Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

فريال صافي

فريال صافي

( 26 نيسان 2025 )

48 عامًا، أم لثمانية، من سكان مدينة غزة، تحدثت عن التهجير، عن فقدان ابنها في القصف، عن اعتقال زوجها وأبنائها، عن حفيدتها الرضيعة التي كادت أن تتجمد حتى الموت وعن جهود الأسرة للبقاء على قيد الحياة خلال سنة ونصف السنة من الحرب

حتى اندلاع الحرب، كنت أنا وزوجي سمير صافي (53 عامًا) نسكن مع أطفالنا الثمانية: علي (31 عامًا)، محمود (30 عامًا)، أحمد (27 عامًا)، محمد (26 عامًا)، عبد الله (23 عامًا)، صالح (16 عامًا)، فرح (22 عامًا) وليلى (20 عامًا)، في مبنى مكون من ثلاثة طوابق في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة. زوجي يعمل حلّاقًا وكان لديه محل حلاقة في الطابق الأرضي من المبنى.

في ذلك الوقت، لم يكن وضعنا الاقتصادي جيدًا. كان معظم أطفالنا عاطلين عن العمل بسبب الوضع في القطاع ولم يكونوا يعملون سوى في أعمال مؤقتة، من حين إلى آخر. كنا نعيش كلنا على دخل زوجي كحلاق، في أغلب الأوقات. وقد صمدنا لأنه كان لدينا أمل في أن يتحسن الوضع، بمشيئة الله.

عندما بدأت الحرب في 7.10.23، فوجئنا بأن القصف استهدف منازل المدنيين مباشرة، دون أي تحذير مسبق. ألقوا أطنانًا من القنابل على المساجد والمدارس والشوارع ودمرّوها. رأينا آلاف المدنيين - رجالًا ونساءً وأطفالًا - يفرّون من منازلهم في منطقتيّ الحدود الشرقية والشمالية في القطاع إلى وسط مدينة غزة، وكان بعضهم يبحث عن مأوى في المدارس.

فريال صافي تطبخ على موقد النار. صورة قدمتها العائلة مشكورة

في اليوم الثاني من الحرب، ألقت الطائرات منشورات في حيّنا تأمرنا بإخلاء المنطقة بحجة أنها منطقة قتال وهددتنا بالقتل والقصف.

ازدادت حدة القصف يومًا بعد يوم وارتفع عدد القتلى بشكل جنوني. لم نبقَ في المنزل طويلًا، إذ قصفوا منزل عائلة كلوب بالقرب منّا، وكان مليئًا بالمهجّرين، معظمهم من النساء والأطفال. قُتل جرّاء القصف أكثر من 25 شخصًا وتناثرت أشلاء جثثهم في كل مكان - في الشارع، على أسلاك الكهرباء وعلى أسطح المنازل المجاورة. كانت تلك مجزرة لا يمكن وصفها بكلمات. في تلك اللحظة قررنا عدم البقاء في المنزل ولو لحظة واحدة أخرى. جمعنا بعض الأغراض وتزودنا ببعض المؤن وخرجنا، على أمل إيجاد مكان آمن وهادئ.

غادرنا في ظهيرة يوم 25.10.23، مع حشود المهجّرين. وبينما كنا في الطريق، قصفت الطائرات منزلًا في الشارع الرئيسي في حي الشيخ رضوان فقُتل ابني محمود (30 عامًا) وأصيبت زوجته في الرأس وأصيبت أيضًا ابنتهما الصغيرة (سنتان) بشظايا وفقدت أصابعها.

وصلنا إلى مدرسة الهاشمية، في حي التفاح، قرب شارع صلاح الدين. بقينا هناك لمدة شهر كامل. كانت الظروف صعبة - نقص في الطعام والماء، برد قارس وخوف دائم. لم تتوقف عمليات القصف من حولنا للحظة واحدة.

في 1.12.23، بعد شهر من انتهاء وقف إطلاق النار الأول، بدأ الجيش بقصف المدرسة بصورة عشوائية دون تمييز واقتربت الدبابات. هربنا من هناك دون أن نأخذ معنا أي شيء. كل ما كنا نريده هو إنقاذ أنفسنا فقط. خلال هروبنا، أطلقوا قذيفة باتجاه بوابة المدرسة فأصيب زوجي وأبنائي وبناتي. رحمة الله هي فقط التي أنقذتنا من الموت.

توجهنا إلى شارع الشهداء بالقرب من مبنى المجلس التشريعي ومشينا ساعات طويلة بحثًا عن ملجأ. في النهاية، دخلنا إلى منزل فارغ في شارع الشهداء - مبنى مكوّن من طابقين تملكه عائلة مسيحية نزحت إلى جنوب القطاع. كنا هناك حوالي 20 شخصًا - أنا وزوجي وأولادي وأختي، وهي مشلولة بسبب حادث تعرضت له قبل 25 عامًا، وأقارب آخرون. بقينا هناك قرابة شهرين.

أفراد عائلة صافي مع مهجَّرين آخرين في المنزل الذي وجدوا فيه ملجأ في شارع الشهداء، خلال استيلاء الجيش عليه. صورة نشرها جندي إسرائيلي على شبكات التواصل الاجتماعي. استخدام بموجب البند 27أ

في ليلة 29.1.24 حوالي الساعة 23:00، حاصرت دبابات إسرائيلية المنزل وتمركزت إحداها بالقرب من البوابة، ثم بدأت طائرات الكوادكوبتر بإطلاق النيران علينا، وأمرنا الجيش بعدم الخروج. كنا محبوسين في المنزل لمدة أسبوع، ولم يكن لدينا سوى القليل من الخبز وقليل من الماء. طوال ذلك الأسبوع، كنا جائعين جدًا ولم نتمكن من النوم ليلًا بسبب الخوف والقلق الشديدين.

في 5.2.24 في الساعة 10 صباحًا، بدأت الجرافات بهدم سور المنزل، ثم المنزل نفسه، بينما كنا نجلس جميعًا في إحدى غرف الطابق الأول. ثم جرى قصف الطابق الثاني واشتعلت النيران فيه وانتشرت وكادت تصل إلينا. اعتقدنا أننا سنحترق أحياء.

بعد ذلك، أرسل الجيش طائرة كوادكوبتر إلى داخل المنزل وأمرنا عبر مكبر الصوت برفع أيدينا. قامت طائرة الكوادكوبتر بتصويرنا. ثم دخل الجنود وأجبرونا على خلع ملابسنا. قاموا بفصل النساء عن الرجال وأخذوا بطاقات الهوية وبدأوا باعتقال الرجال: زوجي سمير وأبنائي علي وأحمد وعبد الله ومحمد، واثنين من أصدقائهم. كما استخدم الجنود عبد الله كدرع بشري فأجبروه على القيام معهم بعملية تفتيش في المنزل وقاموا بتقييد أيدي الرجال الآخرين ثم بتقييد يديه واعتقاله هو أيضًا.

بعد ذلك، في الساعة 17:00، أمرونا، نحن النساء - وتحت تهديد السلاح - بالمشي إلى جنوب القطاع على طول شاطئ البحر. خرجنا بدون أي رجُل وطوال الطريق كانت تحلق فوقنا طائرات مسيّرة بدون طيار وتبث لنا تعليمات - بالنزول عن الشارع الرئيسي والسير على خط الساحل.

بقينا نمشي طوال يومين. أنا مريضة بالسكري وأعاني من ارتفاع ضغط الدم وأختي على كرسي متحرك. في الليل، نمنا على الشاطئ ونحن نرتجف من البرد، جوعى وعطشى. كانت معنا حفيدتي، ابنة ابنتي، ابنة خمسة أشهر فقط. كادت أن تموت من البرد. حاولنا إبقاءَها على قيد الحياة بواسطة حرارة أجسادنا نحن.

رأينا في الطريق عشرات الجثث - نساء، أطفال ورجال - ملقاة على الشاطئ، والكلاب تنهشها. كانت بعض الجثث قد تحللت من ملوحة مياه البحر. طوال الوقت كانت تحلق فوقنا طائرات مسيّرة بدون طيار.

في 7.2.24، في الساعة 7:00 صباحًا، وصلنا إلى مخيم النصيرات للاجئين في وسط القطاع. انهَرْنا. قام بعض الأشخاص الطيبين بنقلنا على عربة إلى مستشفى شهداء الأقصى وهناك تلقينا العلاج وأعطونا الطعام والملابس. في اليوم التالي نقلونا إلى مخيم للمهجّرين بالقرب من المستشفى، وبقينا هناك. بعد ثلاثة أشهر، في 5.5.24، تم إطلاق سراح زوجي وابني محمد فعادا إلينا. ولا يزال ثلاثة من أبنائي معتقلين.

بقينا في مخيم المهجرين حتى وقف إطلاق النار. كانت الظروف مزرية - لم يكن هناك طعام أو ماء، باستثناء ما حصلنا عليه من التكايا أو من أشخاص فاعلي خير. لم يكن لدينا أي مصدر دخل.

عندما تم إعلان وقف إطلاق النار، في 19.1.25، عدنا في اليوم التالي إلى حي الشيخ رضوان سيراً على الأقدام، لأنهم منعونا من العودة بالسيارة. وجدنا منزلنا مدمراً بالكامل. أصبحنا بلا مأوى. حصلنا على خيمة عشنا فيها سوية مع عشرات المهجرين الآخرين، مع مراحيض مشتركة والقليل جداً من المياه للشرب وللنظافة. كنا نحصل على الطعام من التكايا في المنطقة: بازلاء وفاصوليا وعلب معلّبات وخبز.

عندما أُغلقت المعابر في 2.3.25، بدأنا نشعر بنقص حاد. لم يبقَ علب معلّبات. بدأ الطعام ينفد. بدأنا نلاحق الطعام، من تكية إلى أخرى لكي نحصل على طبق من الفاصولياء أو الأرز. اللحوم أو الدجاج، والتي كان من الصعب الحصول عليها قبل ذلك أيضًا، لم تعد متوفرة على الإطلاق. منذ أكثر من 45 يومًا لم تدخل أية مساعدات، على الإطلاق، والجوع يزداد تفاقمًا.

يخرج زوجي كل يوم ليبحث لنا عن طعام ـ مجدرة أو أرز أو فاصولياء. من أجل أن نبقى على قيد الحياة فقط. يبحث عن ماء للشرب والاستحمام والتنظيف أيضًا. نحن نستحم مرة واحدة فقط كل ثلاثة أسابيع تقريباً، عندما يكون هناك ما يكفي من الماء.

منذ استئناف القصف، يزداد الوضع سوءاً باستمرار. من الصعب التحرّك، من الصعب البحث عن الماء والطعام، الخطر محدق بنا كل الوقت. نعيش في حالة من الخوف والجوع والتوتر بشكل دائم. كل ما يشغلنا هو كيف سنتمكن من الأكل والشرب. لا توجد مواصلات، لا وقود ولا مال. الوضع يتدهور يوماً بعد يوم.

لقد أُهِنّا حتى أعماق أرواحنا - تحت الحصار والجوع والفقر. نحن نُقاتل من أجل حق أساسي واحد: أن نعيش.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 26.4.25