21 عامًا، من سكان حي الرّمال، طالبة طب أسنان، تعاني من نوبات هلع منذ أن قصف سلاح الجو الإسرائيلي مبنى بالقرب من منزلها عندما كانت في السابعة من عمرها. في عام 2014 قصف الجيش شقة كانت تختبئ فيها مع عائلتها وعائلات أخرى، وفي عام 2019 تم قصف مبنى بالقرب من منزلها مرة أخرى
في حرب عام 2008 ("الرصاص المصبوب") كنت أبلغ من العمر سبعة أعوام فقط. آنذاك كنا نسكن في الطابق الخامس في بناية في حي الزهراء في مركز مدينة غزة، وبجانب بنايتنا كانت هناك محطة إطفاء. قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية محطة الإطفاء عندما كنت في المنزل مع والدتي ومع أختي ملاك التي كانت تبلغ من العمر عامين ونصف آنذاك، ومع أخي كريم الذي كان يبلغ من العمر أربعة أشهر فقط. تحطمت جميع نوافذ المنزل حينها باستثناء غرفة أمي وأبي. أذكر أن كل شيء كان يهتز والزجاج ينتشر في كل مكان. كنت في حالة صدمة مما حدث خصوصًا عندما رأيت أمي تصرخ وتقوم بهزّنا للتأكد من أننا بخير. رأتني متجمدةً في مكاني ولا أتحرك. من شدة الهلع لم يكن بمقدوري حتى أن أصرخ.
طوال فترة الحرب بقيت داخل غرفة أمي وأبي، واستمر ذلك أيضًا لمدة أربعة أسابيع فيما بعد. شعرت أنه المكان الأكثر أمانًا في المنزل لأنه المكان الوحيد الذي لم تتحطم فيه النوافذ. كنت أطلب من أمي وأبي أن يُحضرا لي الطعام إلى هناك، وحين كنت أريد الذهاب إلى الحمام كنت أطلب منهم التحقق من أنه لا يوجد أي خطر. عندما كنت أخرج من الغرفة كنت أخشى المرور من جانب النوافذ، وكنت أنحني بجسدي حين أقترب منها، لأنني كنت أخشى أن يدخل الرصاص أو القذائف عبرها.
في حرب 2014 ("حارس الأسوار") كان عمري 13 عامًا، أذكر أننا انتقلنا من شقتنا في الطابق الخامس إلى منزل جيراننا في الطابق الأرضي. قضينا كل أيام الحرب هناك. كان الأمر فظيعًا لأننا أنا والأطفال الآخرون لم نستطع الخروج للعب، والشقة كانت مزدحمة للغاية. كانت مليئة بالناس، لم نستطع التحرك فيها، وفي الليل لم نكن نتمكن من النوم بسبب خوفنا الكبير من القصف. كنا ننام أحيانًا أثناء النهار.
في إحدى الليالي قصف الجيش الإسرائيلي الشقة التي كنا نقيم فيها أنا وعائلتي وأصحاب الشقة وعائلة أخرى كانت تحتمي فيها أيضًا. كنا في المنزل حوالي 15 شخصًا ودخلنا جميعنا إلى المطبخ بسرعة، حيث شعرنا أنه أكثر أمانًا. شعرت بالهلع الشديد. كان الكبار من أفراد العائلة يشرحون لي أن حتى التّجول في المنزل أمر خطير، لذا كنت أزحف في الممر لكي أتنقل بين الغرف.
في عام 2016 انتقلنا للعيش في شقة تقع في الطابق السادس من بناية في حي الرمال. منذ ذلك الوقت وقع قصف عنيف عدة مرات من قبل الجيش الإسرائيلي.
في 5.5.19 وحوالي الساعة 3:00 قُبيل الفجر استيقظت عندما قصفوا بناية مجاورة لنا. بعد ذلك الحدث فقدت القدرة على النوم لمدة يومين. كنت أستيقظ وأشعر بالاختناق. ومنذ ذلك الحين أصبح نومي متقطعًا وبتّ أستيقظ بسهولة من أي ضجة أسمعها.
في الحرب الأخيرة عشنا هذه الأمور مرة أخرى، كما في كل الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية الأخرى في قطاع غزة، وما تزال مصاعبي النفسية تزداد أكثر. عندما يقع قصف في منطقتنا أعاني من نوبات هلع شديدة. أشعر بتشنجات ثم يسري الخدر في يديّ وقدميّ. أعاني متلازمة فرط التنفّس وأحيانًا أفقد القدرة على التواصل ثم أنفجر بالبكاء. أشعر بالقلق باستمرار على أفراد عائلتي. في بعض الأحيان كان القصف حولنا يقع أثناء تناولنا للطعام فلذلك تأثرت أيضًا شهيتي سلبًا.
عندما يقع قصف ينزل الجميع إلى الطابق الأرضي ويتجمع عدد كبير من العائلات معًا. تتلاشى الخصوصية تمامًا. يشعر الجميع بالتوتر لدرجة أنهم يخافون حتى الاستحمام. كل ما اعتدنا فعله يختفي. ننام بملابسنا وليس بملابس النوم وأحيانًا ننام حتى بالمعاطف والأحذية، خوفًا من أن يقع قصف في منتصف الليل ويكون علينا الفرار. حضرت حقيبة ووضعت فيها وثائقنا الرسمية وأبقيتها بجوار باب الشقة. تمنعني هذه الأشياء كلّها من الشعور بأنني إنسانة عادية.
هذه الإفادة سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، في 12.6.23.