صحافيّة (33 عامًا)، من مخيّم النصيرات للّاجئين، تحدّثت عن الهجوم على المخيّم خلال عمليّة تحرير المختطفين الأربعة في 8.6.24:
أنا صحافيّة مستقلّة وأعمل مع قناة "الجزيرة". منذ اندلاع الحرب أقوم بتغطية وتوثيق الأحداث في قطاع غزة وأقدّم تقارير هناك ببثّ حيّ ومباشر. كنت أسكن في شارع الدعوة في منطقة صلاح الدين في مخيم النصيرات للاجئين. في كانون الأول انتقلنا أنا وعائلتي إلى جنوب قطاع غزة بأوامر من الجيش، وفي كانون الثاني وبعد انسحاب الجيش من البلدات في وسط القطاع اكتشفنا أن منزلنا قد دمر جزئيا. ومع ذلك، في بداية شهر آيار، بعد عدة أشهر من العيش في الخيام، عدت للعيش هناك مع أختي شاهيناز وأخي أحمد وزوجته سعيدة، وقمنا ببعض التصليحات.
يومأمس، 8.6.24،ذهبت إلىطبيب الأسنانورافقتني شاهيناز. تقع العيادةفي مدخلمخيّم البريجللّاجئين، فيشارع صلاحالدّين. نحوالسّاعة 11:45 سُمع فجأة قصف مكثّفوإطلاق قذائفمن مدفعيّة ومن دبّابات،وصُراخ أناسفي الشارع. ثمّ اشتدّالقصف أكثرفأكثر وسمعناأصوات دبّاباتتقترب. خرجتوشاهيناز منالعيادة ونزلناإلى الشارع.
ارتديتدرع الصحافة،المكتوب عليهPRESS، وقلتلشاهيناز "سأبقى هنا. اذهبي أنتإلى المنزل"، لكنّهاأصرّت علىالبقاء معي. كنّا فيشارع صلاحالدّين فيمخيّم البريج،وكانت الدبّابات تسدّ المدخلين الشماليّوالجنوبيّ للمخيّم،ونحن علقنافي الوسط.
أطلقتالدبّابات قذائف،وكان إطلاقمكثّف لمقذوفاتمن أنواعأخرى. كانتالنيران كثيفةوشديدة بحيثأخذ الناسيزحفون علىبطونهم للبحثعن ملجأ. كان ذلكمُرعباً. لمأرَ فيحياتي مثلهذا الشيء. جرحى يركضونفي الشارعونساء تحملأولادها الجرحى. كنت أرىالرّصاص يضربالأرض عندرجليّ. وأنالا أستطيعالجري بسُرعةلأنّ لديّقطعة بلاتينداخل رجلي،إثر حادثطرق. معذلك تمكّنامن الوصولإلى مدخلمخيّم النصيراتللّاجئين. كانتفي الجوّمروحيات رباعيّة تطلق الرصاصنحونا مباشرة. في هذهالمرحلة تمكّنتأخيراً منإقناع أختيبأن تعود إلىالمنزل.
بقيتوحدي وأخذتأصوّر مايجري. كانتالدبّابات أماميتماماً. لاأذكر عددها. كانت الأجواءمن بدايةمخيّم البريجوحتى شارعصلاح الدينمليئة بالمروحيات الرباعيّة، وكان أيضاًقنّاصة فيكلّ مكان،فوق البناياتالعالية.
فكّرتبأخي أحمدوزوجته، إذكانا فيالمنزل، وحاولتالاتصال بهماولكن الاتصالات لم تعمل. قلتلنفسي ربّماوصلت الدبّابات حتى منزلنا وهُماالآن محاصران. أثناء الاجتياحالاوّل استولىالجيش علىبنايتنا لأنّهامؤلّفة منخمسة طوابق، منالبنايات العالية نسبيّاًفي المخيّم.
صوّرتأشخاصاً يحملونأولادهم والدمينزف منهم،شابّاً يحملنصف جثّةشابّ آخر،نساءً يركضنفي الشارعدون وعيوبلا غطاءرأس، أشخاصاًيقعون فيالشارع لكثرةالنيران والفوضىالعارمة. أناأيضاً وقعتأرضاً، ووقعبقربي شابّانآخران وامرأة. رأيت أطفالاًفي الشارعدون عائلاتهم، وطفلاً مستشهداً ولاأحد قربه.
تمكّنتمن الوُصولإلى بنكفلسطين فيمخيّم النصيراتللّاجئين وتوقّفتهناك لكيأصوّر. أطلقتمروحية رباعية مقذوفاتها حينكنت أصوّردُخول دبّابةإلى المخيّم. لذت بالفرارومن شدّةخوفي تمكّنتمن الجريبسُرعة.
فيتلك اللّحظاترأيت فيالشوارع أعداد كبيرة من الناس الذين لميعرفوا إلىأين يتّجهونوكيف يفرّونمن القصف. أخذوا يركضونفي اتّجاهالزوايدة وديرالبلح. جماهير منالناس - أطفال ونساء ورجال. وكانتالطائرات الحربيّةتقصف بجُنون،والجرحى والقتلىفي كلّمكان، ولاتوجد سيّاراتإسعاف تُخليهمإلى المستشفيات.
سمعتأحدهم فيالشارع يتحدّثعن وُجودوحدات خاصّةفي المخيّم. التقيت شقيقسائدة، زوجة أخيأحمد، فسألته عنهاوعن أخي. قال إنّأحمد قدأصابته قذيفةدبّابة حينكان خارجالمنزل، وإنّنيراناً أطلقتنحو سائدةولكن لمتُصبها.
فيتلك اللحظاتتماماً قصفتطائرة استطلاعالمكان الذيكنت أقففيه. استُشهدطفل وشابّوجُرح عددمن الأشخاص. أنا أصبتمن شظيةفي رجلياليسرى ووقعتأرضاً. لمتكن هناكسيّارة إسعافولا سيّارةمدنيّة تُخليني. اتصلت على أختي أسيل، وجاء زوجها وأخذني،وبالضبط فيتلك اللّحظةأغمي عليّ. عندما استيقظتوجدت نفسيفي منزلأختي. جاءوابمُسعف قامبتعقيم وتضميدالجُرح فيرجلي.
بعدمضيّ ساعةتقريباً، عدتإلى الشوارعلتغطية الأحداث. وصلت إلىمحيط مستشفىالعودة. مجموعات بأكملهامن البنايات اختفتكأنْ لمتكُن. المنازلالتي بقيتكانت تشتعلفيها النيرانومن فيهايحترقون أحياء. لا توجدسيّارات إطفاءولا قوّاتدفاع مدنيّولا سيّارات إسعاف. شاهدت سيّارتي إسعاففي مستشفىالعودة تحترقان.
ظلّتالمنازل تحترقطوال أربعساعات تقريباًولم يكنهناك منيساعد الناس. كان الناسيُطفئون ألسنةالنيران بأيديهم. كنت واقفةهناك مصدومة - أصوّر وأبكي. كانت السيّارات من حولي تُقصفورُكابها يستشهدونداخلها. غطّوهمببطانيّات. كانتالدّماء تملأالشوارع. أينماتمشي تدوسقدماك دماءالشهداء. مناظرليست منهذا العالم. حزن وأسىًلا يمكن وصفهما ولايتصوّرهما عقل. لم أشهدأبداً ولمأتخيّل شيئاًكهذا. خيّمإحساس فظيعبالظلم.
رأيتشابّاً يخرجمن منزلهويده مقطوعة. كان يقول "هناك شهداءداخل المنزل". وجوهالناس كانتمغطّاة بالغباروالرمل المسودّين بسبب السّخام. نساءيبحثن عنأولادهنّ باكيات. سمعت نساءًيُطلقن صرخاتالذعر حينعثرن على جثثأولادهنّ وأزواجهنّ في الشارع.
رأيتامرأة منعائلة جندية تقول: "أين أولادي؟! كانوا هُنا!". بعدذلك عثرتعلى أحدأولادها جثةمتفحّمة. عرفتهمن سوارٍ كان يلبسه. مشهد تقشعر له الأبدان. احتضنتهاوهي تبكيورُحت أبكيمعها. كانتتقول وتكرّر"راح ابني… راح ابني". بعدذلك تركتُها وبقيتهي هناكتبكي بكاءًمريراً.
المناطقالمحيطة بمستشفىالعودة بدتكأنّما وقعفيها زلزال. المنازل مهدّمةتماماً، منأساسها. الشوارعيصعب التعرفعليها. شكلالطرق تغيّر. كانت سيّاراتتُخلي جرحىوجثثاً متفحّمة. في هذهالمرحلة انهرت. لم يعُدبوُسعي سوىالبكاء.
عدتإلى عائلتيفي مخيّمالمهجَّرين في المدرسةلكي أطمئنّعليهم. أخيأحمد يتلقّىالعلاج فيمستشفى العودة. حدّثتني شاهينازوسائدة أنّهماحين عادتاإلى المنزللكي تطمئنّاعلى وضعهتبيّن لهُماأنه قدجرى تفتيشالمنزل. وجدتاهناك عبواتمشروبات ورصاصخلّفه الجنودوراءهم. وجدتاأيضاً أنّالجنود قدسكبوا الطعاموالموادّ الغذائيّة على الأرض، مزّقواثيابنا، فحصواحاسوبي المتنقّلوأخذوا منهالقرص الصلب (الهارد ديسك)، كما صادرواهاتف أحمدأيضًا.
أناالآن موجودةفي مخيّمالمهجَّرين في المدرسة،مع أفرادعائلتي.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، في 9.6.24