(39 عامًا)، أمّ لثلاثة، من سكّان مخيّم جباليا للاجئين، أنجبت طفلة خلال الحرب، تتحدّث عن فقدان أخيها وأبيها خلال الحرب وعن الظروف الصعبة في شمال القطاع
أنا متزوّجة من صالح عيد (59 عامًا) وأمّ لثلاثة: تيماء (شهر ونصف الشهر) وتيّم (سنتان ونصف السنة) وريم (10 سنوات) وهي من زواج سابق وتعيش مع عائلة زوجي السابق. عندما بدأت الحرب لم نخرج، أنا وزوجي وتيّم، من المنزل تقريبًا. كنتُ حينها حاملًا في الشهر الخامس بابنتي تيماء، وبقينا في شمال القطاع لأنّه لم يكن لدينا مكان آمن ننتقل إليه.
منذ اليوم الأوّل من الحرب نزح إلى بيتنا أخي صفوت الكرد (50 عامًا) وزوجته ميسون (46 عامًا) وابنتهما الوحيدة حبيبة (10 أعوام) سويّةً مع والدي محمّد الكرد (76 عامًا).
منذ الشهر الأوّل من الحرب تعرّضتْ منطقتنا لقصف مدفعيّ عنيف ولقصف جوّيّ لا يُحتملان، وقام الجيش بإلقاء مناشير في المنطقة تأمرنا بإخلاء شمال القطاع، بذريعة أنّ المنطقة خطرة.
مع ذلك لم نغادر، رغم أنّ الكهرباء قُطعت عن منطقتنا منذ اليوم الأوّل من الحرب. تدبّرنا أمرنا ببطاريّة قابلة للشحن كنّا نقوم بشحنها لدى الجيران الذين كانت لديهم شبكة للطاقة الشمسيّة.
في 4.11.23 استيقظنا في منتصف الليل على صوت انفجار صاروخ بجانب منزلنا. بعد ذلك أدركنا أنّ الهدف ربّما كان المسجد الذي أمام منزلنا، على بُعد أقلّ من 10 أمتار عنه. حُطّم كلّ زجاج النوافذ ودُمّرت الأبواب وهُدمت الغرفة الأقرب من المسجد بكاملها.
أصيب والدي بشظايا في رِجله اليسرى. كان مريضًا بالسكّري ويعاني من تضخّم البروستاتا ومن قرحة المعدة ومشاكل في الرؤية. وصلت سيّارات الإسعاف ونقلت والدي وبعض الجرحى الآخرين من الحيّ إلى المستشفى الإندونيسيّ في شمال مدينة غزّة. رافق أخي صفوت والدي في سيّارة الإسعاف.
انتقلتُ أنا مع تيّم وزوجة صفوت وابنتهما إلى منزل أقارب زوجي القريب من منزلنا. عندما خرج والدي من المستشفى انتقل إلى منزل أخته في مخيّم جباليا للاجئين القريب من المستشفى، حتّى يتمكّن من التوجّه إلى المستشفى للمتابعة الطبّيّة. انتقل صفوت وزوجته وابنتهما للسكن في منزل أقارب زوجته، عائلة سليمان. وهكذا تفرّقنا.
على الرغم من القصف الجوّيّ والقصف المدفعيّ، قمتُ أنا وصفوت بزيارة والدي ورافقناه أيضًا إلى مواعيده في المستشفى. لكن في 19.11.23 قصفوا المنزل الذي كان يقيم فيه صفوت وزوجته وابنته، فقُتِلوا جميعًا. كما قُتل في القصف الكثير من الأشخاص الآخرين، 11 شخصًا من عائلة سليمان.
وقع عليّ خبر موت صفوت كالصاعقة. في البداية لم أصدّق. اتّصلتُ بهم وحاولتُ الوصول إليهم لكنّهم لم يردّوا. أردتُ الذهاب إلى هناك ولكنّي لم أتمكّن من مغادرة المنزل بسبب القصف الجوّيّ والمدفعيّ العنيف. شعرتُ بوحدة شديدة. جميع إخوتي وأخواتي الآخرين كانوا قد انتقلوا إلى جنوب القطاع، ولم يبقَ في الشمال إلّا أنا وصفوف ووالدي. والآن فقدتُ صفوت. أبلغتُ العائلة بفقدان صفوت، لكنّي لم أخبر والدي بذلك. كان يسأل عنه كلّ يوم تقريبًا، وفي النهاية قلتُ له إنّه سافر إلى مصر. ثمّ تساءل مستغربًا كيف سافر صفوت دون أن يودّعه. في كلّ مرّة كنتُ أختلق له عذرًا آخر.
لم نتمكّن حتّى اليوم من انتشال جثث صفوت وزوجته ميسون وابنتهما حبيبة من تحت الأنقاض. توجّهتُ إلى الدفاع المدنيّ (الهيئة المسؤولة عن الإغاثة والإنقاذ والإطفاء في قطاع غزّة) وطلبتُ منهم مساعدتنا في رفع الأنقاض، لكن لم تعد لديهم الأدوات المناسبة أو الوقود (السولار) للحفّارات. ذهبتُ أنا وزوجي وابن عمّي إلى هناك عدّة مرّات وحاولنا رفع الأنقاض عنهم، لكنّنا لم ننجح ويئسنا. إنّهم مدفونون هناك حتّى اليوم.
في بداية شهر كانون الأوّل أحضرتُ والدي إلى المنزل الذي كنّا نقيم فيه وأخبرته عن صفوت. أصيب بصدمة. أخذ يبكي ويصرخ وينادي على صفوت. في 8.12.23 انتقلنا إلى منزل أقرباء آخرين لنا في شارع غزّة القديم بسبب تزايد عمليّات القصف الجوّيّ والمدفعيّ في المكان الذي كنّا موجودين فيه. انضمّ إلينا والدي إلى هناك. بقينا هناك ثلاثة أسابيع تقريبًا على الرغم من وجود قصف مدفعيّ ثقيل هناك أيضًا.
هذه هي المرحلة التي بدأنا فيها نشعر حقًّا بنقص في الطعام. في تلك الفترة ألقى الجيش مناشير تأمرنا بالانتقال إلى غرب المدينة. خرجنا تحت القصف المدفعيّ وإطلاق النار. غادرت عائلات كاملة منازلها. أمّا نحن فلم يكن لدينا مكان نذهب إليه، ولذلك بقينا في الشارع ببساطة، دون سقف يؤوينا، دون طعام ودون مرحاض. وجدتُ نفسي أقضي حاجتي في الشارع.
بعد ذلك وجدنا مبنى قيد الإنشاء فانتقلنا إليه. لم يكن صالحًا للسكن. لم تكن المراحيض فيه جاهزة، وبالطبع لم يكن هناك ماء أو كهرباء. الطعام الوحيد الذي كان لدينا هو الأرزّ. هذا كلّ ما أكلناه. كنتُ أنا قد أصبحتُ في مرحلة متقدّمة من الحمل، وكنتُ متعبة ومنهكة جدًّا. حاولنا الحصول على المزيد من الطعام، خاصّة لتيّم ولوالدي. عانينا كثيرًا من انعدام النظافة. لم نتمكّن من الاستحمام وأصبنا أنا وتيّم بعدوى القمل. كنتُ مضطرّة أن أحلق له شعره.
بعد أسبوعين سمعنا أنّ الجيش انسحب من جباليا، فعدنا إلى هناك، إلى منزل صباح، أخت زوجي. لكن حينها اشتدّت عمليّات القصف هناك مرّة أخرى، فغادرنا ثانيةً وانتقلنا إلى مدرسة تحوَّلت إلى مخيّم للمهجَّرين، لأنّنا اعتقدنا أنّه قد يكون أكثر أمانًا هناك.
تدهورت حالة والدي الصحّيّة بسبب سوء التغذية ونقص الأدوية لمرض السكّريّ ولمشكلة البروستاتا التي لديه، وفي 21.1.24 توفّي والدي. كان ذلك أصعب يوم في حياتي، يومًا أسود. بقيتُ وحيدةً تمامًا، بلا أبي وبلا أخي. لم يكن هناك مَن يدفن والدي. انتظرنا حتّى حضر أحد أقربائنا وقام هو وزوجي بدفنه قرب المبنى الذي قُتِل فيه أخي. اكتفيتُ بنظرة وداع على أبي وأنا أبكي عليه منهارةً.
بعد موت والدي تفاقم الجوع في مخيّم جباليا للاجئين، وفي شمال قطاع غزّة بشكل عامّ. كان الحصول على طحين شبه مستحيل. حين كان متوفّرًا كان ذلك بسعر مجنون. لم تكن هناك فواكه، خضار، لحوم، بيض أو حبوب. وعندما وصلت إلى المتاجر طار سعرها عشرة أضعاف. كنتُ أذهب أنا وزوجي صالح للنوم جائعَين كلّ ليلة.
في الشهر الأخير من حملي استأجرنا شقّة في جباليا. كنتُ منهكة وأتضوّر جوعًا. لم يكن لدينا ما يكفي من الطعام للأطفال أيضًا. كنّا جميعًا جائعين. كنتُ أفكّر كلّ يوم كيف سألِد والمستشفيات تنهار ولا تستطيع تقديم الخدمة، والقصف مستمرّ ليل نهار، والجوع يتفاقم يومًا بعد يوم.
في 27.2.24 أنجبتُ ابنتي تيماء في مستشفى "العودة" شمال غزّة. رغم تقلّصات الطلق وعمليّات القصف ذهبتُ إلى المستشفى سيرًا على الأقدام. تركنا تيّم مع صهري وأخت زوجي وذهبتُ أنا وزوجي وصديقة لي. حصلتُ على بعض ملابس الأطفال لابنتي من أقاربي حتّى يكون لديّ شيء ألبسُه لها عندما نغادر المستشفى. كان المستشفى الذي أنجبتُ فيه ابنتي مدمَّرًا، وكانت المنازل المحيطة به مدمّرة. العلاج في المستشفى كان محدودًا جدًّا، لكن الحمد لله فقد أنجبتُ تيماء بسهولة وعدتُ إلى المنزل في اليوم نفسه.
ولدت تيماء صغيرة الحجم، أقلّ من ثلاثة كيلوغرامات. لم يكن لديّ ما آكله بعد الولادة أيضًا، ولم يكن لديّ ما يكفي من الحليب لإرضاعها، ولم أجد أيضًا بدائل الحليب لتكملة نظامها الغذائيّ. خفتُ جدًّا عليها. في شمال القطاع هناك نقص في بدائل حليب الأطفال وفي الحفّاظات أيضًا. ولم تكن هناك أيضًا مياه نظيفة لإعداد الحليب الصناعيّ على الإطلاق، لذلك كان الخيار الوحيد هو الرضاعة الطبيعيّة.
بعد ذلك بدأتُ أشتري الطعام من المساعدات التي ينزلونها من الجوّ. الأشخاص الذين يتمكّنون من الإمساك بها يبيعون بعضًا منها بأسعار مجنونة. وهو طعام سيّئ جدًّا. أصبحت الحياة جحيمًا. عمليّات القصف وإطلاق النار كانت مستمرّة طوال اليوم. أشعلنا المواقد لإعداد الطعام، لصنع الخبز ولتسخين الماء. كان وضعي صعبًا جدًّا ولم أعد قادرة على تحمّل ضجيج عمليّات القصف الجوّيّ والمدفعيّ.
يحمل زوجي الجنسيّة الألمانيّة، وتبيّن أنّه بسبب انقطاع الاتّصالات في شمال قطاع غزّة واجهت القنصليّة الألمانيّة في الضفّة الغربيّة، التي حاولت إخلاءنا، صعوبة في الاتّصال بنا. منذ شهر تقريبًا، بعد تجديد الاتّصالات، اتّصلوا بنا وأبلغونا بأنّهم يريدون إخلاءنا إلى مصر ومنها إلى ألمانيا.
في 2.4.24 اتّصلوا بنا وأبلغونا بأنّ علينا التوجّه إلى جنوب القطاع لأنّهم نسّقوا لنا العبور في رفح. كنتُ خائفة جدًّا من المرور عبر الحاجز العسكريّ في شارع الرشيد على طريق البحر، بسبب عمليّات القصف وإطلاق النار على المدنيّين الذين كانوا يمرّون في الشارع. لكن في السفارة قالوا لنا إنّنا ملزمون بالمغادرة وقرّرتُ أن أتّكل على الله. خرجنا من المنزل وتمكّنا من المرور عبر الحاجز والوصول إلى رفح بسلام. نمنا ليلة واحدة في منزل عائلة أخي الذي قُتِل قبل عدّة سنوات.
في 3.4.24 نسّقوا عبوري أنا والأطفال. وصلنا إلى معبر رفح وتمكّنا من العبور إلى مصر والسفر إلى القاهرة. بعد ثلاثة أيّام نسّقوا عبور زوجي ووصل هو أيضًا إلى القاهرة. الحمد لله، نحن الآن معًا، نحن بخير وبأمان.
لكنّ وضع غزّة ليس جيّدًا. أنا تركتُ خلفي ابنتي ريم. لم أرَها أو أسمع منها منذ 6 أشهر، ولم أتمكّن من التحدّث معها عبر الهاتف إلّا مرّة واحدة والاطمئنان أنّها بخير. تركتُ قلبي وروحي في غزّة. لا أعلم إن كنتُ سأعود إلى غزّة أم لا. هي الآن مدينة أشباح. غير صالحة للسكن. كلّ شيء هناك مُدمَّر – المنازل، الشوارع، المدارس، المستشفيات، الأسواق. غزّة الآن مجرّد كومة من الحجارة.
غادرتُ غزّة باكيةً، بقلب مثقل جدًّا، لوداع أحبّائنا، عائلتنا وأصدقائنا. أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي ستنتهي فيه الحرب، اليوم الذي ستعود فيه غزّة إلى ما كانت عليه. سنعود إلى غزّة إن شاء الله.
* سجّل هذه الإفادة خالد العزايزة في 11.4.24.