في يوم الجمعة الموافق 10.5.19 اعتقل جنود محمد أبو شمسيّة (17 عامًا) وشقيقه عوني (20 عامًا) بعد مواجهة وقعت بينهما وبين مستوطن في طريق عودتهما من جولة مشتريات للعائلة لأجل الإفطار الرمضانيّ. تقيم عائلة أبو شمسيّة في حيّ تلّ رميدة الواقع وسط البلد في مدينة الخليل والذي يعاني سكّانه من قيود على الحركة ومن تنكيل دائم من جانب قوّات الأمن والمستوطنين منذ أقيمت مستوطنة على تخوم الحيّ. تُظهر هذه الحادثة كم أنّ حياة الفلسطينيّين المتبقّين وسط البلد هشّة ومستباحة ومليئة بالأحداث غير المتوقّعة.
في صباح الجمعة الأخيرة من شهر رمضان أطلق عناصر من شرطة حرس الحدود الرّصاص وقتلوا فتًى فلسطينيًّا في الـ15 من عمره حين حاول اجتياز جدار الفصل قرب بيت ساحور لكي يتمكّن من أداء الصّلاة في المسجد الأقصى. قبل ذلك بنصف ساعة أطلق عناصر شرطة حرس الحدود الرّصاص على شابّ آخر في ملابسات مماثلة وأصابوه في بطنه. أظهر تحقيق بتسيلم أنّ أيًّا من الشابّين لم يشكّل خطرًا ولم يكونا أصلًا في وضع يمكّنهما من ذلك: في وضح النّهار، عالقان بين السّلك الشائك اللّولبيّ وجدار شبكيّ عالٍ وقبالة عناصر على أهبة الاستعداد من شرطة حرس الحدود المدجّجين بالسّلاح. إنّ الفجوة بين النتيجة الفتاكة والمتوَقعة سلفًا لهذا التصرف الإجرامي وبين اللّامبالاة لدى الجمهور تجاهها والدّعم التامّ الذي حظيت به من جميع الجهات الرسمية، خير شاهد على تدني قيمة حياة الفلسطينيين اليوم.
يقيم في حيّ وادي ياصول الواقع بين حيّ أبو طور وحيّ سلوان ما يقارب ال 500 شخصًا وفقًا لمعطيات OCHA وبلديّة القدس تخطّط لاقتلاعهم من منازلهم. أقام السكّان هذا الحيّ في بداية التسعينيّات على أرض بملكيّة فلسطينيّة خاصّة لكنّ البلديّة صنّفتها "مساحات خضراء" لكي تمنع البناء الفلسطينيّ فيها، على غرار ما تفعله في مناطق أخرى كثيرة في شرقيّ القدس. أصدرت البلديّة أوامر هدم لجميع المنازل صادق عليها قضاة ارتأوا التركيز على مسائل تقنيّة وتجاهُل الواقع وسياسات البلديّة.
إغلاق قطاع غزة وعزله عن العالم يحبس سكّانه داخل سوق عمل مغلق وصغير يخلو من أيّة إمكانيّة للتّنمية ويغلق آفاق المستقبل. يعاني اقتصاد القطاع ركودًا غير مسبوق بفعل سياسات إسرائيل: 12 سنة من الحصار و19 سنة من فصل قطاع غزة عن الضفة الغربيّة والتوقّف عن إصدار تصاريح عمل داخل إسرائيل لسكّانه. في عام 2018 بلغ معدّل البطالة في القطاع 52%. تستطيع إسرائيل خلق انفراج فوريّ في هذا الواقع يبعث بعضًا من الأمل لو أرادت لكنّها تلجأ إلى خيار سدّ الأفق أمام سكّان القطاع وحبسهم في واقع حياة بلا أمل.
اليوم وبمناسبة مرور 52 عامًا على احتلال الضفّة الغربية وشرقيّ القدس وقطاع غزّة وإزاء الخطوات التي تسير فيها الإدارة الأمريكيّة برئاسة ترامب نحو ما يسمّيه "صفقة القرن"، تطلق بتسيلم مشروعًا تفاعليًّا جديدًا يجسّد كيف أعملت إسرائيل قضمًا في الأراضي الفلسطينيّة خلال العقود التي مضت وكيف شرذمت الحيّز الفلسطينيّ عبر تقسيمه إلى وحدات ضئيلة المساحة ومعزولة عن بعضها البعض وكيف فصلت بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين وبين الفلسطينيّين أنفسهم.
في يوم الأحد القادم يحلّ "يوم القدس" الذي تحتفل فيه إسرائيل بضمّ أكثر من 70 ألف دونم من أراضي الضفّة الغربية. غير أنّه لا يوجد للسكّان الفلسطينيّين ما يحتفلون به: في قلب مدينتهم تعاملهم إسرائيل وكأنّهم مهاجرون غير مرغوب فيهم وتطبّق سياسة هدفها طردهم من منازلهم وترحيلهم عن مدينتهم. من بين الوسائل التي تلجأ إليها إسرائيل لتحقيق ذلك هدم المنازل والامتناع عن التخطيط: لا تعدّ السّلطات خرائط هيكليّة للأحياء الفلسطينيّة وحيث لا يمكن لأحد الاستغناء عن منزل يأويه يُضطرّ الفلسطينيّون إلى البناء دون ترخيص وعندها تهدم السّلطات منازلهم أو تهدّدهم بالهدم. منذ سنة 2004 هدمت إسرائيل ما لا يقلّ عن 848 منازل في شرقيّ القدس وشرّدت بذلك 2960 شخصًا على الأقل من بينهم 1596 قاصرًا.
كلّ يوم تقرّر إسرائيل كيف تبدو حياة الفلسطينيين في الضفة، بينما هم لا يملكون أيّة إمكانيّة للمشاركة في صنع القرارات المتعلّقة بمستقبلهم. تستخدم إسرائيل قوّتها بعُنف وتعسّف، وتبدي بذلك استهتارًا وقحًا بحياة الفلسطينيين، بأمنهم وبجودة حياتهم.
في ساعات المساء من يوم الأحد الموافق 5.5.19 تقدّم جنديّان من سيّارات فلسطينيّة متوقّفة قرب البوّابة المغلقة التي نصبها الجيش لمنع دخول السيّارات الفلسطينيّة إلى حيّ جابر. طالب الجنديّان أصحاب السيّارات بإزاحتها من المكان وبدأ أحدهما يخبط السيّارات بفوهة بندقيّته. هدّد الجنديّان أصحاب السيّارات بإلحاق الأضرار بسيّاراتهم إذا أوقفوها هناك ثانية. سيّان أكان منع وقوف السيّارات هناك ناجمًا عن تعليمات "من فوق" أم أنّ الجنديّ تصرّف على هواه فهذه الحادثة تندرج ضمن سياسة التنكيل التي يتّبعها الجيش ضدّ سكّان منطقة وسط البلد في الخليل. لذلك، في هذه المرّة أيضًا لن يستدعى أحد لمحاسبته على هذه الأفعال.
نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي منوط، بطبيعته وجوهرة، بانتهاك منهجي لحقوق الإنسان. تعمل بتسيلم بهدف وضع حد له وإنهائه، انطلاقًا من الإدراك بأنه من خلال هذه الطريقة فقط سيكون بالإمكان تحقيق مستقبل تُضمَن فيه حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية والمساواة لجميع بني البشر الذين يعيشون بين النهر والبحر.
في قطاع غزة، تعمل إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 بطريقة منسَّقة وبنيّة واضحة لتدمير المجتمع الفلسطيني وتنفذ إبادة جماعية ضد سكانها. على خلفية ممارسات إسرائيل في قطاع غزة، تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين وغياب أي تحرك فعال من قبل المجتمع الدولي، ثمة خطر حقيقي من أن يوسع النظام الإسرائيلي الإبادة الجماعية إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرته، وفي مقدمتها الضفة الغربية. تدعو بتسيلم الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي إلى العمل بكل الوسائل التي يتيحها القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين فورًا.