ اليوم الأوّل للحرب، لأنّنا خفنا من ردّ فعل إسرائيل في أعقاب هجوم مسلّحي حماس، بناءً على تجاربنا في الحروب السّابقة. في البداية انتقلنا إلى منزل والديّ في مخيّم الشاطئ للّاجئين، بينما ذهب حسن إلى منزل شقيقته غادة في مدينة غزّة.

ولكن في منزل والديّ أيضاً كان الوضع صعباً ومُخيفاً. طوال الوقت إطلاق نار وقصف من كلّ الاتّجاهات. شعرنا بأنّنا مطوّقون بحزام من النار. شدّة القصف كانت فوق أيّ تصوّر، أكثر بكثير ممّا في الحروب السّابقة. إضافة إلى ذلك عانينا من نقص الماء والكهرباء. لم نستطع شحن هواتفنا ولذلك لم نتمكّن من التواصُل مع الآخرين. كنّا نستخدم الحطب للطّبخ والخَبز.

كان أولادي خائفين كثيراً من دويّ القصف، حتى أنّ عبد الكريم وبتول أصبحا يبولان في ملابسهما ممّا اضطرّني إلى استخدام حفاضات. علي كان مرعوباً طوال الوقت.

نثر الجيش الإسرائيليّ منشورات في المنطقة كُتب فيها إنّ علينا الانتقال جنوباً، إلى ما وراء وادي غزّة. في 28.10.23 جاء زوجي ليزورَنا وكان ذاك لقاؤنا الأوّل معه منذ أن تركنا منزلنا. صرنا نفكّر سويّة مع والديّ أنّه ربّما من الأفضل لنا أن نغادر وننتقل إلى الجنوب.

في مساء اليوم نفسه، نحو السّاعة 23:00، اتّصل أحدهم من الجيش الإسرائيليّ مع والدتي (آمال، 47 عاماً) وقال لها إنّنا مُجبرون على الخروج من المنزل، وطلب منها أن تُبلغ الجيران بذلك. خفنا على حياتنا فغادرنا المنزل فوراً دون أن نأخذ معنا شيئاً. لم نأخذ حتى ملابس، ناهيك عن حاجيّات ضروريّة أخرى، لأنّه كان يتوجّب علينا السّير على الأقدام ففضّلنا أن لا نُثقل على أنفسنا. في البداية ذهبنا إلى مدرسة وكالة الغوث في مخيّم الشاطئ ظنّاً منّا أنّه يمكننا الاختباء هناك عوضاً عن الانتقال إلى الجنوب ومعنا جميع الأولاد. كانت المدرسة تعتبر مكاناً آمناً نسبيّاً. في اللّيلة الأولى بتنا على درج المدرسة لأنّنا لم نجد مكاناً شاغراً آخر.

في اليوم التالي نصبنا في ساحة المدرسة خيمة من قطع نايلون وآوينا إليها جميعاً، مع والديّ وإخوتي وعائلاتهم. كان مجموعنا 16 شخصاً. بقينا في هذه الخيمة مدّة ثلاثة أسابيع. وكان القصف متواصلاً نحو المدرسة، والظروف المعيشيّة بائسة حقّاً. لم يكن هناك ماء ولا كهرباء. الدخول إلى المرحاض يقتضي الوقوف في طوابير طويلة جدّاً، وكنت في كلّ مرّة أنتظر مع الأولاد مدّة ساعة. لم يكن هناك طعام أيضاً. غالباً كنّا نأكل المعلّبات والعدس، بعد أن نطبخه على الحطب.

استمر القصف كل الوقت، 24 ساعة في اليوم. كانت الشظايا تسقط في داخل المدرسة وكان النوم مستحيلاً. في مرحلة ما غادر المدرسة أناس كثيرون وذهبوا إلى عيادة وكالة الغوث، قبالة المدرسة، لأنّهم ظنّوا أنّ المكان هناك أكثر أمناً. لكنّ الليلة التي أمضيناها هناك كانت من أفظع اللّيالي التي مرّت عليّ. في تلك اللّيلة قصف الإسرائيليّون الطابق الرابع من العيادة. استُشهد بعض الأشخاص وأصيب آخرون. رأيت حريقاً يندلع في الطابق الرّابع.

في الصّباح شاهدنا دبّابة عند باب المدرسة، التي كنّا فيها من قبل. أمرنا الجنود أن نترك العيادة وننتقل إلى الجنوب من وادي غزّة. أدخلوا إلى العيادة كلباً وقد ركّبوا عليه كاميرا. تجوّل الكلب بضع دقائق ثمّ خرج. بعد ذلك فصلوا النساء والأولاد في طابور والرجال في طابور آخر وأمرونا بأن نخرج وأيدينا مرفوعة. احتجز الجيش عدداً من الرّجال.

في البداية انتقلنا جميعاً، 16 شخصاً، إلى مدرسة النصر في الجهة الشرقيّة من مخيّم الشاطئ. لكنّ القصف هناك كان كثيفاً جدّاً فانتقلنا في اليوم نفسه إلى كلّية غزّة في شارع الجلاء في مدينة غزّة وبقينا فيها مدّة يومين. هناك تلقّينا طرود مؤن من وكالة الغوث، وكان هناك ماء وكهرباء، ولكن حين اشتدّ القصف هناك أيضاً قرّرنا أن نغادر. انتقلنا إلى منزل شقيقتي عبير (25 عاماً) في حيّ الزيتون. بقينا هناك مدّة أسبوع حتى قُصف منزل مجاور وتحطّم جرّاء ذلك زجاج نوافذ منزلها. في ذلك اليوم قرّرنا أن نرحل إلى وادي غزّة.

في 17.11.23 خرجنا من المنزل عند السّاعة 7:30 صباحاً وغادرنا سيراً على الأقدام. في السّاعة 8:30 وصلنا إلى حاجز "نتسريم" وهناك أمرنا الجنود أن نرفع بطاقات هويّاتنا ونسير ببُطء دون أن نلتفت يميناً أو يساراً. من كثرة الناس هناك ربطت أيدي أولادي بكوفيّة لكي لا يضيعوا منّي. المعاملة في الحاجز كانت مُهينة. أجبرنا الجنود على الوقوف طيلة ساعات دون حراك ودون أن يسمحوا لنا بالجلوس. فقط عند السّاعة 13:30 سمحوا لنا بالتحرّك فخرجنا من البوّابة الإلكترونيّة عند مدخل الحاجز العسكريّ.

عندئذٍ نادى الجنود أخي سليم (24 عاماً). كان سليم يحمل حمدي (10 سنوات) ابن شقيقتي إسراء، لأنّ الطفل يعاني من شلل دماغي ويستعين عادةً بكرسيّ عجلات. ناول سليم حمدي لشخص آخر وذهب إلى الجنود.

أمرنا الجنود بأن نواصل السّير. عندما خرجنا من الحاجز صعدنا على عربتين يجرّهما حماران وتوجّهتا بمعظمنا إلى مخيّم النصيرات للّاجئين، إلى منزل أقارب لنا، فيما ذهب ثلاثة منّا إلى منزل عائلة أخرى. في النصيرات، بتنا في غرفة داخل بيّارة في منطقة المغراقة. هناك أيضاً وقع قصف وكان المكان مخيفاً ومعزولاً. انضمّ سليم إلينا هناك. قال لنا إنّ الجنود استجوبوه طوال ساعتين ومن ضمن الأسئلة سألوه ماذا فعل في 7 أكتوبر. قال لهم إنّه كان منشغلاً بالتحضيرات لعُرسه الذي كان يُفترض أن يقيمه في 11 أكتوبر.

بقينا هناك مدّة تسعة أيّام. كنّا 13 شخصاً محشورين في غرفة واحدة، كالسّردين. عندما هطل المطر تسرّبت المياه إلى الغرفة. كانت نقاط الماء تنزل من السّقف. كان القصف من حولنا شديداً إلى درجة أنّنا كنّا في كلّ يوم على يقين من أنّنا لن نعيش لنشهد اليوم التالي. لم تكن لدينا بطّانيات كافية وملابس دافئة، ولا ما يكفي من الطعام. كدنا نموت جوعاً وبرداً. لا أعلم كيف بقينا أحياء.

في 27.11.23 كان القتال أخفّ وطأة فاغتنمنا الفرصة وخرجنا من هناك، لأنّنا أدركنا أنّه لا يمكننا تأجيل ذلك أكثر. أتينا إلى هنا، إلى مركز إيواء النازحين في مركز التأهيل التابع لوكالة الغوث في خان يونس. هنا التقيت بشقيقتيّ زوجي، غادة وألفت الكُرد، اللتين كانتا تقيمان في خيمة واحدة. انضممت مع حسن والأولاد إلى خيمتهما. فرحت كثيراً للقائهما لأنّ التواصُل بيننا انقطع منذ أن بدأت الحرب ولم أعرف حتى ماذا جرى لهُما - هل هنّ على قيد الحياة، هل قُتلتا أو جُرحتا، أو ربّما هما عالقتان تحت الأنقاض. في مركز الإيواء التقيت أيضاً أخي شادي وأسرته. وضعهم جيّد والحمد لله.

اليوم، بعد مضيّ ثلاثة أيّام في مركز الإيواء، يُفترض أن نحصل على خيمة خاصّة بنا. لقد مرّت خمسون يوماً منذ أن اضطُررنا إلى النزوح عن منزلنا. خمسون يوماً ونحن نفرّ من وجه الموت! جميعنا متأثرون من جرّاء ذلك. نكاد لا ننام تقريباً بسبب القصف المُخيف. الوضع هنا أهدأ قليلاً وأنا أحاول التجرّؤ على إغماض عينيّ والاستسلام للنّوم.

أتمنّى أن لا نضطرّ الآن إلى النزوح مرّة أخرى، وأن تتوقّف هذه الحرب ويوقف جيش الاحتلال الإسرائيليّ عدوانه على قطاع غزّة.

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 30.11.23، وهي شقيقة زوج الشاهدة.