33 عامًا، أب لثلاثة، من سكان بيت لاهيا، تحدث عن التهجير والقصف والتنكيل القاسي الذي تعرض له خلال اعتقاله لدى إسرائيل والدمار والجوع اللذين عاد إليهما
حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي وأطفالنا الثلاثة، أحلام (7 أعوام) وأميرة (5 أعوام) وعلي (3 أعوام) في مبنى مكون من ثلاثة طوابق في مشروع بيت لاهيا، قرب مستشفى كمال عدوان. أنا خريج كلية الحقوق في جامعة الأمة في مدينة الزهراء في غزة في العام 2015، لكنني لم أعمل في المحاماة بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ 17 عامًا، ولم تكن هناك فرص عمل. عملت في مجالات مختلفة.
عندما بدأت حرب الإبادة، في بداية أكتوبر 2023، شنت إسرائيل غارات مكثفة على المنازل، فوق رؤوس ساكنيها، وخاصة في شمال القطاع. بالرغم من كل شيء، قررنا البقاء في منزلنا. ولكن في تشرين الثاني 2023، اشتد القصف وبدأ الجيش الإسرائيلي يطلق النيران على كل ما كان يعترض طريقه. شاهدنا الدبابات وهي تتقدم نحو منطقتنا فأدركنا عندئذ أنه يجب علينا المغادرة.
نزحنا إلى منزل ابن عمي في مخيم جباليا للاجئين وبقينا عنده لمدة أسبوع. عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 20.11.23، عدنا إلى منزلنا. لكن القصف عاد وتجدد بعد عشرة أيام وفرض الجيش حصارًا على مستشفى كمال عدوان القريب منا، مما اضطرّنا إلى النزوح مرة أخرى. انتقلنا هذه المرة إلى مدرسة حليمة السعدية في منطقة النزلة في جباليا، والتي كان قد تم تحويلها إلى مخيم للمهجرين. بقينا هناك 21 يومًا. خلال تلك الفترة، أطلق الجيش صواريخ على المدرسة مما أسفر عن مقتل نحو 15 شخصًا، معظمهم من الأطفال. أصيبت ابنتي أحلام بجروح طفيفة في رأسها جراء شظايا. كنا محظوظين لأنها لم تُقتل.
اضطررنا إلى الانتقال مرة أخرى، وهذه المرة إلى منطقة السدرة في حي الدرج في مدينة غزة، حيث مكثنا هناك مدة شهرين في منزل أقارب لنا. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مدرسة زهرة المدائن في حي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة وبقينا هناك لمدة شهر. في جميع تلك الأماكن، عانينا من نقص الطعام والماء وكانت عمليات الانتقال من مكان إلى آخر صعبة للغاية. طوال تلك الفترة، كنا نسمع دويّ الانفجارات باستمرار وكنا نعلم أن الناس يُقتلون حتى في المدارس والمناطق التي وُصفت بأنها "آمنة".
في النهاية، عدنا مرة أخرى إلى منزلنا في مشروع بيت لاهيا. وفي مساء يوم الثلاثاء الموافق 29.10.24، شهدتُ إحدى أبشع المجازر في هذه الحرب. فقد قصف الجيش منزل عائلة أبو نصر، المكون من خمسة طوابق والذي كان يتواجد فيه حوالي 200 شخص من السكان والمهجّرين. دُمّر المنزل على من فيه. قمنا بإنقاذ الجرحى وانتشال الجثث. بعض الجثث تناثرت على أسطح المنازل المجاورة والبعض الآخر احترق بالكامل. لم تكن هناك سيارات إسعاف أو فرق إنقاذ. دفنّا القتلى في قبر جماعيّ في سوق بيت لاهيا. كانت معظم الجثث مُشوهة. علقت إحدى النساء تحت عارضة خرسانية. في مرحلة ما، اضطررنا إلى التوقف عن عمليات الإنقاذ لأن الطائرات بدون طيار كانت تُطلق علينا النيران الحية والقنابل. أُصبتُ بجروح طفيفة. قررنا توزيع أفراد عائلتنا كي لا تُباد بأكملها في هجوم آخر. انتقلتُ أنا وزوجتي وأولادي وبقية أفراد عائلتي إلى منزل مهجور في المنطقة نفسها.
في تلك الفترة، كنا نسمع دوي انفجارات هائلة باستمرار وقد انهارت جدران المنازل. رأيت الكلاب والقطط تلتهم الجثث. حاولتُ إنقاذ يد أحد القتلى من فم كلب لكنني لم أنجح. كانت الطائرات المسيرة تطلق النار والقنابل. كان هنالك قصف مدفعي كل ليلة. كنا ننام بجانب غرفة الدرج، المكان الأكثر أمانًا في المنزل. سقطت ثلاث قذائف على المنزل الذي كنا فيه، واحدة في المطبخ واثنتان في غرفة الاستقبال.
في يوم 4.11.24، ذهبتُ لأشرب القهوة عند صديقي وجاري محمد آمِن. جلسنا على السطح فسمعنا، فجأة، دوي انفجار قوي. ركضتُ إلى عائلتي. وجدتُهم جميعًا على قيد الحياة. أُصيبوا بجروح طفيفة جرّاء القصف. بعد لحظات، قُصف منزل محمد أيضًا. اختفى هو وزوجته وابنته. لم يتم العثور على جثثهم. أُصيب جيران أيضًا. نقلناهم إلى مستشفى كمال عدوان.
في صباح اليوم التالي، الثلاثاء الموافق 5.11.24، قررتُ النزوح مرة أخرى مع جميع أفراد عائلتي من شمال قطاع غزة إلى مدينة غزة. أخذنا معنا ما استطعنا حمله وسلكنا الطريق الذي سمح الجيش الإسرائيلي باستخدامه. مررنا عبر ميدان زايد ثم إلى محطة حمودة ثم إلى الحاجز العسكري في شرق مخيم جباليا للاجئين، والذي وصلنا إليه ظُهرًا. هناك، ناداني الجنود وأمروني بالاقتراب منهم. أمروني بخلع ملابسي واضطررتُ إلى فعل ذلك أمام أطفالي وزوجتي. كان موقفًا صعبًا للغاية. ركضت ابنتي أحلام نحوي بينما كنتُ أخلع ملابسي وتشبثت بي. أمرني أحد الجنود بأن أنادي زوجتي لتأخذ ابنتنا وإلا فسيعتقلونني أنا وإياها. جاءت زوجتي وأخذت أحلام التي كانت تصرخ "أريد أبي! أريد أبي!". وبكى كل من كان حولنا، عليها وعليّ.
بقيتُ عارياً تماماً. أوقفني الجنود ووضعوا غطاءً على عينيّ وأعطوني "أفرول" أبيض لأرتديه. قيّدوا يديّ خلف ظهري بأربطة بلاستيكية وأحكموها بشدة ثم قيدوا رجليّ أيضاً. بعد ذلك أدخلوني إلى غرفة مظلمة هناك في الحاجز. على الرغم من الظلام، رأيتُ أن الغرفة كانت مليئة بالمعتقلين. انقضّ الجنود علينا وضربونا بالهراوات. صرختُ من الألم بسبب الضربات وتقييد يديّ. في كل مرة كنت أحاول فيها حماية نفسي من الضربات بيديّ، كانت الأربطة تؤلمني أكثر.
سكب الجنود علينا الماء البارد وشتّمونا ووصفونا بألفاظ نابية: "يا شاذ، يا نُخبَة، يا خرا، يا نتن"... "سنأخذكم إلى الجحيم". كانوا يسألوننا "ما اسمك؟" ويجبروننا على الإجابة: "اسمي شاذ". سألوا عن أسماء أمهاتنا وعندما أجبنا قالوا إنهم سيأتون بها إلى هنا ويغتصبونها، ثم تكرر الشيء ذاته مع أسماء زوجاتنا. قالوا لي إن زوجتي في الغرفة المجاورة وأنهم سيغتصبونها.
احتجزوني في تلك الغرفة لمدة 16 ساعة. بعد ذلك جرّونا وألقونا في شاحنة، نقلتنا دون أن نعرف إلى أين. عندما تمكنت من تحريك الغطاء عن عينيّ قليلاً، رأيت أننا نتجه نحو بيت حانون. وبالفعل، بعد أن وصلنا وأنزلونا، قال لنا معتقلون كانوا هناك إننا في مكان يُدعى الحفرة، قرب مدينة سديروت، شمالي شرق مدينة بيت حانون.
هناك، أنزلونا إلى مكانٍ كانت أرضيته مليئة بنتوءات حادة سببت لي جروحًا في ساقيّ ثم جاءت بعض الجنديات يحملنَ هراوات بلاستيكية وانهلنَ علينا بالضرب. بعد نحو ساعة، جاء شخص قالوا إنه طبيب، نظر إلى معصميّ كل من قال إنه ينزف من هناك، بمن فيهم أنا، فنزع عنا الأصفاد البلاستيكية واستبدلها بأصفاد أقل إحكامًا. طلبنا ماءً للشرب، لكن بدلًا من إحضار الماء أحضروا قليلًا من الماء في عبوة رشّ وأمَرونا بفتح أفواهنا ورشّوا فيها القليل من الماء الذي أعتقد أنه كان ملوثًا.
في صباح اليوم التالي، حوالي الساعة 7:00، جاء بعض الجنود وأخذوني إلى غرفة ما وأجروا تفتيشًا على جسمي. كان هناك شخص يرتدي قفازات، أدخل إصبعه في شرجي ثم نزع أصفادي البلاستيكية وقيّد يديّ ورجليّ بأصفاد معدنية. قيّد يديّ إلى الخلف. ثم صعدوا بي أنا ومجموعة من المعتقلين الآخرين إلى سيارة انطلقت من هناك. وأثناء السفر، اعتدى عليّ الجنود بهراوات كهربائية. ركزوا الضرب على منطقة الرأس. في نهاية الرحلة، أنزلونا في سجن عرفت لاحقًا أنه يُسمى سجن "سديه تيمان". فور وصولنا إلى هناك، نزع الجنود الأصفاد وأعطوني ملابس لم تكن تناسب مقاسي على الإطلاق: بيجاما رمادية كان قميصها ضيقًا جدًا، وكان اللباس الداخلي ضيقًا جدًا لدرجة أنه تمزق عندما حاولت ارتداءه، بينما كان السروال واسعًا بما يكفي ليحتوي أكثر من شخص واحد. بقيتُ في تلك الملابس حتى يوم إطلاق سراحي.
بعد أن ارتديت ملابسي، قيّدوا يديّ مرة أخرى إلى الخلف بأصفاد معدنية واقتادوني إلى الطبيب. سألني الطبيب ما إذا كنت قد تعرضت للتعذيب، فأجبت بنعم لقد تعرضت لتعذيب شديد وظهري يؤلمني. سألني إن كنت أعاني من أية أمراض مزمنة فأجبتُ بالنفي.
بعد ذلك، اقتادوني إلى غرفة ما، وهناك فحصوا عيني ووضعوا في يدي ورقة تحمل رقم السجين الخاص بي (090956). طلبوا مني تكراره وحفظه لأنه سيحل محل اسمي. في السجن، ينادونك برقمك وليس باسمك.
بعد ذلك، أدخلوني إلى البَرَكس رقم 4. كان فيه حوالي 70 سجينًا و16 سريرًا. أزالوا الأصفاد من الخلف وقيدوني مرة أخرى من الأمام. بقيت عيناي معصوبتين.
فور دخولي، أعطاني السجناء ماءً لأشربه. أردت أن أستلقي على فراش لأرتاح، لكن السجناء الآخرين قالوا لي إن هذا ممنوع وإنه، وفقًا للتعليمات، يجب أن أركع على الأرض وألّا أتحرك على الإطلاق. ركعت هكذا على الأرض. من حين إلى آخر وخلال فترات قصيرة، كان الجنود يمرّون وينظرون إلينا. عيّنوا مسؤولاً عن البَرَكس، رجلًا يُدعى عبد الله الطباطيبي، الذي كان عضوًا في الطاقم الطبي في مستشفى كمال عدوان.
في اليوم الأول، فوجئت حين اكتشفت أن لديهم وحدة تسمى "قمع". كانوا يأتون ويلقون قنابل الغاز المسيل للدموع في داخل البرَكس وقد فقَدَ بعض السجناء الوعي، بينما نزف آخرون من الأنوف والأفواه بسبب استنشاق الغاز. كان في داخل البَرَكس مرحاض ومغسلة، رغم عدم توفر المياه طوال الوقت. كان ممنوعًا البقاء في المرحاض لأكثر من نصف دقيقة.
كنا نحصل لوجبة الفطور على ثلاث شرائح من الخبز مع المربى أو اللبنة، وللغداء ثلاث شرائح من الخبز مع التونة وللعشاء ثلاث شرائح من الخبز مع اللبنة والخيار أو تفاحة. هذه وجبة لا تشبع حتى طفلًا صغيرًا. عندما كانت تتوفر مياه جارية، كنا نشرب من الحنفية التي في داخل المرحاض.
خلال فترة اعتقالي في ذلك البَرَكس، كانت وحدات القمع تأتي أكثر من مرة في اليوم. كان جنود الاحتلال يقتحمون المكان وينقضون علينا بالضرب المبرح بالهراوات، على جميع أنحاء الجسم. بعد ذلك كانوا يفتشوننا الواحد تلو الآخر ويلقون بنا على الأرض ثم يدوسون علينا بأحذيتهم العسكرية ويضربوننا بخوذاتهم. خلال طقوس القمع تلك، جُرحت ونزفت أكثر من مرة. كانوا يأتون أيضاً بكلاب كبيرة مُكَمّمة الأفواه لإخافتنا. كانت بعض الكلاب ترتكب أفعالاً فاحشة مع السجناء. اقتادوني إلى التحقيق ذات مرة وكان المحقق في الستين من عمره تقريبًا ويتحدث العربية بطلاقة. طلب بياناتي الشخصية ثم تركزت أسئلته على أماكن احتجاز الرهائن الإسرائيليين وجثث الإسرائيليين في قطاع غزة. كما عرض عليّ رشوة - الإفراج مقابل تقديم معلومات عن حماس. في تحقيق آخر، هددوني بأنه إذا لم أتعاون، فسوف يعتقلون زوجتي ويفعلون بها أشياءً لن ترضيني. في مرة أخرى، هددوا بإدخال دبوس كبير في قضيبي إذا لم أتعاون معهم. خلال الاعتقال، حبسوني أيضًا في "غرفة الديسكو" لمدة ثلاثة أيام. هذه غرفة كانوا يشغّلون فيها موسيقى صاخبة للغاية دون توقف. من يدخل إلى هناك يخرج فاقدًا حاسة السمع أو التوازن.
بعد أن احتجزوني لمدة 14 يومًا في سجن "سديه تيمان"، نقلوني إلى مركز اعتقال آخر في منطقة "معاليه أدوميم" (معسكر الاعتقال "عنتوت"، كما يبدو) وأدخلوني إلى تخشيبة. لم ألتقِ بمحامٍ ولم يحضِروني أمام قاضٍ. بعض السجناء شاركوا عبر الحاسوب في إجراءات قضائية خاصة بهم. كانوا يُجلسونهم مقيدين بالكرسي، أمام ثلاثة قضاة على الشاشة، وكان المحامي يتحدث عبر الهاتف. كانت المكالمة تستمر عَشر ثوانٍ في الحدّ أقصى. رأيت هذا المشهد عدة مرات لأن الغرفة التي كانوا يُجلِسون فيها المعتقلين للمحاكمة كانت أمام البَرَكس الذي كانوا يحتجزونني فيه.
في أحد الأيام، وضعوني في سيارة وانطلقت. طوال الطريق ظلوا يضربونني بوحشية، وخاصةً بصاعق كهربائي على رأسي. إحدى الضربات تسببت بفقداني السمع في أذني اليمنى. ضربوني أيضًا بهراوات عادية أكثر من مرة، رفعني جنديان من يديّ وقام جندي ثالث بلكمي بقبضتيه على بطني وصدري ووجهي، وهو يصرخ: "نُخبة! نُخبة! نُخبة!". استمر هذا إلى أن فقدت الوعي. وعندما استيقظت، وجدت نفسي في بَرَكس كان فيه حوالي مائة سجين. في البداية ظننت أن فقدان السمع مؤقت وسوف يعود تدريجيًا لكن الواقع أنني فقدت السمع تمامًا في إحدى أذنيّ.
كانت المراحيض داخل البركس وكان مسموحًا بالدخول إليها مرة واحدة في اليوم. إذا طلب أحدهم الدخول مرة أخرى، كان الجندي يقول له: "افعلها في سروالك". عندما لم نتمكن من الصبر أكثر، كنا نتبوّل في سراويلنا. ولذلك، كانت رائحة كريهة لا تطاق تسود في البركس طوال الوقت. كان الطعام متوفرًا بكثرة، لكننا رفضنا تناول الكثير منه حتى لا نضطر للذهاب إلى المرحاض. هناك أيضًا طُلب منا أن نركع ورؤوسنا بين أرجلنا (في وضعية السجود). طُلب منا أن ننام على جانبنا الأيسر فقط وسُمح لنا بالنوم لمدة ساعتين فقط في الليل. حتى في ذلك الوقت، عندما كنا ننام كان الجنود يضربون على الحديد أو يصدرون ضوضاء أخرى وفي بعض الأحيان كانوا ينادون بعض السجناء للذهاب إلى نافذة البركس. وبمجرد وصول السجين إلى النافذة كانوا يصعقونه بالكهرباء بكابلين. لكن التعذيب الأصعب كان البرد القارس الذي كان في داخل البركس.
في إحدى المرات التي حققوا فيها معي، حول المواضيع نفسها التي ذكرتها سابقًا، أدخلوني مرة أخرى إلى "غرفة الديسكو" لمدة ثلاثة أيام متتالية حتى نزفت من أذني. بعد ذلك عانيت من طنين مستمر في أذني. وفي وقت لاحق قالوا لي إنهم أخذوني للتحقيق وإلى "الديسكو" عن طريق الخطأ وكانوا يقصدون استدعاء سجين آخر. لقد فقدت السمع تمامًا في كلتا أذنيّ لمدة أربعة أيام وبعد ذلك عاد السمع في أذني اليسرى فقط.
بعد ذلك، صعدتُ إلى باص مع معتقلين آخرين ونقلونا إلى سجن عوفر. في هذه المرة أيضًا، تعرضت للضرب المبرح طوال الطريق. وعندما وصلت وأنزلوني من الباص، استقبلوني بالضرب بالهراوات والبنادق والأيدي قبل أن يدخلوني إلى البركس. بقيت في ذلك السجن ثلاثة أيام فقط، لكنني عانيت خلالها، مع جميع السجناء الآخرين، من جوع شديد. كانوا يُحضرون لنا، من حين إلى آخر، شريحة خبز واحدة بدون أي شيء آخر. وهذا كل شيء. خلال وجودي هناك، دخلت وحدات القمع إلى البركس عدة مرات مع كلاب كبيرة كانت تشم أجساد السجناء وفي بعض الأحيان كان الكلب يتسلق ويركض على ظهور السجناء، بينما كنا نركع هناك، ويتبول عليهم. وكانت هناك كلاب تقوم بأفعال فاحشة على السجناء فوق ملابسهم وكان السجناء يحاولون الابتعاد عنها.
بعد عملية القمع، كانوا يطلقون الكلاب ثم يرشون "غاز الفلفل" عبر نافذة البركس. هذا الغاز مؤلم أكثر من أي شيء آخر. فهو يسبب إحساسًا بالحَرْق في العينين وآلامًا شديدة في الجهاز التنفسي تستمر لمدة يومين. بعد ثلاث ليال، أخرجوني من البركس في الصباح الباكر وحلقوا الشعر عن نصف رأسي وقيّدوا يديّ خلف ظهري وقيدوا قدميّ أيضًا ثم ألقوا بي في زنزانة انفرادية.
في صباح اليوم التالي، أخرجوني من الزنزانة وأدخلوني في سيارة ثم أعادوني إلى "سديه تيمان" واحتجزوني هناك ليلة واحدة. في الصباح، وضعوني مرة أخرى مع سجناء آخرين في حافلة. خلال السفرة، أمرنا الجنود بأن نغنّي الأغاني معهم فأطعناهم. كانت إحدى الأغاني: "واحد، اثنين، ثلاثة، جفعاتي يا حياتي". وأغنية أخرى كانت: "ثلاثة، اثنين، واحد، جولاني أحسن واحد"، وأخرى كانت: "توتا، توتا، توتا، سنوار ابن شرموطة".
سافرنا حتى وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم) في جنوب شرق مدينة رفح. أمرونا بأن نشكر دولة إسرائيل على المعاملة الإنسانية التي تلقيناها خلال فترة اعتقالنا وصوّرونا بالفيديو ونحن نقول ذلك. ثم هددونا بالسلاح بأنه إذا علموا أن أيًا منا تحدث إلى وسائل الإعلام بعد عودته، "فسنأتي ونأخذه إلى السجن مرة أخرى". بعد ذلك، أزالوا القيود المعدنية وأعطونا قنينة ماء وقنينة عصير وأعادوا إليّ بطاقة هويتي، لكن بدون الهاتف والأموال التي كانت بحوزتي عندما اعتقلوني.
في النهاية، أمرونا بالعبور إلى القطاع والركض غربًا دون النظر إلى الوراء وهددونا: "من ينظر إلى الوراء سنطلق النار عليه". ركضنا لفترة طويلة داخل منطقة الحاجز حتى التقينا بسيارات تابعة للصليب الأحمر وعندها علمت أن التاريخ هو 12.12.24. أخذنا مندوبو الصليب الأحمر في باص إلى المستشفى الأوروبي، حيث خضعنا لفحوصات.
بعد ذلك، تواصلتُ مع عائلتي فأخبرتني زوجتي أنهم بقوا في مدينة غزة. في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار في 19.1.25، مشيتُ إلى مدينة غزة لمقابلة زوجتي وأطفالي. اتضح لي أنهم يقيمون في خيمة صغيرة. ما زلنا مُهجَّرين حتى الآن. عندما انسحب الجيش من مشروع بيت لاهيا، عدنا إلى هناك وأقمنا خيمة بسيطة لنعيش فيها.
في 2.3.25 أغلقوا المعابر ومنعوا دخول المواد الغذائية. اختفت البضائع من السوق تدريجيًا ولم يعد من الممكن الآن شراء الطعام هنا ولا تتوفر أية مساعدات. في البداية، أكلنا الخبز فقط لأنه كان لدينا كيس من الطحين وزنه 25 كيلوغرامًا. كانت زوجتي تُعد الخبز وتخبزه على نار كنا نشعلها من قطع الخشب التي كنت أجمعها من الشوارع.
عندما نفد الطحين، بدأت أبحث لنا عن الطعام. وجدت تكيّة على بعد أربعة كيلومترات عنا. كنت أذهب إلى هناك كل يوم لأحصل على طبق من الطعام المطبوخ: فاصوليا، عدس، أرز، بازيلاء أو مجدرة. كانت جميع تلك الأطباق بدون لحم وبدون توابل ولم تكن مشبعة أو مغذية وكانت الكمية صغيرة جدًا ولم تكن كافية للعائلة، لكنها كانت مصدر التغذية الوحيد المتوفر لنا. عندما لم يكن يتوفر طعام في التكية، كنا نظل بدون طعام. هكذا عشنا ـ جوعى وعطشى لأنه كان هنالك نقص في مياه الشرب أيضًا. كنا نأكل لإسكات جوعنا قليلًا فقط. ولم تكن هناك أي علامة في الأفق على أن هذا الجوع الذي يدمر أجسادنا وأجساد أطفالنا سينتهي في وقت ما.
سرعان ما تبددت فرحة العودة إلى المنزل والأمل في انتهاء الحرب. فقد استؤنفت الحرب في 18 آذار 2025 وعدنا إلى العيش في ظل كابوس القتل والقصف والدمار والتهجير. اضطررنا إلى النزوح من مشروع بيت لاهيا مرة أخرى.
نحن نعيش الآن في خيمة بالقرب من ملعب اليرموك لكرة القدم في مدينة غزة ونعاني من الفقر والجوع. ليست لدينا أية وسيلة للحصول على الطعام وإشباع جوع أطفالنا. حتى الماء يكاد يكون معدوماً. نفتقر هنا إلى جميع مقومات الحياة الإنسانية والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. لم تدخل المواد الغذائية إلى القطاع منذ أكثر من شهر ونصف الشهر. أخرج من الخيمة كل يوم بحثاً عن الطعام. أبحث عن تكايا عاملة وأقف في طوابير طويلة ووسط ازدحام كبير من أجل الحصول فقط على طبق واحد من الأرز أو من البازلاء أو الفاصوليا لنتقاسمه. لكن في بعض الأحيان، وبعد انتظار طويل، لا أتمكن حتى من الحصول على ذلك، إذ لدى وصول دوري تكون الأواني قد فرُغت فأعود خالي الوفاض.
قبل بضعة أيام، لم أتمكن من العثور على أي تكية. أغلقت العديد من التكايا أبوابها بسبب عدم وجود منتجات لإعداد الطعام وعدم وجود أموال لشراء المنتجات، حتى لو توفرت في السوق. أتمكن أحياناً من الحصول على رغيف خبز واحد أو اثنين ونضطر إلى الاكتفاء بذلك. ننام جوعى ونستيقظ جوعى ومرعوبين من القصف وضجيج الطائرات. لم يبق لنا سوى انتظار اللحظة التي ينقذنا فيها الله.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صبّاح في 24.4.25