Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

رباب الحتّو

رباب الحتّو

( 19 أيار 2024 )

(38 عامًا)، أمّ لستّة، من سكّان حيّ الرمال في مدينة غزّة، تحدّثتْ عن تهجير عائلتها المتكرّر وعن القصف الذي فَقدتْ فيه ابنتها وأصيبتْ فيه هي وثلاثة من أولادها

ملَك الحتّو. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
ملَك الحتّو. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

أنا متزوّجة من خليل الحتّو (38 عامًا) وأمّ لستّة أولاد. ابنتنا ملَك (11 عامًا) قُتِلتْ في الحرب وبقي فتحيّة (19 عامًا) ودينا (17 عامًا) وهاشم (13 عامًا) وإبراهيم (9 أعوام) ومحمّد (7 أعوام). 

حتّى الحرب كنّا نسكن في حيّ الرمال في مدينة غزّة، في المبنى الذي كانت تسكن فيه أيضًا حماتي، لطيفة الحتّو (63 عامًا)، وابنتها شيماء (21 عامًا)، وأخوة زوجي.

في 7.10.23، عندما بدأتْ عمليّات القصف، كنتُ لتوّي أجهّز الأولاد للمدرسة. بقينا في المنزل ثلاثة أيّام، ثمّ تفاقم الوضع في منطقتنا وبدأ جميع الجيران بإخلاء منازلهم.

في البداية نزلنا إلى الطابق السفليّ من المبنى. في ذلك الوقت كان هناك حزام ناريّ حول المدينة. قصفوا كلّ شيء: المؤسّسات، المنظّمات، الجامعات، المساجد والمنازل. وبعد ساعتين أدركنا أنّ الطابق السفليّ ليس آمنًا أيضًا، فصعدنا إلى الشقّة مرّة أخرى. قال لي زوجي خليل إنّ علينا أن نغادر نحن أيضًا. كنّا خائفين من أن يقوموا بقصف بنايتنا.

خرجنا من البيت لكي نسافر إلى بيت أخي محمّد (35 عامًا) الذي يسكن في منطقة عسقولة وسط مدينة غزّة، وركبنا في سيّارتين. ركب زوجي السيّارة الأولى مع والدته وأخته وعمّتي منى رباح الحتّو (69 عامًا) وأولادنا محمّد وإبراهيم وهاشم ودنيا وملَك. وصعدتُ أنا إلى السيّارة الأخرى مع زوجة أخي، آية الكتناني (22 عامًا)، وأولادها حمزة (5 سنوات) وعيسى (4 سنوات) وإبراهيم ابن الشهرين. لكن قبل أن نبدأ بالسفر، قصفتْ طائرة أمامنا مباشرةً. فنزلنا بسرعة من السيّارة ودخلنا إلى مطلع الدرج في المبنى.

بعد أن هدأ الوضع عدنا إلى السيّارة، وانضمّ إلينا أيضًا إخوة زوجي وعائلاتهم. كنّا نحو 20 شخصًا في السيّارة. كان السفر صعبًا لأنّ الطريق كانت مليئة بالركام والحجارة والحُفَر. بالكاد وصلنا إلى منزل أخي.

في اليوم التالي علمنا بأنّ المبنى الذي كنّا نسكن فيه تعرّض للقصف ودُمِّر بشكل كامل. شكرتُ الله أنّنا خرجنا من هناك سالمين ومُعافين، لأنّ الممتلكات يمكن تعويضها. لم أستطع أن أخبر حماتي بأنّ منزلها قد تعرّض للقصف.

كان منزل أخي مليئًا بالنازحين، فقرّر زوجي أن ننتقل إلى منزل عمّتي منى، التي كانت تسكن وحدها في شارع يافا وسط مدينة غزّة. ابنتها أسماء متزوّجة من شقيق زوجي. انتقلنا إليها سويّةً مع زوجة أخي أسماء وأسرتها. كانت في تلك المنطقة عمليّات قصف شديدة ولم يكن هناك ماء، وبعد عشرة أيّام أمر الجيش السكّان بإخلاء الشارع.

عدنا إلى منزل أخي محمّد، لكن في اليوم التالي اتّصل بنا الجيش وأمرنا بإخلاء المنزل. استأجر زوجي شاحنة كبيرة نقلتنا جميعًا، ثلاثين شخصًا من عائلة الحتّو، إلى مدخل مخيّم المغازي للّاجئين، وسط مدينة غزّة. كانت هناك محطّة وقود تابعة لابن عمّي، وكانت هناك شقّة صغيرة في منطقة المحطّة. بقينا في هذه الشقّة، ثمّ انضمّت إلينا أيضًا أخت زوجي، آية الحتّو، وزوجها حسن أبو غليون، وأولادهما الأربعة؛ ابنة وابن عمّتي منى: رباح سامي الحتّو (29 عامًا) وعبد الرحمن الحتّو (22 عامًا)؛ إضافة إلى أقارب آخرين من عائلة عجّور: رمضان طلال عجّور (45 عامًا) وابناه محمّد (20 عامًا) ويوسف (16 عامًا).

بلغ عددنا هناك نحو أربعين شخصًا وكان المكان مكتظًّا جدًّا. لم يكن هناك مكان للجميع في الشقّة، وكان البعض ينامون في السيّارات في الخارج وفي قطعة أرض أمام المحطّة.

في 16.11.23، قرابة الساعة 2:00 ليلًا، استيقظتُ وسمعتُ زوجي يصرخ ويناديني. سمعتُه يقول إنّهم قصفوا المحطّة. كنتُ مصدومة لأنّني لم أسمع القصف. كلّ ما رأيته حولي هو النار والغبار. سمعتُ أصوات ناس لكنّي لم أرهم.

كان جسمي مدفونًا بالكامل تقريبًا تحت الأنقاض. ناديتُ أسماء أولادي. بدأ زوجي بسحب وإخراج ابننا محمّد. ناديتُ ملَك. وصلت سيّارات إسعاف وبدأوا بانتشالنا وإنقاذنا.

لم أستطع المشي فحملوني وأخذوني إلى سيّارة الإسعاف. عندما كنتُ في سيّارة الإسعاف أبلغني المسعفون بأنّ أولادي بخير باستثناء ملَك. قالوا لي إنّها قُتلت، فبكيتُ وصرختُ. نقلونا إلى مستشفى شهداء الأقصى. في الطريق حاولتُ الاستفسار عمَّن بقي على قيد الحياة وعمَّن مات. كان هناك 13 قتيلًا إضافة إلى مصابين كثيرين.

قال لي زوجي إنّ والدته وأخاه رباح قد قُتلا. كنتُ مصعوقة. لم أصدّق ما يحدث لنا. في الصباح أبلغني زوجي بأنّ أفراد الدفاع المدنيّ انتشلوا الجثث من تحت الأنقاض لكنّهم لم يعثروا على جثّة علي، ابن أخته آية.

كانت إصابات معظم المصابين صعبة ومتوسّطة. أصبتُ أنا بكسور في كتفي اليمنى وفي الحوض. أصيبَ ابننا إبراهيم إصابة بالغة في إحدى رِجليه وتمزّقت أنسجته وعضلاته، وأصيب ابننا هاشم بشظيّة في فكّه، وأدخِلتْ ابنتنا فتحيّة إلى وحدة العناية المركّزة وتمّ وصلها بجهاز التنفّس الصناعيّ.

تمّ تسريح الذين أصيبوا بجروح طفيفة في اليوم ذاته. بقيتُ أنا وأولادي، فتحيّة وهاشم وإبراهيم، في المستشفى. تمّ تسريح فتحيّة بعد بضعة أيّام وبقيتُ أنا وهاشم وإبراهيم. لم أخضع لعمليّة جراحيّة، وكانت حالتي تتحسّن يومًا بعد يوم. خضع إبراهيم لعدّة عمليّات جراحيّة في رِجله لتنظيف الجرح وزرع البلاتين، وقال الأطبّاء إنّه يجب نقله للعلاج خارج قطاع غزّة. وخضع هاشم لعمليّة جراحيّة في الفكّ وكانت حالته صعبة.

رتّبوا لعلاج إبراهيم في مصر وسافرتُ معه. بقي هاشم في المستشفى وكان زوجي يعتني به هناك. في مصر تمّ تطهير رِجل إبراهيم وبعد ثلاثة أيّام سافرنا من هناك للعلاج في مدينة أنقرة في تركيّا. نحن في أنقرة منذ خمسة أشهر وحالته تتحسّن. بعد شهر من القصف سافر هاشم أيضًا إلى مصر للعلاج، بمفرده دون مرافق. مكث هناك 20 يومًا ثمّ أرسلوه للعلاج في قطر، فسافر مرّة أخرى وحده، وهو لا يزال هناك وحالته تتحسّن أيضًا، لكنّه لا يزال بحاجة للخضوع لبعض العمليّات الجراحيّة. أتحدّث معه كلّ يوم. يجد صعوبة كبيرة جدًّا لأنّه وحده، وآمل أن أتمكّن من الوصول إليه قريبًا. أقوم بالترتيبات حتّى نتمكّن أنا وإبراهيم من السفر إليه.

زوجي وأولادي الآخرون موجودون الآن في وسط قطاع غزّة. منذ أن غادرنا أنا وإبراهيم غزّة تمّ تهجيرهم نحو خمس مرّات أخرى: إلى مخيّم النصيرات للّاجئين، وإلى مخيّم المغازي للّاجئين، إلى رفح، وإلى دير البلح. من الصعب جدًّا البقاء على اتّصال بهم. أفكّر فيهم طوال الوقت وأقلق عليهم كثيرًا. أعيش في خوف رهيب، لأنّ الإسرائيليّين يقصفون مخيّمات المهجَّرين في كلّ مكان.

فقدتُ ابنتي في هذه الحرب وأصيب اثنان من أولادي. بقينا بلا مأوى. هذا هو قدري ومصيري. أشتاق إلى ابنتي ملَك وإلى زوجي وأولادي الآخرين، وأدعو لإبراهيم وهاشم بالشفاء.

* سجّلت الإفادة، هاتفيًّا، باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، في 19.5.24.

تحديث - في 27.5.24 سافرتْ رباب وإبراهيم إلى قطر وهما موجودان هناك مع هاشم