30 عاماً، أمّ لثلاثة، من سكّان مخيّم الشاطئ للّاجئين، روت في إفادتها كيف ولدت ابنها خلال الحرب وعن عجزها عن مساعدة أولادها الذين يعانون من مشاكل صحّيّة:
قبل الحرب كنت أقيم في مخيّم الشاطئ للّاجئين، في مدينة غزّة، مع زوجي محمد القاعود (33 عاماً) وولدينا الكبيرين عبد الرحمن (10 سنوات) وأيلول (7 سنوات). عبد الرحمن يعاني مشكلة صحيّة منذ ولادته: لديه ثقبان في القلب وانسداد في المريء.
في 9.10.23، قبل اندلاع الحرب بيومين ولدتُ ابننا الثالث، وسام، في مستشفى "الصحابة" للوالدات. بسبب القصف لم يعمل المستشفى كالمعتاد إذ كان هناك نقص في الأطبّاء في غرف العمليّات. كانوا يحتفظون بموادّ التخدير لجرحى القصف. كنت مضطرة إلى الولادة بواسطة عمليّة قيصريّة بدون تخدير تامّ وقد تألّمت بشكل جنونيّ. احتجت إلى وجبات دم لكنّها لم تتوفّر في المستشفى، ولأنّهم لم يعثروا على متبرّع لم أحصل على الوجبات المطلوبة. أثناء الولادة كنت أسمع هدير الطائرات الحربيّة وأصوات القصف.
بسبب الاكتظاظ في المستشفى ونقص الأطبّاء سرّحوني في اليوم التالي للعمليّة. كنت منهكة جدّاً وكان مستوى الهيموجلوبين عندي منخفضاً جدّاً. لم أقدر على المشي. انتظرت مدّة ساعة عند مدخل المستشفى مع زوجي وشقيقتي إلى أن وجدنا سيّارة تقلّنا إلى منزل والديّ في شارع الجلاء في مدينة غزّة، لأنّه أكثر أمناً وأولادنا كانوا هناك على أيّة حال. عندما وصلنا إلى المنزل كان فيه نحو 40 شخصاً، خالاتي وأخوالي الذين التجأوا إليه بحثاً عن الأمان. بسبب القصف لم يجرؤ أحد على الخروج لشراء الحاجيّات فكان المنزل خالياً من أيّ طعام تقريباً. كان الخبز والمربّى والحلاوة غذائي الأساسيّ.
آلمتني القطب كثيراً ولكن مرّ ما يقارب 17 يوماً حتى عثرت على ممرّضة تفكّ لي القطب. بقينا في منزل والديّ مدّة شهر تقريباً، بدون كهرباء ولا مياه جارية ولا وسائل اتّصال، بينما كان قصف المنطقة مستمرّاً طوال الوقت. كانت شظايا الصّواريخ تسقط داخل المنزل. في نهاية المطاف فهمنا أنّه لا مفرّ من الانتقال جنوباً.
في 10.11.23 خرجنا من جهة حاجز "نتسريم" مع والديّ وأخواتي، 11 شخصاً. كان وسام يصرخ ويبكي من الجوع طوال الطريق. أمرنا جنود الحاجز بالوقوف دون حراك. كنت أحمل وسام بيد واحدة وأرفع بطاقة هويّتي بيدي الثانية. كنت مرهقة جدّاً وجسمي لا يزال واهناً في أعقاب العمليّة وكذلك لأنّ مستوى الهيموجلوبين في دمي كان لا يزال منخفضاً. احتجزونا عند الحاجز من العاشرة صباحاً حتى الرّبعة عصراً، ثمّ سمحوا لنا بمواصلة طريقنا.
تمكّنا من الوصول إلى منزل شقيقتي في منطقة بني سهيلة، قرب خان يونس. هي الآن خارج البلاد ومنزلها شاغر. بقينا هناك أسبوعاً ونصف، وهناك أيضاً كان القصف متواصلاً وزجاج النوافذ يتحطّم فوق رؤوسنا. بعد ذلك وزّع الجيش منشورات تأمر بإخلاء تلك المنطقة أيضاً.
طوال هذه المدّة كنت أجد صعوبة في إيجاد الحليب الصّناعي لإطعام وسام، وإذا توفّر لم يكن دائماً النوع نفسه. وكان وسام يعاني كثيراً في التأقلم مع هذه التغيّرات ويبكي طوال اللّيل بسبب آلام في البطن. إضافة إلى ذلك، كنّا نجد صعوبة في توفير ثمن الحليب، إذ أن ثمن كلّ عُلبة 30-40 شيكل.
في 21.11.23 انتقلنا إلى مخيّم النازحين في مركز التدريب الصناعي التابع لوكالة الغوث، في الجزء الغربيّ من خان يونس. كانت خالتي قد وصلت إلى هناك من قبل وتقيم في خيمة فأمضينا اللّيلة الأولى عندها.
في اليوم التالي وجدنا خيمة وها نحن نُقيم فيها منذ شهرين ولكن في ظروف لا تُطاق. إنّها خيمة بسيطة جدّا مصنوعة من النايلون والقماش. نحن 11 شخصاً، ننام على الرّمل ملتصقين ببعضنا البعض. البرد شديد جدّاً. لا توجد مراحيض وينبغي الذهاب إلى المراحيض العموميّة والانتظار في الطابور. هكذا أعيش الآن مع طفلين صغيرين ورضيع وُلد حديثاً. حتى إنّ وسام لم يحصل على التطعيمات المعتادة لرضيع في مثل سنّه، لأنّها غير متوفّرة. هنا أيضاً من الصّعب جدّاً الحصول على الحليب الصّناعيّ أو الحفاضات. تلقّيت في البداية حفاضات كتبرّع لكنّها نفدت. وحتى إذا توفّرت الحفاضات فهي باهظة الثمن - 120 شيكل للرزمة بدلاً من 20. نحن لا نقدر على دفع هذا المبلغ ولذلك أستخدم الأقمشة، وهو يعاني جدّاً من حساسيّة تسبّب له الحكّة.
ما زال وسام يعاني من المغص ولم أجد هنا نوعاً من الحليب يناسبه. نحن نخرج ونبحث كلّ يوم ولكن لا نجد. إنّه يبكي ليلاً ونهاراً - من آلام البطن، من الجوع، من البرد، من الحكّة التي تزعجه، من الصعب معرفة السّبب. ولأنّ جسمي واهن غالباً ما تأخذه والدتي وأخواتي ويحملنه لكي يهدأ.
قبل بضعة أيّام أخذت وسام إلى الطبيب هنا في المخيّم فقال إنّه يحتاج إلى جهاز استنشاق ووصف لي ثمانية بخّات، واحدة في كلّ يوم. أخذته إلى المستشفى الاوروبيّ في شرقيّ خان يونس فأعطوه بخّة واحدة ثمّ عُدنا مخيّم النازحين. لم أرد البقاء هناك لأنّني خفت أن يقصفوا المستشفى، ولذلك لم يتلقّ وسام بقيّة العلاجات.
حالة عبد الرّحمن أيضاً ليست جيّدة. إنّه يقيء معظم ما يأكله. قبل الحرب أجريت له فحوصات في مستشفىً في غزّة وكان ينبغي أن يخضع لفحص تنظير داخليّ (إندوسْكوبِيّا) في شهر تشرين الثاني، وبالطبع لم يحصل ذلك بسبب الحرب. بسبب مشاكل عبد الرّحمن الصحّية أخاف طوال الوقت أن تتكشّف لدى وسام مشكلة أخطر، ولكن لا إمكانيّة لإجراء فحص هنا.
لقد كبر وسام وأصبحت جميع ملابسه صغيرة عليه، وهي ليست دافئة بما يكفي. أيضاً عبد الرحمن وأيلول يعانيان من البرد ويحتاجان إلى ملابس دافئة. ذهبت حتى إلى دير البلح لكي أبحث عن ملابس لهم جميعاً ولكن لم أجد.
- سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 5.1.24