تقرير "جهنّم على الأرض" هو استمرارٌ لتقرير "أهلًا بكم في جهنّم" الذي نشرته "بتسيلم" في آب 2024، وهو يستند إلى التحليل والبحث المعمَّق الذي اُجرِي آنذاك وإلى معطيات مُحدَّثة وإفادات جديدة تم جمعُها من 21 أسيرًا فلسطينيًا أُطلق سراحهم من مراكز الاحتجاز الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة. كما يستند التقرير، أيضًا، إلى عمل منظمات لحقوق الإنسان، إسرائيلية ودولية.تُبيِّن المعطيات المُحدَّثة أن مراكز الاحتجاز لا تزال تعمل كشبكة من معسكرات التعذيب للفلسطينيين وأنه لا تزال يجري فيها، بل وبشكل متزايد، ممارسات تنكيلية منهجيّة تشمل العنف الجسدي والتنكيل النفسي، الظروف غير الإنسانية، التجويع ومنع العلاج الطبيّ، مما أدى إلى العديد من حالات الوفاة. يروي بعض الشهود أيضًا عن التنكيل والعنف الجنسيّين اللذين تعرضوا لهما أو كانوا شهودًا عليهما. إنّ تحويل مراكز الاحتجاز إلى شبكة من معسكرات التعذيب هو جزء من الهجوم المخطط والواسع النطاق الذي يقوده النظام الإسرائيلي ضد المجتمع الفلسطيني، والذي يهدف إلى تفكيك وتدمير.
منذ نحو سنتين تنفّذ إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة. تعمل إسرائيل بشكل منهجيّ ومنسَّق لهدم المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة عبر القتل الجماعي وإلحاق الأضرار الجسدية والنفسية الجسيمة وخلق ظروف معيشة كارثية لا تتيح استمرار البقاء في القطاع. تجوِّع إسرائيل مليونيّ إنسان وتدفع علنًا نحو تطهير عِرقيّ وتدمير تامّ لكلّ البنى التحتية التي تتيح الحياة، للأفراد وللجماعة. يتعرض سكان القطاع للتهجير والقصف والتجويع وتجريدهم من إنسانيتهم ويتركهم العالم للموت. الإبادة الجماعية تحدث هنا الآن. إنها إبادتنا الجماعية ويجب وقفها.
تشن إسرائيل، منذ أكثر من سنة، حربًا لا ضوابط لها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في الضفة الغربية وفي داخل دولة إسرائيل العنف، الذي ميّز تعامل نظام الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، يتمظهر خلال السنة الأخيرة في أكثر أشكاله وضوحًا ومُباشَرَةً. يتركز تقرير الحالة هذا في أحد تمظهرات هذا العنف. فقد جمعت بتسيلم 25 إفادة من فلسطينيين تعرضوا للتنكيل من جانب جنود إسرائيليين في وسط مدينة الخليل بين شهريّ أيار وآب 2024. وتشمل هذه الإفادات توصيفًا لأعمال عنف، إذلال وتنكيل ارتكبها جنود بحقّ رجال، نساء، شُبّان وأطفال. ويدلّ حجم العنف على أنّ الأمر ليس مجرد رغبة شخصية في الانتقام من جانب هذا الجندي أو ذاك، وليس مجرد إخفاقٍ موضعيّ، وإنما هو نتاج عنيف بامتياز لسياسة منظوميّة شاملة، مُنظّمة وممتدة على سنوات طويلة من القمع، التهجير والنهب التي تشكل، معًا، صُلب نظام الأبارتهايد الإسرائيلي
يتناول تقرير "أهلًا بكم في جهنم" مُعاملة الأسرى الفلسطينيّين وحبسهم في ظروف لا إنسانيّة في السّجون الإسرائيليّة منذ 7 تشرين الأول 2023. في إطار البحث والإعداد لهذا التقرير تمّ تسجيل إفادات أدلى بها 55 فلسطينيًا وفلسطينية، ممّن احتُجزوا في السّجون ومرافق الحبس الإسرائيليّة خلال هذه الفترة. الغالبية الساحقة من الشهود لم يُحاكموا. تبيّن إفادات الأسرى نتائج عمليّة سريعة تحوّل في إطارها أكثر من اثني عشر من مرافق الحبس الإسرائيليّة، مدنيّة وعسكريّة، إلى شبكة معسكرات هدفها الأساسيّ التنكيل بالبشر المحتجزين داخلها. كلّ من يدخل أبواب هذا الحيّز، محكوم بأشدّ الألم والمُعاناة المتعمّدين وبلا توقّف، حيز يشغل عمليّاً وظيفة مُعسكر تعذيب.
تتّخذ إسرائيل، منذ سنوات، سلسلة من الإجراءات لجعل حياة عشرات التجمعات الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية بائسة ومريرة بهدف إجبار سكانها على مغادرة أماكن سكنهم على نحو يبدو إراديًّا، في الظاهر. وعندئذ، يكون باستطاعة الدولة تحقيق طموحها بالاستيلاء على الأراضي. لهذا الغرض تمنع الدولة سكّان هذه التّجمعات من بناء منازل أو مبان للماشية أو مرافق عامّة، ومن ربط مواقع سكنهم بشبكتي المياه والكهرباء، ومن تعبيد الطرقات كما تسارع إلى تهديدهم بهدم منازلهم ومبانيهم وفي بعض الحالات تقوم بهدم ما بنوه رغم كلّ شيء، في ظلّ غياب أي خيار آخر لديهم...
متوسط استهلاك المياه في إسرائيل هو 247 لتراً للفرد في اليوم ـ يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط للفلسطيني في الضفة الغربية ـ 82,4 لتراً. 36% فقط من سكان الضفة يحصلون على مياه جارية يومياً. أزمة المياه هذه ليست قدَراً من السماء بل نتيجةٌ مقصودة لسياسة إسرائيلية رُسِمت قبل 30 سنة في الاتفاق المرحلي. سياسة التقتير هذه، التي تعتبر المياه أحد مقوّمات التحكّم بالفلسطينيين، تتجاهل الزيادة السكانية التي حصلت في الضفة منذ ذلك الحين وتتجاهل الثورة التي تحققت في مجال المياه وجعلت من إسرائيل قوة مائية عُظمى لكنّها لا تزال تصر على مواصلة حرمان الفلسطينيين من المياه.
بين البحر والنهر يعيش 15 مليون إنسان تحت نظام واحد، نحو نصفهم يهود ونحو نصفهم فلسطينيون. إلا أن المشاركة في الانتخابات الأسبوع القادم ليست مكفولة للجميع. الفلسطينيون -سواء يُعرّفون مواطنين أو مقيمين أو رعايا– يتعرضون للتهميش الجزئي أو الكامل في عملية اتخاذ القرار هذه. يسيطر نظام واحد فقط هنا، يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: السعي لدفع وتكريس تفوق جماعة واحدة (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيون). في هذا النظام يمتلك المواطنون اليهود وحدهم القوة السياسية حصرًا ويتمتعون بموقع كامل حول الطاولة التي يتقرر فيها مصيرهم ومصير الفلسطينيين. هذه ليست ديمقراطية بل هكذا يبدو نظام الأبارتهايد.
تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.
عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين بات أمرًا يحدث يوميًا في الضفة. بمقدور إسرائيل لو كانت معنية أن تمنع ذلك إلا أن سلطاتها عوضًا عن ذلك تسمح للمستوطنين بل وتساعدهم في الاستمرار بإلحاق الأذى بالفلسطينيين والمكوث في الأراضي التي نهبوها. تثبت بتسيلم في التقرير أن عنف المستوطنين ليس بمثابة مبادرات فردية بل هو عنف الدولة وهو عنف يسخّر كأداة إضافية - رسمية بدرجة أقلّ – في "صندوق العدّة" الإسرائيليّ المخصّص لتجريد الفلسطينيّين من أراضيهم. التظاهر بأن هؤلاء فقط بعض "النماذج العشوائية" والقول إنّ هؤلاء "شبيبة التلال" وكأنّ محاولة لإيقافهم قد تمت، من شأنه فقط أن يُتيح لإسرائيل الرقص على الحبلين: أن تبقي لنفسها ما أمكنها من متسع للإنكار من جهة وأن تحقق هدف الاستيلاء على أراض في الضفة الغربية كنتيجة لعنف المستوطنين أيضًا.
الكارثة في قطاع غزّة مستمرّة منذ سنين جدّ طويلة. كتبنا عن الحصار والفقر والحروب، عن الحياة بلا ماء ولا كهرباء، وعن الحياة بلا أمل. شرحنا ما الذي ينبغي أن يكون بمقتضى القانون الدوليّ وما يُمليه الضمير. ولكن الآن لم يبق كلام نقوله. 11 يوماً من القصف المتواصل لمنازل السكّان وفي محيطها. لا مفرّ ولا مكان آمن. عشرات الأشخاص قُتلوا وآلاف جُرحوا آلاف آخرون فقدوا منازلهم وكلّ ما يملكون في هذه الدّنيا. لم يحدث هذا خطأ ولم تكن هذه حالات “استثنائيّة”. إنّه نهج وسياسة. التقى باحثو بتسيلم الميدانيّون في قطاع غزّة أشخاصاً فقدوا أعزّاءهم وهُدمت منازلهم – فقدوا كلّ شيء.
التقرير الجديد الذي تصدره اليوم بتسيلم وكيرم نابوت بعنوان "هذه لنا، وهذه أيضاً لنا: سياسة الاستيطان الإسرائيليّ في الضفة الغربيّة" يكشف الآليّات الإسرائيليّة التي تشجّع نقل السكّان المدنيّين من إسرائيل إلى المناطق المحتلّة. كذلك يستعرض التقرير التطوّرات التي حدثت على الأرض خلال العقد الأخير مع التركيز على الكتلتين الاستيطانيتين وتأثيرهما على تضاريس المكان.
لأسباب تتعلّق بتطبيع العلاقات مع الإمارات المتحدة فضّلت إسرائيل أن تتراجع حاليّا على الأقلّ عن ضمّ الضفة الغربيّة رسميّاً والاكتفاء بواقع الضمّ الفعليّ. غير أن إسرائيل ضمّت فعليًا الضفة الغربية منذ زمن بعيد وهي تتصرف فيها وكأنها تملكها وكأنها ضمن أراضيها السيادية كما تتصرف فيها على نحو أحادي الأجانب لتثبيت وإدامة سيطرتها عليها. معنى ذلك عمليّاً هو أنّ مع مرور عاصفة الضمّ الرسميّ تنفّس المجتمع الدوليّ الصّعداء مع أنّه في نهاية المطاف ما زال الفلسطينيّون يرزحون تحت نير الاحتلال وإسرائيل تواصل فرض الحقائق على الأرض دون حسيب أو رقيب.
يصف التقرير واقع الحياة في حيّ العيساويّة المقدسيّ بعد مضيّ 53 سنة على ضمّه إلى إسرائيل. تحوّل الحيّ خلال السّنة إلى الأخيرة إلى ميدان اشتباك دائم ويوميّ بسبب الحملة التي تشنّها الشرطة ولا تهدف منها سوى التجبّر بالأهالي. لكنّ هذه الحملة ليست سوى جزءٍ من الصّورة الكاملة: في التقرير تحلّل بتسيلم السّياسة التي تطبّقها إسرائيل في الحيّ منذ ضمّته إلى حدودها وهي سياسة قوامها نهب الأراضي والإهمال المتعمّد وغياب التخطيط - وعُنف الشرطة المطبّق بتطرّف وحشيّ في هذا الحيّ.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.