Skip to main content
احد سكان جبل البابا بالقرب من انقاض بيته. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم. 16.10.17.
Menu
المواضيع

سياسة التخطيط في الضفّة الغربيّة

تستخدم الدولة جهاز التخطيط الإسرائيلي في الضفة الغربية لمنع التطوّر الفلسطيني وسلب أراضي الفلسطينيين. صحيح أنّ الدولة حين تتناول هذا الموضوع تستخدم لغة مرصعة بمصطلحات تخطيطيّة وقضائيّة من قبيل "قوانين التخطيط والبناء" و"خطّة بناء مدينة" و"إجراءات تخطيط" و"بناء مخالف للقانون". تستخدم الدولة هذه المصطلحات في موضوع البناء في المستوطنات وداخل حدود دولة إسرائيل. ولكن على النقيض التامّ ممّا تقوم به الدولة في البلدات اليهودية في إسرائيل والمستوطنات حيث تستخدم قوانين التخطيط والبناء لتنظيم التطوير وللموازنة بين الاحتياجات المختلفة تجيّر الدولة القوانين نفسها في الضفة الغربية لخدمة أهداف معاكسة تمامًا: منع التطوّر وإيقاف التخطيط المستقبلي وتنفيذ أوامر الهدم؛ وهي تفعل كلّ ذلك كجزء من خطّة سياسية غايتها تمكين إسرائيل من تسخير أقصى مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية لاحتياجاتها هي وفي المقابل تبذل ما في وسعها لتقليص موارد الأرض المخصّصة لخدمة احتياجات السكّان الفلسطينيين.


في اتفاق أوسلو (ب) الذي جرى توقيعه عام 1995 جرى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أنماط من المناطق - وكان يُفترض أن يسرى ذلك التقسيم لمدّة خمس سنوات فقط، على النحو التالي: المناطق التي كان يشغل معظمها العمران الفلسطيني حين توقيع الاتفاق وفيها سكن وما زال يسكن معظم السكّان الفلسطينيين وقد صُنّفت كمناطق A و-B. هذه المناطق التي تفتقر إلى التواصل الجغرافي حيث تتوزّع على 165 "جزيرة" منعزلة تنتشر في أنحاء الضفة نُقلت السيطرة عليها شكليًّا ليد السلطة الفلسطينية. بقيّة أراضي الضفة الغربية أي ما نسبته 61% من مجمل مساحتها جرى تصنيفها كمناطق C وهي منطقة متّصلة جغرافيًّا، أبقتها إسرائيل تحت سيطرتها في مجال الأمن وجميع المجالات المدنية المتعلّقة بالأراضي بما في ذلك التخطيط والبناء ومرافق البنى التحتيّة والتطوير. تقسيم الضفة الغربية على هذا النحو هو تقسيم مصطنع لا يعكس الواقع الجغرافي ولا المجال الفلسطيني.

 
مناطق C هي المناطق التي تحوي متّسعًا لإمكانيّات التطوير الحضري والزراعي والاقتصادي للضفة الغربية. تستغلّ إسرائيل سيطرتها التامّة هناك في مجال التخطيط والبناء لتمنع الفلسطينيين منعًا شبه تامّ من البناء في مناطق C. في ما يقارب 70% من هذه المنطقة - أي نحو 42% من مجمل مساحة الضفة الغربية -  تفرض إسرائيل هذا المنع بواسطة تعريف مساحات شاسعة كـ"أراضي دولة" و"أراضي مسح" و"مناطق إطلاق نار" و"محميّات طبيعية" و"حدائق وطنية"؛ وذلك عبر ضمّها إلى مسطّحات نفوذ المستوطنات والمجالس الإقليمية؛ أو عبر القيود والتضييقات السارية على الأراضي التي احتجزتها إسرائيل بين جدار الفصل والخط الأخضر.


ولكن حتّى في الـ30% المتبقّية من مناطق C تطبّق إسرائيل سياسة تمنع البناء الفلسطيني منعًا شبه تامّ إمّا عن طريق الرفض الكلّي تقريبًا لجميع طلبات استصدار رخص البناء من أيّ نوعٍ كان - سواء بناء المنازل أو المباني الزراعية أو المباني العامّة أو مرافق البنية التحتيّة. ترفض الإدارة المدنية إعداد أو المصادقة على خرائط هيكلية لمعظم البلدات الفلسطينية في مناطق C حيث صادقت على خرائط هيكلية فقط لـ16 من التجمّعات السكّانية الفلسطينية الـ 180 الواقعة في مناطق C أي لمساحة تبلغ أقلّ من 1% من مجمل مساحة المنطقة ومعظمها مساحات عمرانيّة أصلاً. هذه الخرائط أعدّت دون مشاركة السكّان ودون اعتبار لأيّ من معايير التخطيط المتوافق عليها في العالم: حدودها ملاصقة لحدود العمران الحالية في القرى بحيث لا متّسع فيها لمساحة زراعيّة ولا مرعىً ولا احتياطيّ أرض لتطوير مستقبليّ. في السنوات الأخيرة أعدّت السلطة الفلسطينية خرائط هيكلية لـ116 تجمّعًا وتمّ تقديم 67 منها لمصادقة هيئات التخطيط في الإدارة المدنية. غير أنّ هذه المساعي لم تثمر إذ صادقت الإدارة المدنيّة على ثلاث خرائط فقط وتشمل مساحة 570 دونم (0.02% من مناطق C).


احتمال حصول الفلسطيني على رخصة بناء - حتّى على أرضه الخاصّة - هو صفر. تُظهر معطيات الإدارة المدنيّة أنّه بين السنوات 2010 و2014 قدّم 2,020 فلسطينيًا طلبات لاستصدار رخص بناء. فقط 33 من هذه الطلبات (1.5%) تمّت المصادقة عليها. كثيرون يمتنعون منذ البداية عن تقديم طلبات كهذه لعلمهم أنّه لا أمل في المصادقة عليها. وإذ يبقى السكان الفلسطينيون دون أيّة إمكانية للحصول على رخصة بناء ونظرًا إلى احتياجاتهم المختلفة يضطرّون إلى تطوير بلداتهم وبناء منازلهم دون ترخيص. بذلك يُفرض عليهم العيش مهدّدين دائمًا بهدم منازلهم ومصالحهم.


إنّ هذه السياسة التي تتّبعها إسرائيل تمسّ ليس فقط بالسكّان الفلسطينيين القاطنين في مناطق C، وإنّما أيضًا بسكّان مئات البلدات الفلسطينية الواقعة جميعها أو جزء منها في المناطق لمصنّفة A و-B، ذلك أنّ معظم احتياطي الأرض لكثير من هذه البلدات يقع ضمن حدود مناطق C وتسري عليه القيود والتضييقات التي تفرضها إسرائيل في تلك المنطقة.


بمرور السنين تزايدت الحاجة إلى أراضٍ للبناء: التقسيم إلى مناطق جرى في منتصف التسعينيات ومنذ ذلك الحين بلغ عدد السكّان الفلسطينيين في الضفة الغربية تقريبًا ضعف ما كان عليه حينئذٍ. يكاد ينفد احتياطي الأرض في المناطق A و-B إذ استُخدمت كلّها تقريبًا؛ وبسبب أزمة الإسكان المتفاقمة يتمّ بناء المنازل هناك فوق ما تبقّى من الأرض رغم أنّه قد يكون أكثر ملاءمة لأغراض أخرى - كالمباني الزراعيّة مثلاً.


النقص في مساحات الأرض المخصّصة للبناء يصعّب على السلطات الفلسطينية توفير الخدمات العامّة إذ يرتبط الأمر ببناء مرافق عامّة كالعيادات الصحيّة والمدارس والمبادرة إلى وضع مخططات تشمل مساحات مفتوحة داخل البلدات لرفاهية السكّان. استغلال الإمكانيات الاقتصادية المتوفرة في المنطقة C في مجالات الزراعة واستخراج المعادن وحجارة البناء والصناعة والسياحة وتطوير البلدات هو أمر حيويّ وضروريّ لتطوير الضفة الغربية كلّها، لأجل إيجاد أماكن عمل والحدّ من انتشار الفقر. إنّ استغلال مناطق C حيويّ أيضًا لأغراض التخطيط الإقليمي اللّائق والمستحَقّ لجميع بلدات الضفة بما في ذلك وضع البنى التحتية والتواصل الأنسب  بين البلدات.


على نقيض سياسة التخطيط والبناء في البلدات الفلسطينية تحظى المستوطنات الإسرائيلية - المقامة كلّها في مناطق C - بتخصيص أراضٍ واسعة وبتخطيط مفصّل وربط بمرافق متطورة وفوق ذلك تحظى بغضّ الطرْف عن البناء دون ترخيص. أعدّت للمستوطنات خرائط هيكلية حديثة وتفصيلية تشمل مساحات لبناء مبانٍ عامّة ومساحات خضراء، وفي حالات كثيرة نجد كثافة البناء في المستوطنات منخفضة. إنّها تتمتّع بمساحات شاسعة جدًّا - بما في ذلك المساحات الزراعية التي يمكن تطوير المستوطنة عليها مستقبلاً.


هذه السياسة التي تتّبعها إسرائيل في مناطق C يقف من ورائها تصوّر يرى أنّ هذه المنطقة وُجدت أوّلاً وقبل كلّ شيء لخدمة احتياجات الإسرائيليين؛ تصوّر ينظر إلى المنطقة بمنظار الطموح إلى ضمّ أجزاء كبيرة منها إلى إسرائيل. لذلك تعمل إسرائيل بشكل مثابر على تعميق سيطرتها هناك وعلى استغلال موارد المنطقة لمصلحة سكّانها وعلى خلق واقع دائم قوامه الاستيطان المزدهر - يقابله حضور فلسطينيّ ضئيل إلى الحدّ الأقصى الممكن. هكذا تضمّ إسرائيل هذه المنطقة ضمًّا فعليًّا (دي فاكتو) إلى أراضيها وتُنشئ ظروفًا تسهّل عليها أن تحدّد مستقبلاً المكانة القانونيّة الدائمة لهذه المنطقة.