Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

هيثم سالم

هيثم سالم

( 31 تشرين الأول 2025 )

(31 عامًا)، من سكان بيت لاهيا، تحدث عن التنكيل الشديد، الجوع، الحرمان من العلاج الطبي خلال اعتقاله في إسرائيل، عن الخبر المفجع الذي تلقاه عند إطلاق سراحه بشأن مقتل زوجته وأطفاله الثلاثة في غارة إسرائيلية:

هيثم سالم بعد الإفراج عنه. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

عندما اندلعت الحرب، كنت أسكن مع زوجتي، إخلاص عيسى (32 عامًا)، وأطفالنا الثلاثة، براء سالم (8 أعوام) وإيمان (5 أعوام) وليان (عامان)، في الطابق الرابع في مبنى مكون من أربعة طوابق في بيت لاهيا، قريبًا جدًا من مخيم جباليا. في الشقق الأخرى في المبنى كان يسكن أبناء أعمامي. في البداية لم نغادر منزلنا ـ كنت أعتقد أن الحرب ستنتهي بعد بضعة أيام ـ إلى أن أدركت أنه لا يمكن مقارنتها بالحروب السابقة.

في كانون الأول 2023، هاجم الجيش بيت لاهيا وأصيب منزلنا. اضطررنا إلى النزوح وانتقلنا إلى منزل عائلة زوجتي في مخيم جباليا للاجئين. بقينا عندهم بضعة أيام، ثم انتقلنا مرة أخرى، وهذه المرة إلى مقر وكالة الأونروا في غرب مدينة غزة. بقينا هناك خمسة أيام ثم عدنا إلى منزل عائلة زوجتي. من حين لآخر، كنت أتمكن من زيارة منزلنا في بيت لاهيا، والذي دمرته عمليات القصف جزئياً. في شباط 2024، بعد عدة أشهر من التهجير، أصلحت الأضرار قدر المستطاع وعُدنا للعيش في منزلنا. كما عاد أفراد آخرون من عائلتنا للعيش في المبنى.

خلال الاجتياح الثاني لمخيم جباليا، في أيار 2024، هاجم الجيش الإسرائيلي المنطقة المحيطة بمستشفى كمال عدوان، والقائم في بيت لاهيا، ليس بعيدًا عن منزلنا. أصيبت بنايتنا إصابة مباشرة بصاروخ اخترق الطابق الذي كنا نسكن فيه وانفجر في الطابق الثاني. قُتل حوالي 25 فرداً من عائلتي الموسعة. نجوت أنا وزوجتي والأطفال من القصف وبقينا سالمين. نزلنا إلى الطابق الثاني. كان المنظر هناك مروّعاً: جثث وجرحى في كل مكان. في ذلك اليوم، انتقلت مع زوجتي وأولادي إلى منزل خالتي في مخيم جباليا للاجئين وبقينا هناك حوالي أربعة أشهر. ثم انتقلنا من هناك إلى شقة جارنا الذي انتقل إلى الجنوب وأقمنا فيها نحو شهر ـ حتى تشرين الأول 2024، عندما اقتحم الجيش مخيم جباليا للاجئين مرة أخرى. خاطبنا الجيش عبر مكبرات الصوت وأمرنا بالتوجه إلى حاجز "الإدارة المدنية" الواقع شرقَ مخيم جباليا.

ذهبت أنا وزوجتي والأطفال نحو الحاجز. كان الأطفال يبكون دون توقف وكانت زوجتي خائفة جداً. كانت تقول لي طوال الوقت: "هيثم، أنا خائفة جدًا من أن يعتقلك الجيش عند الحاجز. إذا أخذك الجيش، فسأموت بدونك". بسبب خوف زوجتي وأطفالنا، قررنا العودة على أعقابنا وعدم المضي قُدمًا إلى الحاجز. عدنا إلى مخيم جباليا، إلى منزل أخي. لكن القصف لم يتوقف، بل اشتد من حولنا، ونثر الجيش منشورات تأمرنا بالإخلاء. في النهاية، في 17.11.24، قررنا الذهاب إلى حاجز الإدارة المدنية. عندما وقفنا عند الحاجز، كانت زوجتي تبكي من شدة الخوف. أعطيت ابني براء ساعة اليد الخاصة بي. بدأ يبكي وقال لي: "أنا سعيد جدًا لأنك أبي، وأنا أحبك". عانقت أطفالي وقبلتهم. في ذلك الوقت، شعرت بأنهم سيلقون القبض عليّ.

هيثم سالم مع زوجته إخلاص عيسى التي قُتلت جرّاء غارة إسرائيلية. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

في تلك اللحظة، ناداني الجنود عند الحاجز. اقتربت منهم، فصوّروني وأعطوني زيًا أبيض لأرتديه. بدأوا بضربي على الفور وشعرت بأنهم يحطّمون جسدي. في المساء، أخذوني أنا وبقية المعتقلين في شاحنتين إلى منطقة تحولت إلى معسكر للجيش، إلى الشرق من مخيم جباليا للاجئين. كنا جميعاً مقيدين بالأصفاد والأغلال في أيدينا وأرجلنا. عندما وصلنا إلى المعسكر، أجبرنا الجنود على الركوع وطأطأة رؤوسنا إلى الأسفل، ثم فركوا رؤوسنا بالحصى وركلونا. كنت أرتجف من البرد. اقتربت مني جنديّة، فقلت لها إنني أشعر بالبرد. ذهبت وعادت مع بطانية. لم يحصل بقية السجناء على بطانيات.

قضينا الليلة هناك. في الصباح، وصلت حافلة، أدخلونا إليها وضربونا أثناء ذلك. نقلونا إلى سجن "سديه تيمان". عندما وصلنا إلى السجن، لم أستطع التبول بسبب الضرب الذي تعرضت له. لاحقًا، لاحظت وجود دم في البول. فحصني طبيب وأخبرني أنه لا يوجد علاج ونصحني بشرب الماء.

أخضعوني للتحقيق طوال الوقت. أثناء التحقيق، كان الجنود يضربونني ضربًا مبرحًا وقد كسروا إحدى أضلاعي. حاول الجنود طوال الوقت تخويفنا وكسر معنوياتنا. كانوا يقومون بعمليات قمع مرتين في الأسبوع، يلقون قنابل صوتية في الغرف، يصيبون السجناء بجروح، يجبروننا على الركوع وأيدينا فوق رؤوسنا ويشتموننا. عيَّنني الجنود "شاويشًا" ـ أي، مسؤولاً عن بقية السجناء، وأمروني بصفع السجناء الآخرين. قالوا لي "إذا لم تضرب السجناء، فسنضربك نحن"، وعندما صفعت السجناء، طلبت منهم السماح. رغم ذلك، ضربني الجنود وشتموني. كانت تلك أصعب أيام في حياتي. لم يكن هناك رحمة أو شفقة تجاه أي سجين.

بالإضافة إلى كل ذلك، كنا نعاني من قلة الطعام. في الصباح، كنا نحصل على شريحة صغيرة من الخبز وقطعة تفاح أو خيار أو بندورة. في الظهيرة، كنا نحصل على ملعقة من التونة مع شريحة خبز. أحيانًا كانوا يعطوننا أيضًا ملعقة من المربى. عندما كان الجنود يجلبون لنا الطعام، كانوا يضعونه تحت الباب ثم يدفعونه بأحذيتهم. أحيانًا، كانوا يسكبون صابون الجلي أو الماء على طعامنا ويجبروننا على أكله - وإذا رفضنا، كانوا يضربوننا. أحيانًا كان الطعام يصل مبللًا بمياه الأمطار. كان الجنود يقولون لنا: كلوا مثل الطيور والحيوانات.

أحيانًا، كانوا يطلقون علينا الكلاب لتهاجمنا، يضربوننا بألجمة أفواه الكلاب الحديدية، وحتى يتبولون علينا. كانوا يسمحون لنا بالاستحمام مرتين فقط في الأسبوع. في البداية كانوا يسمحون لنا بتغيير ملابسنا بعد 40 يومًا، وبعد ذلك بعد ثلاثة أشهر فقط.

بقيت في سجن "سديه تيمان" حوالي أربعة أشهر ونصف الشهر، حتى 9.4.25، ثم نقلوني إلى سجن "عوفر".

في سجن "عوفر"، كان العديد من السجناء يعانون من الجرَب والالتهابات الفطرية، كما أصبت بها أنا أيضاً. لم نتلق أي علاج – كلما طلبنا دواءً للجرب والالتهابات، كانوا يقولون لنا أن نغسل الجلد بالماء والصابون. في إحدى المرات، حصلنا على الكلور وقام بعض السجناء بغسل الجلد المصاب به من شدة اليأس، لكن ذلك زاد من حرقة الجلد، فقمنا بصب الماء البارد عليهم. ظل بعض السجناء يعانون من الجرب طوال أشهر: احمرت بشرتهم ونزفت من كثرة الحكّ ولم يتمكنوا من النوم ليلاً. كانت الحكة شديدة لدرجة أن بعض السجناء نزعوا شعر أجسادهم في المناطق الحساسة - نزفوا وصرخوا من شدة الألم ليلاً ونهاراً.

في سجن "عوفر" أيضًا كان الطعام قليلًا جدًا. كنا نحصل على حصص صغيرة جدًا من الخبز والبيض، كانت تكفي فقط لإبقائنا على قيد الحياة. كانوا يضربوننا ويقمعوننا دون توقف. أحيانًا كنت أبكي من شدة الضربات التي كنت أتلقاها على جميع أنحاء جسدي، وخاصةً لأنني كنت لا أزال أعاني من كسر في الضلع.

حتى الاستحمام كان كابوسًا. كانوا يُدخلون خمسة سجناء معًا إلى الحمّام، وبعد دقيقة يصرخون علينا للخروج. لم نكن نحصل إلا على صابون الجلي للاستحمام. في الشتاء، كان الجنود يوقظوننا في منتصف الليل أحيانًا للاستحمام ـ كان ذلك تعذيبًا أكثر منه استحمامًا.

في 25.8.25، نقلوني إلى سجن النقب (كتسيعوت). خلال النقل، ضربوني.

كان الطعام في "كتسيعوت" أفضل منه في "سديه تيمان" و"عوفر". كانت الكميات قليلة ولا تشبع، لكن الطعام كان أكثر تنوعًا. كنا نحصل على البيض وصدور الدجاج والفاصوليا والعدس والخبز والحمص. لكننا لم نكن نشبع هناك أيضًا، كنا نعيش على القليل جدًا، وفي أيام السبت كنا نحصل على قطعة صغيرة من الجبن والزيتون. ما كان للمرضى سوى انتظار رحمة الله. لم يكونوا يحصلون على أدوية، باستثناء الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

في 5.10.25، أبلغتني إدارة السجن بأنه سيُفرج عني ونقلوني إلى قسم آخر. كنت سعيداً جداً بالإفراج وبأنني سوف ألتقي عائلتي أخيراً. تذكرت أن عيد ميلاد ابنتي ليان هو في 17.10، فصنعت لها هدية كانت عبارة عن سوار وخاتم من الخرز.

قبل الإفراج، فحصني الطبيب أنا وبقية السجناء وقاس طولنا ووزننا. أخذونا من هناك إلى غرفة التحقيق التابعة لجهاز "الشاباك" حيث وجهوا لنا أسئلة شخصية: عن أنفسنا، عن عائلاتنا وعن اعتقالنا. في 12.10.25، قبل يوم من إطلاق سراحي، جاء ممثلون عن الصليب الأحمر وطلبوا منا ملء استبيان قبل إطلاق سراحنا. رفضنا ملء الاستبيان وتساءلنا لماذا لم يأتوا قبل ذلك.

هيثم سالم مع ثلاثة من أولاده الذين قُتلوا جراء غارة إسرائيلية. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

في اليوم التالي، 13.10.25، قيدوا أيدينا وأرجلنا ووضعونا في حافلات نقلتنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم). هناك، أزالوا الأصفاد عنّا. دخلنا إلى القطاع ثم نقلونا في حافلة أخرى إلى مستشفى ناصر في خان يونس. كنا سعداء ومتحمسين للغاية. كنا حوالي 50 سجيناً تم الإفراج عنهم، وفي المستشفى كان هناك أشخاص في انتظارنا استقبلونا بالفرح والتصفيق. كان من المفترض أن يكون ذلك أفضل يوم في حياتي.

اجتمع الجميع بعائلاتهم، إلا أنا فقط ـ نظرت حولي فلم أجد أحداً من أفراد عائلتي. أخيراً رأيت محمد، أحد أبناء أعمامي. سألته: "أين عائلتي؟ لم أر منهم أحداً. هل عائلتي بخير؟"، فأجابني بنعم. تابعت وسألته: "وماذا عن زوجتي وأولادي؟"، فقال لي: "تذكر الله يا هيثم". لم أفهم ماذا يعني، فسألته مرة أخرى عن زوجتي وأولادي. طلب مني محمد أن أتحلى بالصبر. ذهب، ثم اقترب مني شاب آخر من عائلتي. قال لي إن زوجتي وأولادي بين يديّ الله وأنهم جميعًا قد قُتلوا. عندما سمعت هذا الخبر، شعرت وكأن صاعقة قد أصابتني في قلبي وعقلي. شعرت أن حياتي قد توقفت. كان ذلك أسوأ يوم في حياتي.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، التقيت بوالدي وإخوتي. كنت في حالة نفسية صعبة وشعرت بأنني أنهار. أخذوني معهم إلى مخيم المهجرين الذي يعيشون فيه، في دير البلح. كانت الأجواء كئيبة وحزينة على موت زوجتي وأولادي. أنا الآن أعيش في خيمة مع والديّ وأحد إخوتي. عدت من الاعتقال لأجد أنني فقدت زوجتي وأولادي. فقدت منزلي أيضاً. فقدت كل شيء. أبقى في الخيمة طوال الوقت ولا أذهب إلى أي مكان. أعيش على ذكريات زوجتي وأولادي. أشعر بأنني أصبحت جسماً بلا روح.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 31.10.25

* إخلاص عيسى (32 عامًا)، زوجة هيثم سالم، وابنتاهما إيمان (5 أعوام) وليان (عامان) قُتلن في غارة إسرائيلية على الخيمة التي كنّ يعشن فيها في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، في 8 أيلول 2025. ابنهما براء (8 سنوات) أصيب في الغارة ثم توفي متأثراً بجراحه بعد بضعة أيام، في 12 أيلول.