Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

أحلام التلولي

أحلام التلولي

( 27 أيار 2024 )

(33 عامًا)، صحفية ومُصوِّرة، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تحدّثَت في 27.5.24 عن عذابات عائلتها المهجَّرة منذ بداية الحرب، وعن ثلاثة من أقرب أقربائها أصيبوا بنيران الجنود. في كانون الأوَل 2024 تلقّت بتسيلم من أحلام التلولي إفادات مسجّلة تحدّثت فيها عمّا جرى لعائلتها لاحقاً. في 13.1.25 قُتلت أحلام جرّاء قصف إسرائيليّ في مكان جاءت إليه لتستطيع الارتباط بشبكة الإنترنت

منذ بداية الحرب استهدف الجيش الإسرائيليّ شمال قطاع غزة بالقصف العشوائيّ وضمن ذلك قصفوا منزلي الكائن في حيّ تلّ الزعتر في مخيّم جباليا للّاجئين. في أعقاب ذلك انتقلنا إلى مخيّم للمهجرين في إحدى مدارس أبو زيتون، في مخيّم جباليا.

والدي، نافذ التلولي (59 عاماً) بقي في المنزل وحده، إذ لم يستطع النزوح معنا. هو مقعد على كرسيّ عجلات عقب بتر رجله خلال الانتفاضة الثانية، كما أنّه يعاني مرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم وتليّف الكبد.

الفترة التي أمضيناها في مخيّم المهجرين كانت صعبة جدّاً، خاصّة في شهرَي تشرين الأوّل وتشرين الثاني 2023. طوال الوقت كنّا خائفين جرّاء القصف العشوائيّ، إضافة إلى أنّ المكان كان مكتظّاً وقذراً، ولكن لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. لم يكن لدينا ما يكفي من الطعام ولم نحصل على طُرود إغاثة إنسانيّة، ولم نستطع شراء أيّة حاجيّات لأنّها كانت تُباع في الأسواق بأسعار باهظة.

تردّت الأوضاع من سيّء إلى أسوأ بعد انتهاء فترة وقف إطلاق النار، تقريباً في بداية شهر كانون الأوّل. حاصر الجيش الإسرائيليّ حيّ تلّ الزعتر، ونشروا قنّاصة على أسطح المنازل. في يوم الثلاثاء المُوافق 5.12.23، ذهبت والدتي وزوجة أبي إلى المنزل لكي تطمئنّا على والدي وتجلبا له الطعام. في طريق عودتهما إلى مخيّم النازحين استُشهدت زوجة أبي في الشارع قبالة منزلنا جرّاء نيران أطلقها قنّاصة متواجدون في المكان. ونجت والدتي بأعجوبة.

منذ ذلك اليوم وحتى 15.12.23 بقي والدي دون طعام وماء تقريباً. في اليوم نفسه أخرج الجيش جميع السكّان من منازلهم وأمرهم بأن يُغادروا. خرج والدي مع الجيران، وفي الطريق استُشهد قرب قاعة أبو خاطر في مخيّم جباليا جرّاء نيران أطلقها عليه القناصة. أخبرنا بذلك أحد الجيران. حين علمنا عن استشهاد والدي قرّرنا، أنا ووالدتي وإخوتي، أن نذهب للبحث عن جثته رغم المخاطر، وفعلاً وجدناه مستشهداً وقمنا بدفنه خلف "مدرسة أبو زيتون". في داخل المدرسة كان الوضع أصعب من ذي قبل، والأشهُر كانون الثاني وشباط وآذار كانت أصعب فترة مرّت علينا. في تلك الفترة لم تدخل إلى المنطقة أيّة مُساعدات. عانينا من نقص في الطحين، وحتى حين وصل طحين إلى الأسواق لم نستطع شراءه لأنّه كان يباع بأسعار باهظة. كدنا نموت جوعاً. استخدموا ضدّنا سلاح التجويع، وهو أفظع أنواع السّلاح. لكنّنا تمكنّا من الصّمود والبقاء رغم كلّ ما عانيناه - الجوع، القصف، استشهاد والدي وزوجته.

في بداية شهر آذار، قبل حُلول شهر رمضان بيوم واحد أو يومين، ذهب أخي نمر التلولي (26 عاماً وأب لثلاثة أطفال) إلى دوّار النابلسي لكي يحاول أن يجلب لنا بعض الطعام والطحين، لكنّه لم يعُد. منذ ذلك اليوم فقدنا الاتّصال معه، ولا نعرف عنه شيئاً حتى يومنا هذا.

في يوم الأربعاء المُوافق 15.5.24 اجتاحت الدبّابات مخيّم جباليا ووصلت إلى منطقة مدارس أبو زيتون. وجدنا أنفسنا محاصَرين بحيث لم يستطع أحد الخروج من المدرسة أو الدّخول إليها. في ذلك الصّباح، نحو السّاعة 7:00 أو 8:00، لا أذكر بالضبط، قال لنا شخص من الأهالي أنّه بحاجة إلى مساعدتنا لأنّ ابنه قد أصيب. سألته شقيقتي مريم (25 عاماً) عن مكان المُصاب، وحين أجاب إنّه في الخارج، في الشارع، خرجت مريم معه لكي تساعده. بقينا أنا وأمّي واقفتين عند باب المدرسة. خرجت مريم رافعة في يدها علماً أبيض لكنّها توقّفت وسط الشارع بعد بضع خطوات - لا أعرف ماذا شاهدتْ، ثمّ فرّت في اتّجاهي. في تلك اللّحظة أطلق قنّاص رصاصة أصابتها في ظهرها وخرجت من بطنها. تهاوت مريم ووقعت أرضاً، وكانت تنظر إلينا دون أن تتكلّم أو تتحرّك. قلت لها: "مريم، تعالي! حاولي أن تزحفي لكي نستطيع إخلاءك"، لكنّها لم تستطع ذلك. ثمّ أطلقوا عليها أربع رصاصات أخرى. فارقت مريم الحياة أمام أعيننا. هربنا أنا ووالدتي إلى داخل المدرسة وتركنا مريم حيث استُشهدت.

وقع في المنطقة تبادُل إطلاق نار واشتدّ القصف من جميع الجهات. قصفوا المنازل المقابلة للمدرسة. أرسل الجيش إلينا شخصين لا نعرفهُما، جاءا ومعهُما حاويات بنزين لإحراق المدرسة والصّفوف. في الوقت نفسه هدم الجيش بواسطة الجرّافات جدار المدرسة والمراحيض وأحرق جميع خيام المهجرين.

دخلت إلى كلّ مدرسة عدد من الدبّابات وجرّافة وعاثت في المنطقة تدميراً وإبادة. أردنا أن ندفن مريم لكنّ الجنود أمرونا أن نذهب غرباً، وأنّهم سوف يهتمّون بالجثمان. قال أحد الجنود لوالدتي: "لا تقلقي. لك عهْد منّي. سوف أقوم بدفنها". لاحقاً علمنا من جارة لنا تأخّرت مغادرتها المستشفى حتى السّاعة 22:00 تقريباً - لأنّ والديها المريضين تصعّبا في مُغادرة المكان - أنّ الجنود أزالوا جثة مريم من المكان بواسطة الجرّافة وغطّوها بالرّمال.

الآن، أصبحنا مهجّرين ليس فقط عن منازلنا وإنّما عن مخيّم المهجرين أيضاً. نمكث حاليّاً لدى أقارب لنا في منطقة الشيخ رضوان غرب مدينة غزّة، ولكن هذه المنطقة أيضاً ليست آمنة حقّاً، ناهيك عن أنّها غير صالحة للسّكن وحتى الوُصول إلى المراحيض غير مُمكن. لقد عشنا حُروباً من قبل، غير أنّ هذه الحرب هي أصعبها جميعاً من ناحية التدمير، القصف، التجويع، التهجير، وأعداد الشهداء والمفقودين. إلى المكان الذي نوجد فيه الآن تصل طُرود غذائيّة مرّة كلّ أسبوعين. نحن لا نستطيع حتى شراء خُضار من السّوق لأنّها تُباع بأسعار جُنونيّة. سعر كيلو البصل وصل إلى 120 شيكل.

أصبح شمال القطاع مدمّرًا، خاصّة مخيّم جباليا للّاجئين. الصّعوبات التي نُواجهها هُنا لا يمكن وصفها. نحن ننتظر حتى ينسحب الجيش الإسرائيليّ لكي نستطيع العودة إلى المخيّم والبحث عن جثة شقيقتي.

في حزيران 2024، بعد أن انسحب الجيش الإسرائيليّ من منطقة جباليا، عادت أحلام مع والدتها وشقيقاتها وشقيقها الأصغر إلى منزلهم في مخيّم اللّاجئين. غير أنّ الجيش توغّل في المنطقة من جديد، في نهاية تشرين الثاني 2024، فاضطرّت العائلة إلى النزوح مجدّداً فانتقلت إلى المستشفى الإندونيسي. في 23.23.24 اقتحم الجيش المستشفى وأمر الطاقم الطبّي والمرضى والمهجرين بمغادرة المكان. عن ذلك قالت أحلام التلولي في إفادة مسجّلة أرسلتها إلى بتسيلم في اليوم نفسه:

بعد أن اجتاح الجيش منطقتنا من جديد في تشرين الأوّل 2024، ساءت الأوضاع كثيراً وأصبحت خطيرة. جميع من كان في المنطقة غادرها، عدا نحن وأشخاص آخرين معدودين. في نهاية شهر تشرين الثاني 2024 انتقلت مع والدتي وأخواتي الثلاث وأخينا الأصغر إلى المستشفى الإندونيسيّ، حيث تعمل شقيقتي ريم كممرّضة. لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه، ولم نرغب في الإقامة في خيمة في الشارع.

ثمّ وصل الجيش الإسرائيليّ إلى محيط المستشفى الإندونيسي، وأخذت طائرات "كوادكوبتر" تُطلق الرّصاص على نوافذ المستشفى. كنّا كلّما اقتربت طائرات "كوادكوبتر" نغادر الغرف المطلّة على الشارع المتفرّع عن مفترق حمّودة في اتجاه دوّار بن زايد وننتقل إلى الممرّات، لأنّها محميّة أكثر. هذا الأمر كان يتكرّر كلّ ليلة بعد أن توغّلوا.

عندما وصلوا إلى المنطقة، في يوم الأحد، دخلوا إلى المدرسة المجاورة للمستشفى وأخرجوا منها جميع المهجرين. لم يسمحوا لأحد أن يبقى في المدرسة. أمروا الناس أن يخرجوا وطائرات "الكوادكوبتر" تحلّق فوقهم، لكي يتأكّدوا أنّهم لن يحيدوا يميناً أو يساراً. اعتقل الجيش شخصين واستخدمهُما درعين بشريّين، وهُما اللّذان أرشداهُم إلى الطريق.

بقي الجيش في المنطقة، وفي مرحلة ما أرسلوا الشابّين المعتقلين إلى داخل المستشفى لكي يقولا لنا أنّ علينا إخلاء المكان. ولكن لم يكن هناك مكان نذهب إليه. أمّي تجد صعوبة في المشي لأنّها تعاني تآكلاً في الغضروف. لم يكن في المستشفى سوى نحن وعائلتين أو ثلاث عائلات أخرى - مهجرين ومرضى وطواقم المستشفى، وجميعهُم أشخاص عاجزون عن الوُصول إلى غرب غزّة سيراً على الأقدام.

هدّدنا الجيش وحذّرنا ثلاث مرّات. في إحدى هذه المرّات أطلقوا قذائف أو قصفوا السّطح، الطابق الثالث، ودمّروا معظم خزّانات المياه هناك، كما أصابوا بُرج الاتّصالات ومولّدات الكهرباء. منعوا وُصول سيّارات الإسعاف والمزوّدين إلى المستشفى ممّا فاقم مشكلة النقص في الموادّ الغذائيّة والأدوية.

نحن ما زلنا في المستشفى، والجيش متواجد قريباً منّا وأحياناً يدخل الجنود إلى المستشفى. لقد فجّروا "روبوت" في تلّ الزعتر، قبالة المستشفى. كان التفجير هائلاً وأسفر عن أضرار وجرحى داخل المستشفى أيضاً. في كلّ ليلة يقترب الجيش، ويقومون بتفجيرات ثمّ ينسحبون وفقط عندئذٍ نجرؤ على الذهاب للنوم. نحن نعيش في خوف والبوّابة يجب أن تبقى مُغلقة. لا يُسمح بدُخول أيّ مهجّر يلجأ إلى المستشفى أو بخُروج أحد من بوّابة المُستشفى. عندما يدخل الجنود إلى المستشفى يقولون لنا أنّه يُحظر الاقتراب من النوافذ والباب، الذي يجب أن يبقى مُغلقاً. كلّ شيء ممنوع. ممنوع التحرّك، وكلّ حركة تجلب إطلاق النيران.

توجّهت إلى العديد من الأشخاص خلال اليومين الأخيرين وطلبت أن يتوجّهوا إلى حُكومات الدّول ومنظمة الصحّة العالميّة والصّليب الأحمر من أجل الأشخاص العالقين هُنا في مُستشفيات المنطقة - الإندونيسي والعودة وكمال عدوان. نحن نسمع من هنا أصوات جميع الغارات التي يشنّونها على مستشفى كمال عدوان، لأنّه قريب منّا. نحن مدنيّون ولسنا إرهابيّين. لا نحمل سلاحاً. نحن مهجرون ومرضى ومرافقو مرضى وطواقم طبّية - أناس أبرياء.

نحن نتمنّى طوال الوقت أن تنتهي هذه الحرب، أن يتمكّن الناس هُنا من تلقّي العلاج اللّازم لهُم، أن تصل إلى المستشفيات موادّ إغاثة وسولار، وأن يتمّ إصلاح الأجهزة الطبّية. معظم المستشفيات أصبحت خارج الخدمة ولا تعمل، جرّاء استهدافها.

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 27.5.24

في 29.12.24 أرسلت أحلام التلولي إلى بتسيلم إفادة مسجّلة ثانية، وأخيرة، تحدّثت فيها عن إخلائها من المستشفى سويّة مع أفراد عائلتها:

في يوم الثلاثاء المُوافق 24.12.24، عند الثالثة فجراً، حلّقت فوق منطقة تلّ الزعتر طائرات كثيرة ونفّذت قصفاً مكثّفاً. عندما توقّف القصف اقتربت منّا دبّابات وأخذت تطلق النيران. في البداية ظننّا أنّها نيران كالتي كانت تُطلق هنا طوال الوقت حيث تمرّ دبّابات وتُطلق النيران الحيّة. غير أنّ الأمر لم يكن كذلك في هذه المرّة.

توقّفت الدبّابات أمام البوّابة الغربيّة وأخذت تطلق النيران على المستشفى وتنادي الطبيب إلياس ويوسف أبو رقبة، المسؤول عن المختبر، بأن يأتيا إلى البوّابة، ولم يتوقّف إطلاق النيران على المبنى. في تلك الأثناء قصف الجيش المباني العالية التي تقع قبالة المستشفى في منطقة تلّ الزعتر وتسبّب باندلاع النيران في المباني. وإضافة إلى ذلك، سوّى المنطقة كلّها بالأرض.

أمر الجنود جميع من تواجدوا داخل المستشفى بالنزول إلى قسم الطوارئ. كلّنا تجمّعنا هناك - الطاقم الطبّي والمرضى. بعد ذلك أمرونا بأن نُغادر خارجاً، كلّنا عدا الدكتور إلياس ومهندس الصّيانة عبد وممرّضتين، لكي يبقوا مع بعض المرضى الذين لا يستطيعون المشي. بقينا في الأسفل، في قسم الطوارئ. عند السّاعة 4:30 خرجنا إلى البوّابة ووقفنا أمام الدبّابة، ثمّ مشينا ودبّابة تسير أمامنا وأخرى خلفنا ودبّابة ثالثة تسير إلى يسارنا، وفي الوقت نفسه حلّقت من فوقنا طائرة كوادكوبتر. شاهدنا دبّابات قرب بوّابة المستشفى الشرقيّة أيضاً. كانت المنطقة كلّها قد سُوّيت بالأرض تماماً.

مشينا جميعاً في اتّجاه شارع صلاح الدّين. هناك أدخلنا الجنود إلى "بركس" يستخدمونه لإجراء التحقيقات. أجلسوا النساء جانباً وأخذوا الرّجال حيث حقّقت معهم المخابرات العسكريّة واحداً تلو الآخر. بعد مضيّ نحو نصف ساعة أخرجوا جميع النساء وأمرونا بأن نمشي في اتّجاه الغرب، بعد أن أخذوا منّا كلّ متاعنا. فقط لاحقاً علمت أنّهم أخلوا سبيل جميع الرّجال عدا 16 شابّاً ساقوهُم إلى المعتقلات.

بحمد الله، تمكنّا جميعاً من الوُصول سالمات إلى غرب مدينة غزّة وهناك مكثنا في منزل الممرّضة إيمان، زميلة شقيقتي ريم. لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه.

علمنا أنّ الجيش نقل إلى المُستشفى الإندونيسيّ، غداة مغادرتنا له، مرضى من مُستشفى كمال عدوان، وبضمنهم مرضى في حالات حرجة، علماً أنّه لا تتوفر في هذا المستشفى أيّة بُنية تمكّنه من مُساعدتهم - لا موّلدات كهرباء ولا ماء ولا طعام. آمل أن يخرجوا سالمين من هذه المحنة.

* بعد أسبوعين من تسجيل إفادتها الأخيرة هذه، استُشهدت أحلام التلولي في 13.1.25، حين جاءت إلى منطقة مفترق الغفري لكي ترتبط بشبكة الإنترنت وتم قصف منزل مُجاور.

** لقراءة الإفادة التي أدلت بها لبتسيلم أسمهان التلولي، والدة أحلام، قبل نحو نصف سنة من مقتل ابنتها.