Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

إبراهيم حسّونة

إبراهيم حسّونة

( 29 شباط 2024 )

30 عامًا، من مخيّم جباليا للاجئين، روى كيف نزحت عائلته، مرّةً تلو الأخرى، في محاولة للعثور على مكان آمن، إلى أن قُصِف المخزن الذي كانوا يقيمون فيه في رفح فقُتِلوا جميعًا، باستثنائه هو:

قبل الحرب كنتُ أسكن مع والديّ فوزي وسوزان، وأخي كرم وزوجته أمّونة وابنتيهما التوأمان، سوزان وسيدرا، البالغتين من العمر خمس سنوات، وأخي الأعزب محمّد.

في اليوم الثالث من الحرب، كان هناك الكثير من إطلاق النار وعمليّات القصف في منطقتنا. بقينا من الظهر حتّى المساء في مطلع الدرج. كانت تلك ساعات صعبة ومروِّعة. وفي اليوم التالي، عندما هدأ إطلاق النار، قرّرنا مغادرة المنزل وانتقلنا إلى منزل عمّي، رفيق حسّونة، في حيّ تل الهوى في مدينة غزّة. لكن، في ذلك اليوم كان هناك أيضًا إطلاق نار وعمليّات قصف في حيّ الرمال وقرب حيّ تل الهوى، استمرّت حتّى ساعات الصباح الأولى. لم ننم في الليل على الإطلاق، وكان الوضع هناك أكثر رعبًا منه في منزلنا.

في اليوم التالي انتقلنا إلى منزل أختي في برج في شارع الصحابة في مدينة غزّة. بقينا لديها ثلاثة أيّام، وفي اليوم الثالث قصف الجيش الإسرائيليّ طابقين من البرج. عدنا إلى منزل عمّي ثانيةً وبقينا هناك يومين. وفي اليوم الثاني، قصفوا منزلًا مجاورًا ولحقتْ أضرار بمنزل عمّي أيضًا: تضرّرت الحيطان وتحطّمت النوافذ. أصيب عدد من أفراد العائلة بجروح طفيفة بسبب شظايا الزجاج. غادرنا مرّة أخرى وانتقلنا هذه المرّة إلى منزل أصدقاء لنا في وسط القطاع. بقينا هناك ليلة واحدة ثمّ غادرنا ثانيةً، لأنّه كانت هناك أيضًا عمليّات قصف وإطلاق نار.

من هناك انتقلنا إلى منزل عمّي فارس حسّونة في مدينة الزهراء، بجوار أبراج الزهراء. لكن في تلك الليلة قصفوا الأبراج ودمّروها بالكامل. بقينا طوال الليل تحت درجات المنزل. بقينا هناك في المنزل لمدّة شهر، فيما تحوّلت مدينة الزهراء إلى مدينة أشباح من حولنا. بعد ذلك قصفوا بالمدفعيّة مزيدًا من الأبراج في المنطقة، وأصابت قذيفة مدفعيّة منزل عمّي. سقط جزء من الحائط على ظهري وأصابني بجروح.

في 5.11.23، غادرنا منزل عمّي ونحن نرفع علمًا أبيض وذهبنا إلى النصيرات. من هناك انتقلنا إلى منزل عمّ آخر لي، في شارع شراب في خانيونس، وبقينا هناك حتّى 9.12.23، ثمّ غادرنا مرّة أخرى لأنّ المنطقة تعرّضت للقصف وتضرّر المنزل. شعرنا بأنّ خانيونس خطرة وانتقلنا إلى رفح. بحثنا عن منزل، شقّة أو حتّى مخزن لكي نستأجره، أيّ مكان يمكننا النوم فيه، لكنّنا لم نعثر على أيّ شيء واضطررنا إلى النوم في سيّارتنا. نام أبي وأمّي وزوجة أخي أمّونة وبنتاهما في داخل سيّارة، وجلستُ أنا وإخوتي طوال الليل على الرصيف. بقينا على هذه الحال يومين حتّى وجدنا مخزنًا للإيجار مقابل 2,000 شيكل شهريًّا، فأخذناه. لم يكن ذلك المكان مناسبًا للسكن ولم يكن هناك ماء أو كهرباء، لذلك واصلنا البحث عن شيء أفضل، لكنّنا لم نجد.

بقينا في المخزن شهرين حتّى بدأت الشائعات حول اجتياح رفح، فقرّرنا الانتقال إلى دير البلح. خطّطنا للنزوح في 12.2.24. قبل ذلك بيوم ذهبتُ أنا وابن خالي، موسى زيادة، إلى منطقة المواصي للبحث عن خيمة للبيع لكي نتمكّن من نصبها في دير البلح. استغرق العثور على خيمة وقتًا طويلًا، وفي النهاية اشتريناها بـ 3,200 شيكل. كان الوقت قد أصبح متأخّرًا، فنمتُ لدى ابن خالي. اتّفقتُ مع أبي على أن يمرّوا عليّ في صباح اليوم التالي ونسافر من هناك إلى دير البلح.

في الساعة 1:45 فجرًا استيقظتُ على أصوات القصف الجوّيّ وإطلاق النار. قرابة الساعة 2:30 سمعتُ من صحفيّين أعرفهم أنّ الجيش قصف المخزن الذي كنّا نسكن فيه. بعد ذلك فهمتُ أنّ الهدف كان منزل صاحب المخزن وأنّ مسجد حمزة قد تعرّض لأضرار قليلة أيضًا. حاولتُ الاتّصال بأفراد عائلتي لكنّ هواتفهم كانت مغلقة. خرجتُ سيرًا على الأقدام وذهبتُ إلى رفح كالمجنون سويّة مع ابن خالي. في الطريق كان هناك قصف من الطائرات. عرفنا أنّه تمّ إخلاؤهم إلى مستشفى أبو يوسف النجّار، فذهبنا على الأقدام إلى هناك، مسافة عشرة كيلومترات تقريبًا.

عندما وصلنا إلى المستشفى رأيتُ أكياس جثث مكتوبًا عليها "مجهول - مسجد حمزة". فتحتُ الكيس الأوّل ووجدتُ أجزاء من جثّة لم أتعرّف عليها. فتحتُ كيسًا آخر وآخر وبالكاد تمكّنتُ من التعرّف على أبي وأخي محمّد والبنتين. لا أعتقد بأنّ جثث الجميع كانت هناك، فحاولتُ أن أستفسر لكنّ المسعفين قالوا إنّ هذا ما وجدوه.

لاحقًا، ذهبتُ إلى المخزن وعثرتُ هناك على جزء من الصاروخ الذي سقط عليه. كانت لا تزال هناك أجزاء من الجثث. جمعتُها وأحضرتُها إلى المستشفى، ومن هناك ذهبنا إلى المقبرة ودفنّاهم جميعًا.

منذ ذلك الحين وأنا وحدي في هذا العالم. فقدتُ عائلتي. ليس لديّ منزل ولا مستقبل. أنا أبكي كلّ يوم. أذهب للنوم وأستيقظ وحيدًا وتائهًا. عدتُ من تركيّا قبل شهر من بدء الحرب، بسبب عائلتي، لأنّ والدتي كانت تريد بشدّة أن أتزوّج. رجونا أن تنتهي الحرب ونعود إلى حياتنا، لكنّهم قتلوا أمّي وأبي وجميع أفراد عائلتي الآخرين. قتلوا الجميع. وهكذا أصبحتُ يتيمًا ووحيدًا. حياتي الآن سوداء. لا أعتقد بأنّني سأتغلّب على هذه الصدمة ذات يوم.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد صباح، في 29.2.24