Skip to main content
لتجمع السكاني مدرسة خان الأحمر: تصوير: ريما عيسى. بتسيلم. 4.2.17.
Menu
المواضيع

تجمّعات مهدّدة بالتهجير: منطقة خان الأحمر

من بين التجمّعات الفلسطينيّة، هنالك 12 تجمّعًا يعيش سكّانها مهدّدين بالترحيل، تقع في منطقة خان الأحمر، إلى الشرق من مدينة القدس، ويبلغ عددهم نحو 1400 نسمة. تنتشر هذه التجمّعات على جانبي شارع القدس - أريحا، إلى الشرق من سهل أدوميم، وكذلك على جانبي شارع 437، الذي يربط بين الشارع الرئيسي وقرية حزمة. يعاني سكّان هذه التجمّعات جرّاء نقص شديد في مصادر المعيشة وخدمات الصحّة والتربية والرفاه ومرافق الكهرباء والمجاري والشوارع. أحد هذه التجمّعات يسمى الخان الأحمر، وينتمي أبناؤه إلى قبيلة الجهالين، وتعود أصولهم إلى منطقة تل عراد في النقب، التي هجّرهم منها الجيش الإسرائيلي في خمسينيّات القرن الماضي. في البداية، ضمن المهجّرون أراضيَ للسّكن والرّعي، تقع عليها اليوم مستوطنة كفار أدوميم؛ ثمّ جرى تهجيرهم من هناك فانتقلوا إلى مكان سكناهم الحالي. يقع التجمّع على بُعد نحو كيلومترَين إلى جنوب مستوطنة كفار أدوميم، وتقطنه 21 أسرة، يبلغ تعداد أفرادها 146، بينهم 85 أولاد وفتية. يوجد في التجمّع أيضًا مسجد، ومدرسة أقيمت سنة 2009، ويدرس فيها أكثر من 150 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 6 و-15 سنة، نصفهم من تجمّعات مجاورة. قبل إقامة المدرسة كان طلاّب المرحلة الابتدائية من أبناء التجمّع يضطرّون إلى ارتياد مؤسّسات تربوية بعيدة، وكان السفر إليها محفوفًا بمخاطر تهدّد سلامتهم. أقامت المدرسة جمعيّة إيطالية تدعى Terra di Vento، بطريقة بناء يُستخدم فيها طين الوحل وعجلات السيارات. تمويل بناء المدرسة ومشاريع أخرى في التجمّع جاء من إيطاليا وبلجيكا والاتحاد الأوروبي.

منذ سنوات طويلة تسعى إسرائيل لإزالة التجمّع من موقعه وطرد السكّان، وأحد الأهداف من وراء ذلك توسيع المستوطنات المجاورة وضمّ المنطقة بحُكم الأمر الواقع إلى إسرائيل وهي خالية من الفلسطينيين وتقطيع الضفة الغربية إلى جزئين. لأجل تحقيق ذلك، حوّلت السلطات حياة السكّان إلى جحيم لا يُطاق، على أمل الدّفع بهم إلى الرّحيل عن منازلهم وكأنّما بمحض إرادتهم: ترفض إسرائيل ربط التجمّع بشبكة الكهرباء والمياه والصّرف الصحي والطرق، تمنع بناء المنازل والمباني العامّة، وتقلّص مساحات المراعي. نتيجة لهذه السياسة اضطرّ السكّان الفلسطينيون إلى العيش في ظروف مزرية والمعاناة من نقص خدمات الصحة والتعليم والرفاه.

صحيح أنّ المباني في التجمّع أقيمت دون الحصول على رخص بناء من السلطات الإسرائيلية؛ لكنّهم لم يفعلوا ذلك لأنّهم "خارجون على القانون" بطبيعتهم، وإنّما لأنّ سياسة إسرائيل لا تمكّنهم بتاتًا من تقديم طلبات للحصول على ترخيص بناء. ولأنّه لا يوجد تجمّع سكّاني يظلّ في حالة جمود - فقد اضطرّ السكّان لمواصلة البناء بما يتناسب مع احتياجاتهم المتنامية، بغضّ النظر عن مسألة الترخيص. عندها هبّت سلطات التخطيط مسارعة إلى إصدار أوامر الهدم.

على مرّ السّنين صادرت السلطات الإسرائيلية معدّات وتجهيزات مختلفة، وهدمت أبنية قائمة. هكذا، منذ عام 2006 وحتى نهاية أيّار 2018، درى هدم 26 مبنًى سكنيًّا، وأبقت دون مأوًى 132 شخصًا، بينهم 77 من الأطفال والفتيان. إضافة إلى ذلك، هُدمت سبع مبانٍ غير سكنيّة.

رفع سكّان التجمّع عددًا من الالتماسات إلى محكمة العدل العليا في محاولة لمنع تهجيرهم. في المقابل، رفع سكّان المستوطنات التي أقيمت على أراضي المنطقة التماسات يطالبون فيها الدولة بتنفيذ أوامر الهدم. ردّت المحكمة العليا جميع الالتماسات، بعد أن تعهّدت الدولة أمامها بالبحث عن حلول بديلة للسكّان. في الالتماس الأخير، أبلغت الدولة المحكمة أنّها وجدت هذا الحلّ، وأنّها تعتزم نقل السكّان إلى "جهالين غرب"، في جوار أبو ديس.

في يوم الخميس، الموافق 24.5.18، قرّر ثلاثة قضاة المحكمة العليا - نوعم سولبيرج وعنات برون وياعيل فلنر، أنه يحقّ للدّولة أن تهدم منازل سكّان تجمّع خان الأحمر، أن تهجّرهم منه، وأن تسكنهم في بلدة أخرى. وفقًا للقانون الدولي، يُعتبر تهجير سكّان التجمّع جريمة حرب. لقد أزال قرار المحكمة آخر العقبات التي أجّلت حتى الآن عمليّة التهجير وأعاقت إسرائيل عن تنفيذ هذه الجريمة. هذه الإجراءات مرتبطة بتقويض حياة السكان وهي تشكل جريمة حرب يتحمل جميع الضالعين فيها المسؤولية الشخصية عنها. صحيح أنّ سياسة التهجير رسمها المستوى السياسيّ، لكنّ القضاة، مثلما في حالات أخرى، انخرطوا في هذا المسعى ومهّدوا الطريق لتنفيذ جريمة حرب.

إذا جرى فعليًّا ترحيل سكّان التجمّع من منطقة سكناهم - أو اضطرّوا إلى الرّحيل عنها مرغمين عقب الظروف المعيشية القاسية التي أنشأتها السلطات - سيكون هذا بمثابة خرق لحظر النقل القسريّ، المنصوص عليه في القانون الإنساني الدولي - إنّنا نتحدّث هنا عن جريمة حرب. يتحمّل المسؤولية الشخصيّة عن ارتكاب هذه الجريمة، ليس فقط واضعو السياسات - وبضمنهم رئيس الحكومة وكبار الوزراء وقائد الأركان ورئيس الإدارة المدنيّة؛ وإنّما أيضًا أولئك الذين مهّدوا قضائيًّا لتنفيذ الجريمة.

في 4.7.2018 وصل مندوبو الإدارة المدنية برفقة عناصر من الشرطة ومعهم آليّات ثقيلة وشرعوا في الاستعدادات لهدم مباني تجمّع مدرسة خان الأحمر وترحيل سكّانها. في خضمّ ذلك اعتقلت الشرطة عددًا من الأشخاص حين قاوموا بشكل غير عنيف معترضين طريق إحدى الجرّافات بأجسادهم.

في 5.7.2018 رفع السكّان التماسًا مطالبين بمنع الهدم وفي اليوم نفسه أصدرت المحكمة أمرًا مؤقتًا بوقف إجراءات الهدم إلى حين البتّ في الالتماس. في 1.8.2018 عقدت المحكمة جلسة للنظر في الالتماس الجديد الذي قدّمه سكّان التجمّع أوضح القضاة خلالها أنّهم لا يريدون إصدار حُكم في الالتماس وضغطوا في اتّجاه "تسوية" يتوصّل إليها الطرفان. ضمن ذلك طالب القضاة الدولة - التي قالت إنّها تعدّ موقع سكن بديل بتقديم خطّة مفصّلة في هذا الشأن.

قدّمت الدولة ردّها في 7.8.2018 قائلة إنّها تصرّ على ترحيل السكّان فورًا إلى الموقع الأصلي المحاذي لمزبلة أبو ديس. وأضافت الدولة أنّها على استعداد للسّعي في وقت ما مستقبلًا لإقامة بلدة جديدة لسكّان التجمّع في موقع صحراويّ يقع جنوب غرب أريحا لكنّها اشترطت لأجل ذلك أمرين: 1- أن ينتقل إلى البلدة الجديدة (إضافة لسكّان تجمّع خان الأحمر) سكّان ثلاثة تجمّعات مجاورة له. وفقًا لهذا الشرط يرتفع عدد السكّان الذين يقتضي ترحيلهم إلى الضّعف وربما أكثر ليربو على 400 شخص. 2- أن يُخلي جميع السكّان منازلهم دون اعتراض وأن يوقّعوا على تصاريح يشهدون فيها بأنّهم يغادرون منازلهم بالتراضي.

في 16.8.2018 أبلغ سكّان التجمّع المحكمة أنّهم يتمسّكون بحقوقهم ومصرّون على رفض هدم تجمّعهم وترحيلهم عنه. وفي تعقيبهم على خطّة الإسكان البديل التي قدّمتها الدولة للمحكمة كشف السكّان إلى أي حدّ تفتقر الخطّة إلى حُسن النيّة وأنّها غير لائقة ولا  قابلة للتّطبيق لأنّ الموقع المقترح لا تفصله عن منشأة لتطهير مياه المجاري سوى بضع مئات من الأمتار ومن أجل شقّ الشوارع التي يفترض أن تصل إليه ينبغي مصادرة أراضٍ فلسطينيّة. إضافة إلى أنّ الدولة تضع الإجراء القضائيّ الحاليّ موضع السّخرية حين تشترط ترحيل تجمّع خان الأحمر إلى بلدة جديدة بترحيل تجمّعات فلسطينية أخرى وتكشف بذلك عن غايتها الحقيقيّة ألا وهي القضاء على وجود كلّ التجمّعات الفلسطينية الواقعة في الأراضي الممتدّة شرقيّ مدينة القدس وصولًا إلى منتصف الطريق للأردنّ - لكي تدقّ فيها الإسفين الاستيطانيّ الذي سيشقّ الضفّة ويقسمها نصفين تبعًا لمسار جدار الفصل الذي تخطّط لإقامته في هذه المنطقة.