Skip to main content
حسام بلّور الذي عمل في إسرائيل لمدة 16 عاما في منزله في مخيم النصيرات للاجئين في قطاع غزة.  تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 28.4.19
Menu
المواضيع

بطالة قسريّة: فلسطينيّون سكّان قطاع غزة ممّن عملوا في إسرائيل حتى عام 2000 يحدّثون كيف انهارت حياتهم بسبب البطالة المفروضة عليهم قسرًا

يعاني اقتصاد قطاع غزة ركودًا غير مسبوق بفعل سياسات إسرائيل: 12 سنة من الحصار و19 سنة من فصل قطاع غزة عن الضفة الغربيّة والتوقّف عن إصدار تصاريح عمل داخل إسرائيل لسكّانه. يفيد التقرير الأخير الصادر عن البنك الدوليّ أنّ تراجعًا إضافيًّا حدث في السنتين الأخيرتين بسبب تقليص الهِبات الدوليّة من "الدّول المانحة" والتحويلات الماليّة من السّلطة الفلسطينيّة.

تفيد معطيات دائرة الإحصاء الفلسطينيّة عن معدّلات البطالة في القطاع في عام 2018 أنّ معدّل البطالة العامّ في القطاع بلغ 52% و-69% بين الشباب حتى سن 26 عامًا و-78% بين الشباب ذوي الألقاب الأكاديميّة و-74.5% بين النساء.

منذ بداية الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 أي قبل أن تتّبع إسرائيل سياسة الحصار بدأت في فرض قيود مشدّدة على حركة سكان قطاع غزة وفصلت القطاع فصلًا شبه كلّي عن الضفة الغربيّة. قلّصت إسرائيل كثيرًا من حركة سكّان القطاع عبر معبر إيرز وضمن ذلك ألغت تصاريح عمل عشرات آلاف العمّال الذين كانوا يعملون في إسرائيل حينئذٍ فكانت تلك "ضربة قاضية" قطعت أرزاقهم بشكل فجائيّ. في عام 1999 كانت نسبة العاملين في إسرائيل من القوى العاملة من سكان قطاع غزة 15.7% وكانت نسبة البطالة 16.9%. بعد مضيّ سنتين أي في عام 2001 هبطت نسبة العاملين في إسرائيل إلى 1.9% من مجمل القوى العاملة وقفزت نسبة البطالة إلى 34%. في تلك السنة بلغت نسبة البطالة بين النساء 24%. في حزيران 2007 مع بدء تطبيق سياسة الحصار الشامل أوقفت إسرائيل إصدار التصاريح تمامًا وقفز معدّل البطالة خلال عام 2008 إلى 40.6%.

أدّى إغلاق قطاع غزة وعزله عن العالم إلى انهيار اقتصاده وحبس سكّانه داخل سوق عمل مغلق وصغير يخلو من أيّة إمكانيّة للتّنمية ويغلق آفاق المستقبل. تستطيع إسرائيل خلق انفراج فوريّ في هذا الواقع يبعث بعضًا من الأمل لو أرادت لكنّها تلجأ إلى خيار سدّ الأفق أمام سكّان القطاع وحبسهم في واقع حياة بلا أمل.

سجّل باحثو بتسيلم الميدانيون إفادات من بعض سكّان قطاع غزّة الذين عملوا في إسرائيل أو عمل هناك أفراد من أسرهم فتحدّث هؤلاء عن بؤس الواقع اليومي الذي فرضته إسرائيل عليهم قسرًا مع إغلاق القطاع:

حمديّة أبو عودة (46 عامًا) من سكّان بيت حانون هي ربّة منزل متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد. كان زوجها يعمل في إسرائيل منذ 1988 وانقلبت حياتها رأسًا على عقب حين أصبح عاطلًا عن العمل بعد إلغاء التصاريح. عن ذلك تحدّثت في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، التي أدلت بها في 17.4.19:

حمديّة أبو عودة. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 17.4.19

منذ أن تزوّجت في عام 1988 وكان زوجي عامل بناء في إسرائيل. كان يخرج إلى إسرائيل كلّ يوم في الخامسة صباحًا ويعود في الخامسة أو السّادسة مساءً وكان مرتّبه الشهريّ نحو 5,000 شيكل. في تلك الفترة كانت حياتنا جيّدة ومستوى معيشتنا عالٍ. وُلد أولادنا وكان مرتّب أيمن زوجي يكفي لإعالتنا وإعالة والدته وحتّى أنّني كنت أوفّر بعض النقود لأجل مستقبل الأولاد. كانت تلك فترة تمتّعنا فيها بالهدوء الاقتصادي والرّاحة النفسيّة.

لم يخطر في بالي أن يأتي يوم يفقد فيه زوجي عمله. مع بداية الانتفاضة الثانية أخذوا يغلقون معبر إيرز من حين لآخر وعندها لم يذهب للعمل كلّ يوم ومع ذلك تدبّرنا أمورنا. لكنّهم في عام 2005 منعوه تمامًا من العمل في إسرائيل. أخذ أيمن يبحث عن عمل داخل القطاع. كان يعثر على عمل متقطّع بشقّ الأنفس وحتى المرتّب كان متدنيًّا جدًّا. لم يجد عملًا منتظمًا بشكل دائم لكنّه يعثر أحيانًا على عمل مؤقت.

بدأت في تقليص مصاريف المنزل تدريجيًّا لكي أوفّر. بعد ذلك أخذنا نصرف من النقود التي قمنا بتوفيرها. ولكن عندما شدّدت إسرائيل الحصار على غزة احترت ماذا أفعل وكيف أتدبّر أموري. التجأت إلى الجمعيّات التي توزّع المعونات وصرنا نحصل على مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعي بمبلغ 1,800 شيكل كلّ أربعة أو خمسة أشهر تقريبًا.

كبر أولادي الثلاثة وتزوّجوا ولأنّ الزواج يكلّف أموالًا كثيرة اقترضنا المال من الأقارب والأصدقاء. الآن هم متزوّجون ولديهم أولاد ويسكنون في منزلنا معي ومع بقيّة أولادي. فقط اثنان من أولادي يعملان. في عام 2012 دخل زوجي في مشروع مزرعة دواجن صغيرة لكي يعيل الأسرة. هذا المشروع كلّفنا مالًا كثيرًا ولكنّ المزرعة تدمّرت تمامًا خلال حرب 2014. بعد ذلك أقمناها من جديد لكنّنا أفلسنا بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع وقلّة من يستطيعون الشراء.

في حرب 2014 تدمّر أيضًا منزلنا. هُدم تمامًا. كان بناءً من ثلاثة طوابق أقمناه في الفترة التي عمل فيها زوجي داخل إسرائيل. أصبحنا مشرّدين بلا مأوى. قضينا فترة معيّنة نتنقّل بين مدارس وكالة الغوث وبيوت الإيجار. الحمد لله في النهاية تمّت إعادة إعمار المنزل بدعم وكالة الغوث وعدنا للسّكن فيه.

لدينا قطعة أرض صغيرة مساحتها نحو 500 متر. قرّرننا زراعتها لتوفير الخضار لاستهلاك الأسرة ونبيع الفائض لأجل الحصول على بعض المدخول. حاليًّا نفكّر أنا وزوجي كلّ الوقت بأنّ بيع الأرض ربّما هو الحلّ المجدي.

بسبب التوتّر الدّائم أصبت بمرض السكّري وأعاني من ارتفاع ضغط الدم وضعف في عضلة القلب. لا يوجد لنا مصدر دخل ثابت وهذا يبعث اليأس في نفسي ويسبّب لي الاكتئاب. زوجي أيضًا أصبح شخصًا عصبيّ المزاج لأنّه عاطل عن العمل ويقضي كلّ وقته في المنزل.

ناصر نور الدّين (54 عامًا) من سكّان مخيّم المغازي للّاجئين متزوّج وأب لثلاثة أولاد. كان يعمل في إسرائيل لكنّه عاطل عن العمل منذ عام 2000 ويعاني هو وأسرته أوضاعًا صعبة بسبب البطالة القسريّة. عن ذلك تحدّث في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، التي أدلى بها في 1.5.19:

في عام 1980 بدأت العمل في إسرائيل. في البداية عثرت على أعمال مؤقّتة. كنت عازبًا وكنت أعمل في إسرائيل وأعود للمبيت في غزّة لأنّ تصريحي لم يشمل المبيت. كنت أكسب 100-120 شيكل يوميًّا في تلك الفترة. في عام 1990 عثرت على عمل دائم في شركة لدهان المنازل والمكاتب. كان العمل يوميًّا وكنت أكسب 250 شيكل في اليوم. كان ذلك "العصر الذّهبيّ" بالنسبة إليّ. بفضل ذلك العمل تمكّنت من الزواج في 1998 وفي عام 2000 أقمت منزلًا مساحته 60 مترًا مربّعًا. تلقّيت بعض الدّعم في بناء المنزل من وكالة الأونروا لأنّنا لاجئون.

ولكن بعد عام 2000 أغلقت إسرائيل المعابر ومنذ ذلك الحين أصبحت عاطلًا عن العمل. أعمل فقط بضعة أيّام طوال الشهر هذا إذا وجدت عملًا.

لديّ ثلاثة أولاد ووضعي الاقتصادي يصبو إلى الصّفر. نحن نعتاش من طرود المعونة التي تقدّمها وكالة الغوث مرّة كلّ ثلاثة أشهر. يحتوي الطرد على 5 أكياس طحين وزن كلّ واحد 30 كغم و10 لتر زيت للطبخ و4 علب مسحوق حليب وكيلوغرام واحد من السكّر لكلّ شخص (في السّابق كانوا يقدّمون 3 كغم لكلّ شخص ثمّ قلّصوا الكميّة) و3 كغم عدس و5 علب سردين لكلّ شخص.

ناصر نور الدّين في منزله. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 1.5.19

هذه الحاجيّات لا تكفينا لمدّة ثلاثة أشهر ولذلك أضطرّ لشراء احتياجاتنا من البقالة ديْنًا وعندما أعثر على عمل أسدّد ديوني. نحن نشتري الدّجاج مرّة كلّ 5-6 أشهر أمّا اللّحم فلا نذوقه سوى في عيد الأضحى عندما يوزّع الناس قطعًا من أضحياتهم على الفقراء. أنا لا أشتري لأسرتي سوى البندورة والبطاطا. أحيانًا يمرّ شهر بأكمله فلا تجد في جيبي حتى شيكل واحد.

في كلّ يوم أخرج من المنزل "هربًا" من المشاكل مع أسرتي ومن طلبات أولادي لأنّني لا أستطيع تلبيتها. أجلس في المقهى وحتى القهوة هناك أشربها بالدّين. أولادي يذهبون إلى المدرسة بدون مصروف وفي المناسبات يطلبون منّي أن أشتري لهم الملابس لكنّ وضعي للأسف لا يسمح بذلك. ابنتي الكبرى أريج في مرحلة التوجيهي ولا أعلم من أين سأجلب الأموال اللّازمة لدراستها في الجامعة - سواء القسط الدراسيّ أو مصاريف السفر إلى هناك.

أنا لم أدفع فواتير الكهرباء والماء منذ عام 2000. أقدّر أنّني مديون بمبلغ 10,000 شيكل. سقف منزلنا من الصّفيح ولا مال لدينا لصبّ سقف حقيقي. في الشتاء منزلنا بارد كأنّه ثلّاجة وفي الصيف كأنّه فرن. المطر يتسرّب إلى داخل المنزل فنضطرّ لتوزيع الأواني في أرجائه لتجميع المياه.

قضيت وقتًا طويلًا في البحث عن عمل ولم أجد وهذا يسبّب لي اليأس التامّ. الآن أنا لا أجدّ في البحث عن عمل. أصبحت منعزلًا اجتماعيًّا ومنقطعًا عن الأقارب حتّى. أنا لا أزورهم لأنّه لا توجد معي نقود. لديّ ثلاث أخوات مقيمات في غزّة ولا أزورهنّ سوى في الأعياد لأنّني أملك تكاليف السّفر إليهن ولا شراء الهدايا. أحيانًا أذهب لزيارتهنّ سيرًا على الأقدام مسافة 4 ساعات ولهذا أذهب وحدي دون مرافقة أحد من أفراد أسرتي.

حسام بلّور (51 عامًا) من سكّان مخيّم النصيرات للّاجئين متزوّج وأب لتسعة أولاد. عمل في أشغال منوّعة داخل إسرائيل منذ 1984 وحتى 1998، ثمّ عمل في مشغل خياطة في القطاع إلى أن أغلق في عام 2000 بسبب إغلاق المعابر أمام تصدير البضائع. عن ذلك وعن تأثير الحصار على حياته تحدّث حسام في إفادته التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، في 28.4.19:

حسام بلّور. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 28.4.19

منذ أن بلغت الـ 17 من عمري اشتغلت داخل إسرائيل في مجالات متنوّعة. عملت في الحدائق العامّة في بلدية تل أبيب وفي مطعم في تل أبيب وفي مخبز في المنطقة الصناعيّة في ريشون لتسيون وفي مصنع بسكويت في المنطقة نفسها. مكان عملي الأخير كان محل للحلويات في ريشون لتسيون وقد عملت هناك طوال ستّ سنوات تقريبًا حتى عام 1998. كنت أكسب 70 شيكل في اليوم وكنت خلال الأسبوع أبيت في المصنع وأعود إلى منزلي فقط في عطلة نهاية الأسبوع. وفّرت المال وتزوّجت.

بعد أن تزوّجت انتقلت للعمل في مشاغل خياطة داخل القطاع مقابل 30 شيكل يوميًّا. لكنّ المشغل أغلق أبوابه في عام 2000 لأنّ إسرائيل أغلقت المعابر ولم تسمح باستيراد وتصدير البضائع. بعد ذلك كنت أعثر على عمل مؤقت من حين لآخر في القطاع - مرّة في مطعم حمّص في النصيرات ومرّة في بيع القهوة والشاي على الرّصيف. في بعض الأماكن لم يقدر أصحاب العمل أن يدفعوا لي حتى عشرين شيكل في اليوم مقابل عمل 12 ساعة.

منذ ثلاث سنوات أنا عاطل عن العمل تمامًا. اليوم أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعي - مبلغ 1,800 مرّة كلّ ثلاثة أشهر وحتى هذا المبلغ أتقاسمه مع والدتي. نحصل أحيانًا على طرود غذائيّة من جمعيّات أو من أشخاص متصدّقين كما نحصل على طرد غذائي من وكالة الأونروا مرّة كلّ ثلاثة أشهر.

نسكن في منزل سقفه من الصفيح. مساحة المنزل 90 مترًا مربّعًا ومنذ سنوات طويلة نعيش في اكتظاظ. جميعنا نسكن في ثلاثة غرف مع والدتي أيضًا. لا أستطيع توفير المال اللّازم لدراسة ابنتي ربى في الجامعة. تراكمت عليّ ديون كثيرة منها دين بمبلغ 39 ألف شيكل لشركة الكهرباء ودين بمبلغ 12 ألف شيكل لشركة المياه. أخرج كلّ بضعة أيّام للبحث عن عمل ولكنّني لا أعثر على شيء. هذا الأمر يسبّب لي ضغطًا نفسيًّا كبيرًا. لا يوجد معنا قرش واحد حتّى. إنّي أختنق. قبل عدّة سنوات أصبت بمرض السكّري بسبب كثرة المشاكل والوضع الذي انحدرنا إليه.

جمال الشيخ خليل (60 عامًا) من سكّان مدينة غزّة متزوّج وأب لستة أولاد. عاطل عن العمل. منذ بداية الثمانينيّات وطيلة أكثر من عشرين عامًا عمل دهّانًا في إسرائيل. في عام 2003 ألغت السلطات الإسرائيليّة تصريح عمله ومنذ ذلك الحين عمل داخل القطاع بشكل متقطّع في أشغال مؤقّتة عثر عليها بصعوبة. منذ فرض الحصار في عام 2007 أصبح عاطلًا تمامًا عن العمل. عن ذلك وعن المعاناة التي تقاسيها أسرته تحدّث جمال في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، يوم 15.4.19:

جمال الشيخ. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 15.4.19

كنت في العشرينيّات من عمري حين بدأت العمل في إسرائيل كدهّان. كانت تلك سنوات جيّدة جدًّا بالنسبة إليّ. تزوّجت وأقمت منزلًا ووُلد لي ستة أولاد. كنت أكسب ما يقارب 4,000 شيكل شهريًّا ونجحت في الاهتمام باحتياجات أسرتي بحيث لم ينقصهم شيء وكنت إضافة إلى ذلك أعيل والديّ وقد وفّرت مبلغًا صغيرًا من المال.

 

لكنّ الانتفاضة الثانية في عام 2000 قلبت الأمور رأسًا على عقب عندما منعونا من العمل داخل إسرائيل. شعرت بالإحباط واليأس. كنت أعيل أسرة مؤلّفة من 8 أنفار وكان أولادي صغارًا أفكّر طوال الوقت بمستقبلهم. بدأت البحث عن عمل في القطاع ولم أعثر سوى على أشغال مؤقتة برواتب متدنّية جدًّا لم تكف احتياجاتنا. منذ عام 2007 تفاقمت أوضاعنا أكثر بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع. أكثر من تضرّر من الحصار كان العمّال. لم نتمكّن من العثور على عمل. كان الوقت يمرّ وأنا جالس في البيت. أخذت أبحث عن جمعيّات توزّع طرودًا غذائيّة في قطاع غزة. توجّهت إلى وزارة الرّفاه الاجتماعي لكي أحصل على مخصّصات وقد مرّ الوقت وحصلت عليها بصعوبة كبيرة في عام 2016. تمكّنت كذلك من الحصول على مخصّصات للغذاء من مؤسّسة "أوكسْفام" بمبلغ 270 شيكل تقريبًا لكنّ هذا لا يكفينا.

 

بلغ أولادي سنّ الزواج ولكنّني لم أتمكّن من تأمين مستقبلهم لكي يؤسّسوا لحياتهم ويتزوّجوا. هم أيضًا عاطلون عن العمل. أحيانًا يعثرون على عمل يوميّ مقابل عشرين شيكل. أحد أبنائي طالب جامعي وقد تلقّى عدّة إنذارات بالطرد من الجامعة بسبب ديون لم أتمكّن من تسديدها. اضطررت في النهاية إلى اقتراض المال من الأقارب لكي يتمكّن من إنهاء دراسته.

 

أنا لا زلت أخرج للبحث عن عمل ولكنّني بالكاد أعثر على أشغال يوميّة. منذ أن توقّفت عن العمل أصبحت قلقًا ومكتئبًا. من شدة الضغط والتوتر أصبت بمرض السكّري. اقترضت أكثر من خمسين ألف شيكل لكي ندبّر أمور معيشتنا. بعت مصاغ زوجتي لكي أسدّد جزءًا من الدّيون ولا تزال عليّ ديون لم أتمكّن من تسديدها.

أصبحت حياتنا عبارة عن حالة انهيار مستديمة وهذا ظلم كبير. أقضي معظم وقتي في المنزل لأنّه لا يمكن الخروج بدون بعض النقود في جيبك. أحزن على أولادي لأنّ مستقبلهم ضاع تمامًا. أتمنّى أن يتمّ التعامل بإنسانيّة مع سكّان غزة وأن ينتهي الحصار لكي نتمكّن من الخروج من هذا الفقر والعيش بكرامة.

محمد الجرو (59 عامًا) من سكّان مدينة غزة متزوّج وأب لثمانية أولاد. عاطل عن العمل منذ عام 2004. كان في السّابق يبيع في قطاع غزة خضارًا وفاكهة مستوردة من إسرائيل ومنذ عام 1996 عمل في مصنع لقطع غيار السيّارات في المنطقة الصناعية الملحقة بمعبر إيرز حيث كان عاملًا في البداية ثمّ مدير عمّال منذ 1998. في عام 2004 أغلقت المنطقة الصناعيّة وفقد محمد مكان عمله. عن ذلك وعن أحوال أسرته تحدّث في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.4.19:

محمد الجرو. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 18.4.19

الفترة التي كنت أبيع فيها الخضار القادمة من إسرائيل كنت أكسب فيها نحو 5,000 شيكل في الشهر. بعد ذلك عندما أصبحت مدير العمال في مصنع في معبر إيرز كنت أكسب ما يقارب 6,000 شيكل. تمتّعنا في تلك الفترة باستقرار اقتصادي وحياة مريحة من جميع النواحي. لم ينشغل بالي في حساب المصروف ولم يكن شيء ينقص أسرتي. في كلّ يوم كنت أعود إلى المنزل حاملًا ممّا طاب: الأكل والملابس لأولادي ولزوجتي وكنت أوفّر مبلغًا معيّنًا من راتبي.

انقلبت حياتي في عام 2004 بعد أن أغلقوا المنطقة الصناعية في معبر إيرز وفصلوا جميع العمال الذي عملوا هناك. فُصل آلاف العمّال من جميع المصانع. كانت هذه كارثة حلّت بنا. لم أصدّق أنّ هذا يحدث لنا. لم أفهم لماذا طردونا جميعًا وأغلقوا المنطقة الصناعية فنحن لم نشكّل خطرًا على أحد.

أصبحت عاطلًا عن العمل وكنت مسؤولًا عن إعالة تسعة أنفار. بحثت عن عمل في غزة ولكنّني لم أعثر على شيء لأنّ فرص العمل قليلة والسّوق صغيرة. عندما عثرت على عمل كان مرتّبي الشهري يقارب 2,000 شيكل مقابل 12 ساعة عمل كلّ يوم. اضطررت للصّرف من المبالغ التي وفّرتها أيام عملي في منطقة إيرز الصناعية.

في بداية عام 2005 اقتنيت سيّارة باص وكميّة من موادّ التنظيف وعملت في تسويق موادّ التنظيف. ولكن منذ عام 2007 أصبح الحصول على البضاعة صعبًا جدًّا بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل ومنع إدخال البضائع إلى القطاع. واصلت بيع البضاعة المتبقّية لديّ إلى أن نشبت الحرب نهاية عام 2008. خلال الحرب قُصف منزلي - الواقع في شرقيّ مدينة غزّة - وتهدّم تمامًا. خسرت جميع البضاعة التي كانت مخزّنة فيه وهكذا أفلس مشروعي. بعد الحرب تنقّلنا بين منازل مستأجرة طيلة ستّ سنوات حتى عام 2014. كانت تلك فترة عصيبة لدرجة أنّني تمنّيت لنفسي الموت لكي أتخلّص من هذه المشقّة. بعد ذلك أعدنا إعمار المنزل بأموال تلقّيناها من الأمم المتحدة الـ UNDP. تلقّينا منهم 18 ألف دولار فقط في حين كلّفنا منزلنا الأصلي أكثر من ذلك بكثير. ما زلت أسدّد تكاليف بنائه حتى الآن.

لقد فقدت عملي في إسرائيل ثم فقدت المصلحة التي أقمتها وحتى منزلي فقدته. كنت في وضع نفسيّ سيّء جدًّا. أفكّر طوال الوقت كيف سأوفّر لأولادي لقمة عيشهم. ابني حسن وابنتي تهاني بدآ دراستهما الجامعيّة. اقترضت المال لكي يكملا تعليمهما.

أنا عاطل عن العمل منذ أن انهار مشروعي في عام 2008. لا توجد في غزّة فرص عمل بسبب تشديد الحصار.

أربعة من أولادي حصلوا على شهادات جامعيّة وجميعهم عاطلون عن العمل. نحن نعتاش من مخصّصات غذاء أسبوعيّة بقيمة 70 شيكل تقدّمها منظمة CHF. هذا لا يكفي لأسرة مؤلّفة من عشرة أنفار. أحيانًا يعثر أولادي على أشغال مؤقّتة ويحصلون على 20-30 شيكل مقابل يوم عمل من الصباح وحتى المساء.

أبنائي الثلاثة أحمد ومحمود وبهاء أصبحوا في سنّ الزواج ولكنّ مستقبلهم لا يبدو مطمئنًا فهم بلا عمل وبدون بيت. أنا مستعدّ لأن أعمل رغم أنّني في الـ60 من عمري ورغم قلّة فرص العمل. لكن في الظروف السائدة حاليًّا في القطاع حتى لو وجدت عملًا فهو لن يكفي لإعالة أسرتي.

ليتني أعثر على عمل وأتمكّن من توفير احتياجات أولادي وتأمين مستقبلهم. الوضع في غزّة ميئوس منه. مستوى المعيشة تحت الصّفر والمستقبل مبهَم بالنسبة لنا. أولادي بلا مستقبل. إنّهم لا يفكّرون حتى بالزواج وإقامة أسرة لأنّه لا إمكانيّة لذلك. هم غارقون في حالة من اليأس والإحباط.