Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

بلال بلبولة

بلال بلبولة

( 17 حزيران 2025 )

(34 عامًا)، أب لستة، من سكان مدينة رفح، تحدث عن إصابته بنيران الجيش في مركز لتوزيع المساعدات تابع لـ "الصندوق الإنساني" وعن الحياة في ظل الحرب والنزوح من البيت والجوع الشديد

كان بيتي، في حي تل السلطان في مدينة رفح، يعج بالحياة ومليئًا بضحكات الأطفال. كنت أسكن في مبنى العائلة المكون من 4 طوابق، حيث كان يعيش والداي وأعمامي أيضًا، مع زوجتي وأطفالنا الستة: محمد (10 سنوات) ومحمود (9 سنوات) وحور (8 سنوات) وشام (6 سنوات) وأحمد (5 سنوات) وعبود (3 سنوات). أنا حدّاد، وهي مهنة ورثتها وتعلمتها من أبي. نشأت على صوت المطرقة ووهج النيران ورائحة الحديد. كانت حياتنا آمنة وبسيطة. كنا نكتفي بما لدينا ونرضى به وقد واجهنا معًا، أنا وزوجتي، كل ما أتت به الحياة.

بلال بلبولة في مستشفى ميداني تابع للصليب الأحمر، بعد إصابته. صورة قدمها الشاهد مشكورًا
بلال بلبولة في مستشفى ميداني تابع للصليب الأحمر، بعد إصابته. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

الحرب غيّرت كل شيء. كان الجيش يقصف في كل مكان، دون تمييز، وشعرت بأنه لا يوجد مكان آمن. توقفت الحياة ولم نعد قادرين على كسب لقمة العيش من ورشة الحدادة. تمكنت أنا وأخي محمود من العثور على عمل مؤقت (للعاطلين عن العمل) في وكالة "الأونروا". كان الأجر ضئيلاً، لكن كان بإمكاني على الأقل إحضار بعض الطعام للأطفال ومساعدة والديّ قدر الإمكان. لاحقًا، عشنا على المساعدات الإنسانية من وكالة "الأونروا" ومنظمات دولية كانت تزودنا بطرود غذائية وبمساعدة منظمة المطبخ المركزي العالمي التي فتحت مطابخ خيرية وقدمت لنا وجبات.

ثم في 6.5.24، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه على وشك اجتياح مدينة رفح بقوات برية وألقى منشورات في المدينة تأمرنا بالإخلاء فورًا. كان ذلك يومًا رهيبًا. لم نكن نعرف إلى أين نذهب وإلى أين سينزح مئات الآلاف من سكان المدينة وما يقرب من مليون نازح وصلوا إلى المدينة بعد أن طُردوا من شمال ووسط القطاع.

في اليوم التالي، في الصباح الباكر، بدأ قصف عنيف وبدأ الجيش باقتحام المدينة. جمعت أنا وإخوتي كل الأغراض التي استطعنا حملها والتي سنحتاجها كنازحين، مثل الفرشات والبطانيات والملابس وأدوات الطبخ والطعام.

ذهبنا، جميع أفراد العائلة مع الوالدين، إلى منطقة المواصي في خان يونس، على شاطئ البحر. كانت هذه المنطقة تبدو كصحراء، لا يوجد فيها أي شيء. عندما وصلنا، كانت هناك بالفعل آلاف العائلات وكان الاكتظاظ رهيبًا. وجدنا مكانًا لننصب فيه خيامنا. كنا حوالي 60 من النساء والأطفال والرجال في خيامنا وبدأنا نشعر بالنقص على الفور. لم يكن لدينا عمل ولا مال ولا شيء نأكله وعانينا من الجوع. عشنا على ما قدمته لنا المؤسسات والجمعيات الخيرية. وجبات بسيطة ومواد غذائية اضطررنا لبيعها ليكون لدينا القليل من المال لشراء أشياء ضرورية، مثل الأدوية.

كان العثور على مياه صالحة للشرب يتطلب مجهودًا شاقًا للغاية. أحيانًا كانت تمر علينا أيام بلا طعام. في الليالي كان البرد قارسًا وفي ساعات النهار كانت الشمس تحرقنا. كان أطفالي يشكون من الجوع والعطش ولم يكن لديّ حتى القليل من البسكويت أو أي شيء حلو لأعطيهم إياه. كان الانشغال الدائم بمسألة الطعام والماء عذابًا شديدًا بالنسبة لي. كيف ومن أين أحصل عليه وماذا سيحدث إذا لم أجد شيئًا ولا يتوفر للأطفال ما يأكلونه.

في 19.1.25 عندما بدأ وقف إطلاق النار، فرحنا جدًا. ظننا أن معاناتنا قد انتهت وأننا سنعود إلى بيوتنا ونلملم ما تبقى من حياتنا ونتأقلم مع واقع ما بعد الحرب والدمار. لكن هذه الفرحة سرعان ما تلاشت عندما اتضح أن الجيش لا يزال في رفح وأنه من المستحيل العودة إلى هناك. بقينا في مواصي خان يونس وواصلنا المعاناة من النقص الرهيب والفقر ومن حياة بلا عمل وبلا مصدر دخل. كان من الصعب الحصول حتى على ربطة خبز. كان أطفالي يسألونني طوال الوقت متى سيأكلون ومتى سأحضر لهم الطعام وكنت أقف عاجزًا عن الكلام. لم يكن لدي جواب. كل ما تمكنت من الحصول عليه كان القليل من الخبز وهذا كل ما كانوا يأكلونه، خبز، مرة أو مرتين في اليوم.

في بداية شهر آذار، أغلق الجيش الإسرائيلي جميع المعابر إلى القطاع بالكامل. لم تعد تدخل المواد الغذائية والأدوية والطحين، مما تسبب بارتفاع جنوني للأسعار وفاقم من محنة جوعنا بشكل كبير. كان أطفالي يبكون كل يوم من الجوع وكنت أشعر بالاختناق في كل مرة يبكون فيها. من شدة الخجل، لم أستطع النظر في أعينهم. لم يكن لدي أي شيء لأطعمهم إياه. حاولت أنا وإخوتي كل شيء لإحضار الطعام لعائلاتنا ولم ننجح.

في شهر أيار، بدأ الجيش الإسرائيلي بالإعلان عن أماكن يتم فيها توزيع المساعدات على السكان وأخبرونا أن أحد هذه الأماكن هو منطقة العلم، على شاطئ مدينة رفح. كنا نعلم يقينًا أنه من الخطر الذهاب إلى هناك، لوجود قناصة ورافعات نصبها الجيش هناك، لكن كان علينا أن نذهب. كان علينا أن نخاطر بحياتنا في محاولة لإحضار الطعام للأطفال.

في يوم الأحد الموافق 1.6.25، خرجت مع أخي محمود الساعة 11:00 صباحًا، ووصلنا إلى منطقة العلم حوالي الساعة 15:00 بعد الظهر. كان هناك عشرات الآلاف من المهجرين الجائعين مثلنا. انتظرنا أن يدخلونا إلى مركز المساعدات وأن نحصل على طعام. فجأة، أُطلقت النار علينا من الرافعات التي نصبها الجيش الإسرائيلي هناك. بدأ الجميع يركضون في كل الاتجاهات محاولين الهرب وركضت أنا وأخي أيضًا تحت نيران الجيش ثم أصابتني 5 رصاصات. واحدة اخترقت أعلى الظهر وواحدة أسفل الظهر واثنتان أصابتا ذراعي اليمنى، إحداهما استقرت في الذراع والأخرى اخترقتها ودخلت الصدر. رصاصة أخرى أصابت ساقي. سقطت على الفور ورأيت عشرات القتلى والجرحى يتساقطون حولي كأنهم في شريط سينمائي.

كنت أشعر بالدوار وشعرت أنني على وشك أن أفقد الوعي. بحثت عن أخي محمود ليساعدني ورأيته يبحث عن شيء ليحملني عليه. وجد عربة يجرها حمار ووضعني عليها. في تلك اللحظة فقدت الوعي.

عندما استيقظت، وجدت نفسي على سرير في مستشفى ميداني تابع للصليب الأحمر في منطقة مطعم "فريش فيش" على شاطئ مدينة رفح. أخبرني محمود أنني كنت فاقدًا الوعي لمدة ست ساعات. أجرى الأطباء عدة عمليات جراحية لوقف النزيف وإخراج الرصاصات من ظهري وصدري ويدي. على الرغم من الخطر، أخرج الأطباء الرصاصة التي كانت في ظهري لأنها كانت تشكل خطرًا عليّ وأصابت أمعائي أيضًا. أجريت لي عملية جراحية في ساقي ووضعوا لي بلاتين. بعد ذلك استقرت حالتي. ما زلت في مستشفى الصليب الأحمر ولا أستطيع الحركة بسبب الإصابات.

كل ما في الأمر أنني ذهبت إلى مركز مساعدات لأحصل على طعام لأطفالي، والآن لا أستطيع أن أؤمّن لنفسي العلاج والأدوية ولا أعرف متى سأتمكن من الوقوف على قدميّ.

عجزي وعدم قدرتي على تأمين الطعام والماء لعائلتي يقتلني. معاناتنا مستمرة. الفقر والجوع والنقص، القصف والنزوح والموت الذي يتربص بنا في كل زاوية. لم نختر هذه الحياة. فقط من عاش بنفسه هذه المعاناة التي نمر بها يمكنه أن يفهم الحياة المرة التي فُرضت علينا.

* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 17.6.25