Skip to main content
جدار الفصل قرب بيت ساحور. تصوير إيال هرئوبيني، بتسيلم، 24.6.19. في الصّورة الصغيرة: عبدالله غيث (صورة قدّمتها العائلة مشكورة).
Menu
المواضيع

جريمة أخرى تحظى بالدّعم التامّ كالعادة: عناصر شرطة حرس الحدود قتلوا فتًى في الـ15 من عمره وأصابوا شابًّا آخر بجراح حين حاولا اجتياز الجدار

عبدالله غيث. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

نحو السّاعة 7:30 من صباح الجمعة الأخيرة من شهر رمضان التي وافقت 31.5.19 اتّجه سبعة أشخاص من عائلة غيث في سيّارة من الخليل إلى القدس لأجل أداء الصّلاة في المسجد الأقصى. قاد السيّارة لؤي غيث البالغ من العمر 45 عامًا وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد ويملك مصنعًا في الخليل؛ ورافقه ابنه عبدالله (15 عامًا) وبناته الثلاثة: شيماء (16عامًا) وترتيل (14 عامًا) ودانيا (12 عامًا) وابنة شقيقه سيرين (14 عامًا) وابن شقيقه "ع." (18 عامًا).

نحو السّاعة 7:30 من صباح الجمعة الأخيرة من شهر رمضان التي وافقت 31.5.19 اتّجه سبعة أشخاص من عائلة غيث في سيّارة من الخليل إلى القدس لأجل أداء الصّلاة في المسجد الأقصى. قاد السيّارة لؤي غيث البالغ من العمر 45 عامًا وهو متزوّج وأب لتسعة أولاد ويملك مصنعًا في الخليل؛ ورافقه ابنه عبدالله (15 عامًا) وبناته الثلاثة: شيماء (16عامًا) وترتيل (14 عامًا) ودانيا (12 عامًا) وابنة شقيقه سيرين (14 عامًا) وابن شقيقه "ع." (18 عامًا).

خلال شهر رمضان سمحت إسرائيل لأعداد كثيرة من الفلسطينيّين بالقدوم لأداء الصّلوات في القدس ولكنّ دخول الشبّان والرجال ما بين 16 - 30 عامًا ظلّ ممنوعًا، ولذلك لم يتمكّن "ع." - ابن شقيق لؤي غيث - من عبور الحاجز. إزاء ذلك لجأت العائلة إلى حلّ يتّبعه فلسطينيّون كثيرون: اتّجه لؤي نحو حاجز مزمورية/النعمان المنصوب شمال شرق بلدة بيت ساحور لكي يُنزل "ع." وعبدالله قرب جدار الفصل على بُعد نحو 700 متر من الحاجز وذلك لكي يتسلّق كلاهما الجدار ويلتقيا بقيّة أفراد العائلة في الجهة الثانية. تشتمل منشآت جدار الفصل في هذه المنطقة على سلك لولبيّ شائك منخفض وجدار من الشبك والأسلاك الشائكة ارتفاعه عدّة أمتار ويفصل بينهما طريق عرضه عدّة أمتار.

التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر ما يلي: نحو السّاعة 8:00 أنزل لؤي غيث كلًّا من عبدالله و"ع." قرب الجدار في مكان كان ينتظر فيه نحو عشرة شبّان آخرين فرصة ليجتازوا الجدار هم أيضًا. لم يلاحظ عبدالله و"ع." وجود عناصر قوّات الأمن في المنطقة وقرّرا محاولة اجتياز الجدار. بعد أن اجتازا السّلك اللّولبي الشائك وأصبحا بينه وبين جدار الشبك الرّئيسيّ لاحظ "ع." شرطيًّا من حرس الحدود يقف في الجانب الآخر من الجدار. قفز "ع." من فوق السّلك اللّولبيّ راجعًا وصاح بعبدالله ابن عمّه أن يفرّ وينجو بنفسه. في هذه المرحلة أطلق عناصر الشرطة رصاصتي "توتو" على عبدالله أصابته إحداهما في صدره. تمكّن عبدالله من اجتياز السّلك اللّولبي ركضًا إلى المكان الذي أتى منه ووقع أرضًا بعد عدّة أمتار.

كان لؤي غيث لا يزال ينتظر هناك فأقلّ في سيّارته كلًّا من "ع." وعبدالله إلى المستشفى في بيت جالا. توفّي عبدالله جرّاء الإصابة بعد أن باءت بالفشل محاولات الأطبّاء لإنقاذ حياته. في 1.6.19 أدلى الأب الثاكل بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش وعبّر عن مشاعره قائلًا:

لؤي غيث. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم, 1.6.19

ما زلت لا أصدّق حتى الآن أنّ ولدي الذي ربّيته طيلة 15 عامًا استُشهد في لحظة عين. لم يفعل ابني شيئًا كلّ ما أراده أن يصل إلى المسجد الأقصى ليؤدّي فيه صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان. لقد كان جسورًا ويبدو لي أنّ شجاعته هي التي قتلته. لقد استعجل إلى الصّلاة في المسجد الأقصى ولم ينتظر مثل بقيّة الشبّان.

لقد كان عبدالله ولداً طيّبًا بشوشًا ومحبوبًا لدى الجميع. كان بعد الدّوام المدرسيّ يساعدني في العمل وكان يحبّ عائلته ويمازح أخواته دائمًا. لا زلت أتذكّر كيف كان في ذلك الصّباح يمازح فتيات العائلة طوال الطريق. لقد كان سعيدًا جدًّا لأنّه ذاهب إلى المسجد الأقصى ليؤدّي فيه صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان. ذاك الشرطيّ الإسرائيليّ الذي أطلق عليه رصاصه لا يعرف كلّ هذا. هو أيضًا لا يعرف هول الصّدمة والحزن الذي سبّبه لي ولوالدة عبدالله وأخواته وأنّه لا شيء يعزّينا في فقدانه.

قبل مقتل عبدالله بنصف ساعة أصاب عناصر شرطة حرس الحدود برصاصهم الشابّ "م.ط" (20 عامًا) من سكّان حدب الفوّار الواقعة جنوبيّ الخليل ويعمل في حانوت قرطاسيّة. وصل "م.ط" إلى المكان نحو السّاعة 5:30 - أيضًا بهدف اجتياز الجدار والمتابعة إلى المسجد الأقصى وأداء الصّلاة فيه. في إفادته لبتسيلم قال أنّه انتظر حتى السّاعة 7:00 وعندها بدأ المحاولة: اجتاز بداية السّلك اللولبيّ وعندها سمع صليلًا يشبه إطلاق النّار مع استخدام كاتم صوت فقفز عائدًا إلى الوراء. لم يشعر أنّه أصيب في بطنه إلّا بعد أن رجع إلى الجهة الأخرى من الجدار وابتعد عنها. أخلي "م.ط" في سيّارة خاصّة إلى بيت ساحور ومن هناك نُقل في سيّارة إسعاف إلى مستشفى الحسين في بيت جالا حيث خضع لعمليّة جراحيّة في بطنة. رقد "م.ط" للعلاج في المستشفى أسبوعًا ثمّ غادر إلى المنزل.

في الحالتين أعلاه أطلق عناصر شرطة حرس الحدود رصاصهم على الشابّين مصوّبين نحو الجزء الأعلى من الجسم فقتلوا عبدالله غيث (15 عامًا) وأصابوا "م.ط" بجراح في بطنه لا لسبب سوى أنّهما حاولا اجتياز جدار الفصل والوصول إلى شرقيّ القدس لأداء الصّلاة. لا يمكن إيجاد أيّ مبرّر لإطلاق النّار بطريقة معلوم سلفًا أنّها ستؤدّي إلى نتائج فتّاكة. إنّه سلوك يدلّ على عُمق الاستهتار بحياة الفلسطينيّين ليس فقط لدى عناصر الشرطة الذين أطلقوا الرّصاص وإنّما أيضًا لدى سلسلة من المسؤولين الذين يتيحون استمرار مثل هذا السّلوك.

نشرت وسائل الإعلام على لسان مسؤولين في شرطة حرس الحدود أنّ الذّخيرة التي أطلقت على عبدالله غيث و"م.ط" هي تلك المستخدمة في تفريق المظاهرات. لكنّ رصاص "التوتو" ذخيرة حيّة تمامًا ولا يمكن اعتباره وسيلة تفريق مظاهرات؛ والجيش نفسه يعترف رسميًّا بذلك. لقد كتب وكيل عامّ النيابة العسكريّة إلى بتسيلم منذ عشر سنوات أنّ رصاص "التوتو" يُسمح بإطلاقه فقط في الحالات التي يُسمح فيها بإطلاق النيران أو الرّصاص الحيّ - أي، فقط إذا كان هنالك خطر داهم ومحقّق يهدّد حياة عناصر قوّات الأمن أو غيرهم. رغم ذلك، يستمرّ استخدام رصاص "التوتو" على نحوٍ فتّاك ويتواصل التعامل معه كذخيرة تفريق مظاهرات.

نحن نعلم من التجارب السّابقة أنّه لن يخضع للمساءلة والمحاسبة أيّ من عناصر الشرطة الذين قتلوا برصاصهم الفتى عبدلله ابن الـ15 ربيعًا من عمره وأصابوا "م.ط" الشابّ ابن الـ20 من عمره وكذالك أيّ من سلسلة المسؤولين المتورّطين وبضمنهم المسؤولين عن صياغة التعليمات. علاوة على ذلك، لن يستطيع أحد مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات عن الأضرار المترتّبة على تلك الجرائم بعد أن سدّت أمام الفلسطينيّين السّبيل إلى رفع دعاوى تعويض عبر قانون سنّته لتريح نفسها من ذلك.

هل يمكن اعتبار إطلاق الرّصاص على الفتى عبدالله والشابّ "م.ط" عملًا إجراميًّا؟ تمامًا وبكلّ المعايير لأنّه في الحالتين لم يكن له أيّ مبرّر: لم يشكّل أيّ منهما خطرًا على أحد ولم يكونا في وضع يمكّنهما من ذلك: في وضح النّهار عالقان بين السّلك اللّولبيّ الشائك وجدار شبكيّ عالٍ وقبالة عناصر على أهبة الاستعداد من شرطة حرس الحدود المدجّجين بالسّلاح. في مثل هذه الملابسات لا يمكن إيجاد تبرير قانونيّ أو أخلاقيّ لاستخدام ذخيرة قد تسبّب إصابة بليغة أو الموت حتّى - وهو ما فعله عناصر الشرطة مرّات عديدة في الماضي وما فعلوه في هذه المرّة. إنّ الفجوة بين النتيجة الفتاكة والمتوَقعة سلفًا لهذا التصرف الإجرامي وبين اللّامبالاة لدى الجمهور تجاهها والدّعم التامّ الذي حظيت به من جميع الجهات الرسمية، خير شاهد على تدني قيمة حياة الفلسطينيين اليوم.