Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

محمد غازي نصّار

محمد غازي نصّار

( 17 كانون الأول 2025 )

(43 عامًا)، أب لخمسة، من سكّان حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزة، تحدث عن فقدان ولديه الاثنين عندما انهار منزل العائلة فوق رؤوسهم جرّاء الأمطار الغزيرة في 17.12.25، بعدما تضرّر جرّاء القصف:

غازي نصّار. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

كان لدينا، أنا وزوجتي إيمان نصّار (34 عاماً)، خمسة أولاد: لينا (18 عاماً)، لانا (17 عامًا)، غازي (15 عاماً)، ليان (12 عاماً) وعلاء (7 سنوات). حتى اندلاع الحرب كنّا نقيم في حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزّة، في بناية مؤلّفة من ستّة طوابق تعود لي ولإخوتي.

في بداية الحرب اضطررت بسبب القصف والدّمار إلى النزوح مع زوجتي وأولادي إلى مدينة رفح سيراً على الأقدام، وأقمنا هناك في خيمة. كانت أوضاعنا صعبة جدّاً لأنّ رفح كانت مليئة باللّاجئين وكانت تعمّنا أجواء العذاب والقهر والألم.

بقينا في رفح إلى أن أخلاها سكّانها أنفسهم في شهر أيّار 2024، عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ المدينة. آنذاك انتقلنا إلى وسط قطاع غزّة وأقمنا في خيامٍ في ظروف لا تُطاق ولا تليق بإنسان، خاصّة في الشتاء.

عندما أعلن وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، عُدنا إلى منزلنا في حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزة. صُدمت حين اكتشفت أن الطوابق العليا من البناية قد قُصفت، انهارت وسقطت على منازل الجيران. لم يكن المنزل صالحًا للسكن.

لينا نصّار. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

مع ذلك، بقيت هناك مع زوجتي وأولادي، دون إخوتي. نظفت ورتّبت طابق المخازن بقدْر ما استطعت، لأنّ وضعه كان أفضل من وضع الشقق. مدّدت شوادر وقطع نايلون على الفتحات، وأقمنا هناك إلى أن تجددت الحرب مرة أخرى في آذار 2025، وقد عادت أكثر قسوة وشراسة من ذي قبل. طال القصف كلّ مكان ولم يرحم أحداً.

آنذاك بدأت أيضاً فترة المجاعة وكانت في غاية القسوة، وخاصّة على الأطفال. كانت تلك أصعب فترة عشتها في حياتي، لأنّني كنت أرى أولادي جائعين ولا أقدر على توفير بعض الطعام لهم. أضف إلى ذلك الخوف والرّعب من القصف الشديد قُربنا.

لم يتركنا الجيش الإسرائيليّ في حالنا. كانوا باستمرار يُرسلون لنا تبليغات خطيّة ويُلقون علينا مناشير من الجوّ يأمروننا فيها بالانتقال إلى جنوب القطاع. في أيلول الأخير تمكّنت ببالغ الصّعوبة من النزوح مع عائلتي إلى بلدة الزوايدة في وسط القطاع. أقمت هناك خيمة على شاطئ البحر وسكنّا فيها. كان البرد هناك شديداً وكلّما أمطرت غمرت مياه الأمطار خيمتنا.

بعد شهر على إعلان وقف إطلاق النار، عُدنا مرّة أخرى إلى منزلنا المدمّر في حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزّة فوجدنا حالته قد ازدادت سوءاً. أعدت ترميم المخازن ومدّدت على فتحاتها شوادر وقطع نايلون وأقمنا فيها. في نهاية الأمر، السّكن في المخازن أفضل من السّكن في الخيمة، خاصّة بالنسبة إلى زوجتي وبناتي اللّواتي عانين انعدام الخصوصيّة في الخيمة.

منزل العائلة بعد انهيار السّقف. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

بعد سنتين من الحرب كانت أوضاعنا المعيشيّة قد تردّت إلى أدنى حدّ. كانت تنقصنا ملابس شتويّة وبطّانيّات. حاولتُ وزوجتي قدْر استطاعتنا أن نوفّر لعائلتنا احتياجاتها الضروريّة، لكنّنا مع ذلك عانينا من نقص حادّ. إضافة إلى ذلك، كانت أسقُف المخازن بحالة رديئة وكان الخطر أن تغمرنا مياه الأمطار، لكنّنا لم نملك أيّ خيار لأنّه لم يكن ثمة مكان آخر لنا نذهب إليه.

في يوم 11.12.25 حدثت عاصفة قويّة كانت مصحوبة بأمطار ورياح شديدة. بذلت قصارى جُهدي كي لا تدخل مياه الأمطار إلى المخازن، وفعلاً تجاوزنا ذلك اليوم بسلام. هطل المطر طوال الليل واستمرّ حتى ساعات الصّباح من اليوم التالي، 12.12.25. استيقظنا، أنا وزوجتي والأولاد، وبحمد الله كنّا جميعاً بخير وسلام.

نحو السّاعة 11:00 أشعلت موقدًا في الخارج لكي نعدّ الطعام، وجلس كلّ من لينا وغازي بجانب النار فيما كانت زوجتي وبقيّة الأولاد في المنزل. خرجت للسّوق في شارع الجلاء لكي أشتري بعض الحاجيّات.

منزل العائلة (إلى اليمين) قبل انهياره. صورة قدمّها الشاهد مشكوراً

أثناء وُجودي في السّوق سمعت أناساً يتحدّثون عن بناية في حيّ الشيخ رضوان انهارت فوق رؤوس ساكنيها. هبط قلبي لأنّه كان لديّ شعور أنّه بيتنا. عُدت إلى المنزل مُسرعاً وعندما وصلت رأيت السّقف قد انهار على عائلتي. صُعقت من هَوْل المشهد. كان لينا وغازي عالقين تحت رُكام المبنى بينما تمكّنت زوجتي وبقيّة الأولاد من الفرار عبر المدخل الثاني للمنزل. كانت زوجتي والأولاد يبكون ويصرخون.

اتّصل الجيران بقوّات الدفاع المدنيّ، وفي تلك الأثناء بدأنا برفع الأنقاض لكي نصل إلى ولديّ العالقين. قال لي الجيران "لقد سمعنا صُراخ لينا من تحت الأنقاض وحاولنا أن ننقذهما لكننا لم نتمكّن من ذلك". بعد 15 دقيقة وصلت مركبة تابعة للدّفاع المدنيّ وباشر طاقمها في رفع الأنقاض التي كانت فوق ولديّ. استغرق ذلك نحو ساعة ونصف السّاعة إلى أن وصلوا إليهما وأخرجوهما - وكانا قد فارقا الحياة. يبدو أنّهما توفّيا اختناقاً تحت الأنقاض. حين أخرجوهُما ورأيت أنّهما ميتان انتابتني الصّدمة. راحت زوجتي تصرخ وتبكي، وكذلك أولادي، وخاصّة ابنتي لانا.

منزل العائلة قبل الحرب. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

لاحقاً، جاءت سيّارة إسعاف وأخلت جثماني ولديّ لينا وغازي إلى مستشفى الشفاء. رافقناهُما أنا وزوجتي وظلّ بقيّة أولادنا في الشارع. كنت أعلم أنّهما قد توفّيا ولكن بعد الفحص الطبّي أقرّ الأطبّاء وفاتهما رسميّاً.

بعد تجهيز ابني وابنتي للدّفن وتكفينهما، أخذتهما وُعدت إلى زوجتي وبقيّة أولادي لكي يودّعوهُم. كان الوداع مؤلماً جدّاً. كانت زوجتي في حالة نفسيّة صعبة للغاية. كانت ابنتنا لينا في حالة من الصّدمة ولم تستطع أن تودّع أخاها وأختها، حتى أنها لم تبكِ! جلست صامتة فقط. رأت لينا السّقف ينهار فوق أخيها وأختها وحتى الآن لا تستطيع تجاوُز هذه الصّدمة.

أقيم الآن مع عائلتي لدى جيراننا، لأنّنا بقينا دون سقف يُؤوينا. جميعُنا في حالة نفسيّة صعبة جدّاً. لانا تقول لي: "أبي، أنا موجوعة. لا أستطيع أن أنسى كيف انهار السّقف على لينا وغازي أمام عينيّ". أحاول أن أواسيها وأخّفف عنها وعن بقيّة أولادي فهُم أيضاً ما زالوا مصدومين ولا يصدّقون ما جرى لأخيهم وأختهم؛ كما أواسي أيضاً زوجتي التي تعيش حالة حداد وتعيش في حُزن وحِداد.

إضافة إلى فقدان ولدينا المروّع، فقدنا أيضاً متاعنا القليل. كلّ شيء كان في المخزن. بقينا بلا بيت وبلا أيّ شيء، وحتى لا ملابس لدينا لنبدّل ما نلبسه. أشعر بالعجز التامّ ولا أعرف ماذا أفعل.

أدعو الله أن يتغمّد ابني وابنتي برحمته وأن يصبّرنا على ألم فقدانهما.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 17.12.25