Skip to main content
أنقاض منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 29.5.19
Menu
المواضيع

إسرائيل استهدفت عمدًا مباني سكنيّة في قطاع غزّة وقتلت 13 مدنيًّا من بينهم قاصران

في أوائل شهر أيّار بين 3.5.19 و-6.5.19 وقعت جولة قتال أخرى بين إسرائيل وتنظيمات مسلّحة في قطاع غزة. خلال هذه الأيّام أطلق الذراعان العسكريّان لحركتي حماس والجهاد الإسلامي نحو 700 قذيفة على إسرائيل قُتل جرّاءها ثلاثة إسرائيليين وجُرح 123 آخرون. كما قُتل مواطن إسرائيليّ آخر جرّاء صواريخ مضادّة للدبابات ألقتها الأذرع العسكريّة. إنّ إطلاق النار باتجاه التجمعات المدنية في إسرائيل غير قانوني وغير أخلاقي.

من جهة أخرى قصفت إسرائيل بالصّواريخ والقذائف المدفعية أكثر من 350 موقعًا في قطاع غزة وأصاب 153 شخصًا وقتلت 25 من بينهم 13 لم يشاركوا في القتال ولم يكونوا منتمين إلى أيّ من الأذرع العسكريّة - ومن بين هؤلاء ثلاث نساء إحداهنّ في الأشهر المتقدّمة من حملها وقاصران إحداهما رضيعة في الشهر الثالث من عمرها والآخر طفل يبلغ من العمر 11 عامًا.

وقُتلت امرأة حامل وابنة أخيها - طفلة في عامها الأوّل - جرّاء قذيفة أطلقها ناشطون في الذّراع العسكريّة لحركة الجهاد الإسلامي فأصابت منزل عائلتهن في مدينة غزّة

وكما في العمليات العسكريّة السابقة في هذه المرّة أيضًا استهدفت إسرائيل منازل سكنيّة ومباني مكاتب.

تفيد معطيات الأمم المتحدة أن 100 منشأة ومنها 33 وحدة سكنيّة قد جرى تدميرها تمامًا وأنّ 30 منشأة أخرى ومن بينها 19 وحدة سكنيّة - لحقتها أضرار شديدة أي أنّ في المحصلة دُمّرت 52 وحدة سكنيّة وشُرّدت 52 أسرة تعد 327 شخصًا من بينهم 65 طفلًا تحت سنّ الخامسة. إضافة إلى ذلك تضرّرت نحو 700 وحدة سكنيّة أخرى.

في أربع من الغارات التي استهدفت المباني قُتل أشخاص كانوا في داخلها أو في محيطها. بلغ مجموع الفلسطينيّين الذين قُتلوا في هذه الملابسات 14 جميعهم ما عدا واحدًا لم يشاركوا في القتال وبضمنهم قاصران. أظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّه لم يتمّ تحذير السكّان تحذيرًا جديًا قبل القصف فلربما كان التحذير سيمكنهم من النجاة بأنفسهم وإنقاذ ممتلكاتهم.

إطلاق الصّواريخ وإلقاء القنابل على مناطق مأهولة بكثافة كما في قطاع غزّة ينطوي بطبيعة الحال على خطر محقّق يطال السكّان المدنيّين. لا نتحدّث هنا عن خطر نظريّ مفترَض بل عن واقع مُثبَت: إسرائيل التي تتباهى بقدرات تكنولوجيّة واستخباراتيّة فائقة قد قتلت آلاف المدنيّين في السنوات الأخيرة في غارات جوّية ومن ضمن ضحاياها مئات الأطفال. في عملية "الجرف الصّامد" العسكرية وحدها (التي جرت عام 2014) قُتل جرّاء القصف الجويّ 1,055 فلسطينيًّا لم يشاركوا في القتال - أي ما يقارب نصف الفلسطينيّين الذي قُتلوا في تلك العملية - ومن بين هؤلاء المدنيّين 405 أطفال و-229 امرأة. ورغم النتائج المروّعة المتوقّعة واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع مستهدفة منزلًا تلو منزل وأسرة تلو أسرة.

طريقة استخدام القوّة خلال هذه الغارات تندرج ضمن السياسة التي وضعها كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين. ليست هذه ممارسات جنود وطيّارين مخالفين للأوامر بل هي ممارسة منهجيّة تبعًا للأوامر الصادرة تعزّزها لاحقًا آراء خبراء قضائيّين في النيابة العسكريّة مهمّتهم تبرئة جميع المتورّطين بحجّة أنّها سياسة لا تخالف القانون. تبعًا لذلك لم تكن ممارسات الجيش في جولة القتال الأخيرة استثنائيّة ولا غريبة. علاوة على ذلك لن تتمّ محاسبة أحد من المتورّطين في هذه الغارات لأنّهم في نظر الجيش لم يفعلوا شيئًا سوى تنفيذ الأوامر.

لكنّ هذه السياسة ترفّ من فوقها راية سوداء مشيرة إلى مخالفتها للقانون. لقد جسّدت تجربة الماضي مرّة تلو الأخرى كيف أنّ إسرائيل لا تستطيع استخدام القوّة العسكريّة في غزّة دون المسّ الفادح بسكّان القطاع والفتك بهم بما في ذلك النساء والأطفال. وكما في حالات أخرى تحاول إسرائيل هنا أيضًا تأويل القانون الإنسانيّ الدوليّ على نحوٍ يبرّر هذا المسّ الفادح بحقوق الإنسان - في الحالات المعروضة هنا، قتل وجرح المدنيّين، لتقول إنّ أفعالها لا تخالف القانون. لكنّ تأويلات إسرائيل ينبغي رفضها قطعًا لأنّها خاطئة قانونيًّا وتستند إلى تصوّر مشوّه أخلاقيًّا.

قصف منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا: 5.5.19

في يوم الأحد الموافق 5.5.19 نحو السّاعة 17:30 أسقطت طائرة قنبلة موجّهة نحو مبنى من طابق واحد يشمل دكّانًا وثلاثة منازل تسكنها عائلة المدهون في حيّ العطاطرة الواقع غربيّ بيت لاهيا. قُتل في هذه الغارة أربعة أشخاص: ثلاثة من عائلة المدهون وهم عبد الرّحيم المدهون البالغ من العمر 60 عامًا وكان في دكّانه في الجهة الجنوبيّة للمبنى. ابنه عبد الله المدهون البالغ من العمر 21 عامًا وهو ناشط في الذراع العسكريّة لحركة الجهاد الإسلاميّ. وكنّته أماني المدهون البالغة من العمر 36 عامًا وهي أمّ لأربعة أولاد وحامل في شهرها التاسع وجاره فادي بدران البالغ من العمر 31 عامًا. كما أصيب ستّة قاصرين - 5 من عائلة المدهون وابنة فادي بدران. إضافة إلى هذا كلّه ألحقت الغارة الجوّيّة أضرارًا فادحة بالمبنى حيث تهدّم تمامًا منزلان من الثلاثة كما تضرّر منزل عائلة بدران.

أنقاض منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 29.5.19

أحد أبناء عبد الرّحيم المدهون - محمد المدهون (33 عامًا) كان في منزله عند استهداف المنزل وقد ثكل زوجته الحامل وأخاه وأباه وأصيب اثنان من أطفاله بجروح نتيجة القصف. في إفادة أدلى بها في 29.5.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صبّاح قال محمد المدهون:

في ذلك اليوم كان التصعيد شديدًا منذ ساعات الصّباح وكانت الطائرات الإسرائيليّة تحلّق في سماء غزّة. طوال الوقت كنّا نسمع صوت القصف والتفجير في شمال القطاع في جباليا وبيت لاهيا. عند الظهر ذهبت لأعزّي جيراننا بوفاة خالد أبو قليق وهو حارس فيلا راح ضحيّة القصف. عدت إلى منزلي في السّاعة الثانية والنصف بعد الظهر. ذهبت زوجتي والأولاد للنوم لأنّه كان واضحًا أنّنا لن نتمكّن من النوم في تلك اللّيلة بسبب التصعيد والقصف. بعد ذلك لحقت بهم ونمت إلى جانبهم.

استيقظت في الخامسة بعد الظهر وجلست في غرفة الضيوف أحتسي القهوة مع ابن عمّي ولاحقًا جاء أحد جيراني. ذهبت إلى المطبخ لكي أعدّ القهوة لجارنا. لدى عودتي سمعت صوت انفجار قويّ في المنزل. كان الصوت قويًّا جدًّا واعتقدت في الوهلة الأولى أنّ القصف وقع قرب منزلنا لكنّني سرعان ما أدركت أنّه منزلنا قد قُصف حين تطايرت حولي الشظايا وقطع الصفيح والحجارة والرمل والغبار والدخان. وقفت مشدوهًا غير قادر على الإتيان بأيّة حركة. فقط وقفت وسمعت تساقط الشظايا والرّكام من حولي.

كان من الصّعب رؤية أيّ شيء بسبب الغبار والدّخان. حاولت أن أمشي ولكنّني لم أتمكّن من ذلك. زحفت وتسلّقت أكوام الرّكام حتى وصلت إلى غرفة النوم التي كانت قد أصبحت بلا جدران. بعد ذلك توجّهت نحو منزل والدي فوجدت هناك شقيقي عبد الله ملقًى على الأرض وقد فارق الحياة. عدت إلى غرفتي لكي أتفقّد أوضاع زوجتي والأولاد.

من اليمين إلى اليسار، عبد الرحيم مدهون وفادي بدران، اثنان من ضحايا الغارة الجوّية. صور قدّمتها العائلات مشكورة

في الطريق رأيت والدي يجلس في دكّانه ويحاول النهوض. كان يبدو أنّه مصاب. كان يلوّح بيديه طالبًا النجدة لأنّه تصعّب كثيرًا في التحرّك أو الكلام. لم أتمكّن من الوصل إليه بسبب ركام الحجارة والصفيح، وكذلك بسبب الصدمة التي تملّكتني. ناديت والدي ولكنّه نظر إليّ ولم يجب ثمّ وقع أرضًا. لاحقًا علمت أنّه قد أصيب بجروح بليغة ووضعه حرج. ناديت الجيران وطلبت منهم أن يخرجوا الجرحى من تحت الأنقاض - زوجتي واثنين من أولادي. خرج من بين الأنقاض جاري محمد الفار واتّجه نحو الشارع حاملًا على يديه ابنتي فاطمة (سنتان ونصف). سمعتها تصرخ وتتأوّه من الألم. جاءت سيّارة إسعاف فقلت لطاقم المسعفين إنّ زوجتي وابني محمود (4 سنوات) لا يزالان تحت الأنقاض فأخذوا يعملون على إخراجهما. حين أخرجوا طفلي محمود كان جريحًا ومغطّى بالغبار.

بعد ذلك أخرجوا أماني زوجتي - وهي في نهاية أشهر حملها ونقلوها هي ووالدي إلى سيّارة الإسعاف. فيما بعد علمت أنّ زوجتي وأخي عبد الله قد استُشهدا. نقلتني سيّارة إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي حيث أجريت لي فحوصات وتبيّن أنّ وضعي جيّد. ذهبت للتعرّف على الجثث. تعرّفت على جثّة زوجتي أماني ورأيت ايضًا جثّة جنينها. بعد ذلك عرّفت على جثّتي فادي بدران وأخي عبد الله. كنت مصدومًا من فقدان زوجتي وأخي. فيما بعد ذهبت لرؤية أولادي الجرحى.

عدت إلى منزلي وجلست مع الجيران وعند منتصف اللّيل تقريبًا علمت أنّ والدي قد توفّي متأثرًا بجراحه في مستشفى الشفاء.

قصف مبنى "زعرب" في رفح 5.5.19

في ذلك اليوم قبل السّاعة 18:00 بقليل قصفت طائرة مبنًى مؤلّفًا من خمسة طوابق تملكه عائلة زعرب وفيه مكاتب وشقق سكنيّة. في الماضي كانت في قبو البناية مكاتب لحركة الجهاد الإسلامي لكنّهم أخلوها منذ تسعة أشهر وحلّ مكانها مقهى. ليس لدى بتسيلم معلومات عن وجود مكاتب آخرى تابعة لحركة الجهاد الإسلامي في المبنى. صابت قنبلتان موجهتان الطابق الثاني والطابق الأرضي والقبو. في هذه الغارة قُتل ثلاثة أشخاص: موسى معمر البالغ من العمر 35 عامًا وهو متزوّج وأب لأربعة أولاد وهو صاحب المقهى المذكور. هاني أبو شعر البالغ من العمر 37 عامًا وهو متزوّج وأب لأربعة أولاد وقد كان برفقة موسى معمر في المقهى. وعلى عبد الجوّاد البالغ من العمر 50 عامًا وهو متزوّج وأب لخمسة أولاد ومدير مركز لتعليم اللّغات في الطابق الأرضيّ وقد كان فيه عند الهجوم. إضافة إلى ذلك لحقت أضرار بمكاتب جمعيّة لإغاثة المعوّقين تقع في المبنى نفسه وأضرار أخرى لحقت مبانٍ مجاورة.

المقهى الذي أصيب لدى قصف بناية زعرب. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

أحمد زعرب (19 عامًا) من سكّان رفح. عاطل عن العمل يقيم في أحد المباني المجاورة لبناية زعرب. عند السّاعة 17:00 تقريبًا وصل أحمد إلى المقهى الواقع في قبو بناية زعرب لكي يلتقي صديقيه موسى معمر وهاني أبو شعر وكان في المقهى أشخاص آخرين في ذلك الوقت. في إفادة أدلى بها يوم 7.5.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة وصف زعرب ما حدث:

كنّا نجلس نحن الثلاثة داخل المقهى. كانت الكهرباء مقطوعة ولذلك فتحنا الباب الخلفي - من جهة الشرق لكي يدخل الضوء. بعد ذلك صلّينا صلاة العصر جماعة ثمّ جلسنا على الكنبات وأشعلنا السّجائر. كنّا نريد السّفر إلى غزة لجباية ديون مستحقّة لموسى وهاني من بعض الأشخاص. وفيما نحن جالسون سمعنا فجأة ودون سابق إنذار صوت انفجار وامتلأ المكان بالغبار. أحسست أنّني طرت في الهواء بضعة أمتار. كان الأمر مخيفًا جدًّا. أخذت أزحف نحو بيت الدّرج ولكنّ أكوام الحجارة كانت تسدّ المدخل. بعد ثوانٍ قليلة سمعت انفجارين آخرين داخل المقهى. بعد الانفجار الأوّل كنّا نحن الثلاثة لا نزال معًا وكنّا نردّد "الشهادتين". كنت أسمع صوت صديقيّ ولكن بسبب الغبار لم أتمكّن من رؤيتهما. ولكن بعد الانفجارات الثلاثة لم أسمع بعد صوت موسى وهاني. ردّدت مجدّدًا "الشهادتين" لأنّني اعتقدت أنّ الطائرات سوف تواصل قصف البناية.

بعد ذلك ساد هدوء لمدّة دقيقتين تقريبًا. ناديت صديقيّ لكي أطمئنّ عليهما. ردّ عليّ موسى وأخذ يردّد "الشهادتين" بصوتٍ عالٍ. هدأ روعي قليلًا عندما سمعت صوته. ثمّ ناديت هاني بكنيته "أبو وسيم، أبو وسيم" فردّ عليّ قائلًا "حبيبي يا أحمد" وعندها اطمأنّ قلبي أكثر. زحفت نحو الجهة التي جاء منها صوت موسى وعندما وصلت إليه تحسّست رأسه. نظرت إليه فرأيته مصابًا بجروح بليغة في بطنه ورجليه. لم أستطع تحمّل المنظر فأغمي عليّ.

من اليمين إلى اليسار، موسى معمر، أحمد زعرب - الذي نجا من الغارة، وهاني أبو شعر. صور قدّمتها العائلات مشكورة

أفقت من الإغماء بعد مرور بضعة دقائق فناديت هاني مرّة ثانية: "أبو وسيم، أبو وسيم" وردّ عليّ هو "حبيبي يا أحمد، حبيبي يا أحمد". أخذ الغبار ينقشع فتمكّنت من رؤيته. اقتربت منه ونظرت إليه. كان يجلس على الأرض ورجلاه ممدودتان أمامه. بعد أن احتضنته نظرت إليه بتمعّن فوجدته مصابًا بجروح بليغة في فخذه الأيسر من جهة الأمام وكان بنطاله ممزّقًا. قلت لهاني "ابق مكانك واسترحْ. سأذهب لاستدعاء نجدة". وحيث أنّني لم أكن قادرًا على المشي أو حتى الوقوف زحفت حتى وصلت إلى مدخل المقهى الخلفيّ الشرقيّ وأخذت أصرخ "يابا، يمّا، يا ناس!". كرّرت الصّراخ مرّات وكان صوتي يخفت أكثر في كلّ مرّة. جاء جارنا واسمه حمادة عقل وأشخاص كثيرون آخرون من سكّان المنطقة. عندما رآني حمادة انتابته الصّدمة. عندما همّ بحملي قلت له "دعْني واذهب إلى موسى وهاني. إنّهما داخل المقهى". بعد ذلك أغمي عليّ.

عندما أفقت كنت في المستشفى. رأيت موسى يدخل محمولًا على نقّالة وسمعتهم يقولون أنّه قد استُشهد. ورأيتهم يُدخلون هاني إلى غرفة العمليّات المجاورة للغرفة التي كنت أرقد فيها. عندما سمعت خبر مقتل موسى أجهشت ببكاء شديد وكان جسمي يرتجف. كنت في صدمة وقد حقنوني بدواء مهدّئ. بعد مضيّ ثلاث ساعات غادرت المستشفى إلى منزل شقيقتي لأنّ منزلنا تضرّر جرّاء القصف. عند السّاعة 21:30 ليلًا اتّصل صديق لي وأخبرني أنّ هاني قد استُشهد. كانت صدمتي بذلك مضاعفة. صمتّ وفقط أردت الاستغراق في النّوم. أما بالنسبة لوضعي فقد جاءت إصابتي طفيفة. لديّ أوجاع في أذني اليسرى وخدوش في الرجلين.

الطوابق التي طالها القصف في بناية زعرب. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

حمادة عقل (29 عامًا) متزوّج وأب لطفل ويعمل بائعًا في محل درّاجات هوائيّة قريب من بناية زعرب. نحو السّاعة 18:00 كان في أحد حوانيت المنطقة حين سمع ثلاثة انفجارات قريبة. في إفادة أدلى بها يوم 7.5.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال حمادة:

الشاهد حمادة عقل. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

أسرعت إلى منزلي لكي أطمئنّ على الوضع هناك لأنّ الانفجار كان قريبًا من منزلي. عندما وصلت وجدت والديّ في حالة هلع. ولكن هدأ روعي حين تبيّنت بأنه لم تكن إصابات جسديّة والحمد لله غير أنّ المنزل نفسه قد تضرّر. بعد ذلك ذهبت في اتّجاه بناية زعرب لأنّها كانت محاطة بغمامة من الغبار. سمعت جارنا أحمد زعرب يناديني باسمي. تقدّمت نحو البناية بصعوبة بالغة بسبب الغبار والدّخان الذي تعالى من الجزء الأسفل للبناية.

كان أحمد ملقًى على الأرض ولكنّه لم يكن مصابًا حسب ما رأيت. قال لي إنّ صديقيه موسى معمر وهاني أبو شعر في داخل المقهى. دخلت رغم الدخان والغبار فوجدت هاني ملقًى على ظهره. سمعته يردّد "الشهادتين" ويتلو آيات من القرآن. كانت مصابًا بجروح بليغة.

علي عبد الجوّاد، مدير مركز لتعليم اللغات، قُتل جرّاء الغارة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

سحبت هاني وحدي حتى وصلت به إلى المدخل الخلفيّ للمقهى من جهة الشرق. رأيت عددًا من الشبّان فناديتهم وجاءوا وأخذوه. عدت إلى داخل المقهى لكي أبحث عن موسى معمر فوجدته ملقًى على بطنه وكان يلفظ أنفاسه الأخيرة. صرخت مناديًا الشباب فجاءوا بنقّالة لأنّ سيّارات الإسعاف كانت قد بدأت تصل إلى الموقع. حمل الشبّان هاني وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. كنت أشعر بالاختناق بسبب الغبار ومحطّمًا نفسيًّا بسبب المناظر التي رأيتها. شاهدت شبّانًا يحملون جثّة الأستاذ علي عبد الجوّاد صاحب مركز "الأوائل" التعليمي الذي يقع فوق المقهى. كان محمولًا على نقّالة وقد فارق الحياة.

لاحقًا ذهبت إلى منزلنا لكي أتفقّد الأضرار. كان زجاج النوافذ محطّمًا وبعض الجدران قد تصدّعت. كذلك تحطّم بعض الأثاث.

قصف برج الشيخ زايد رقم 12 في بيت لاهيا 5.5.19

في بيت لاهيا أيضًا نحو السّاعة 20:00 من اليوم نفسه أصاب صاروخ الطابق الخامس (العلويّ) في برج الشيخ زايد رقم 12. قُتل في هذه الغارة ستّة أشخاص من عائلتين تقيمان في ذلك الطابق: أحمد الغزالي (30 عامًا) وزوجته إيمان أصرف (29 عامًا) شرطية, وابنتهما الرّضيعة ماريّا (3 أشهر) وطلال أبو الجديان (48 عامًا) وزوجه رغدة (46 عامًا) وابنهما عبد الرحمن (11 عامًا). كذلك أصيب تسعة أشخاص بجروح جرّاء الغارة نفسها.

الشقق التي طالتها الغارة في برج الشيخ زايد رقم 12. تصويرمحمد صباح, بتسيلم، 9.5.19

كان محمد أبو الجديان (26 عامًا) ابن طلال ورغدة، في طريقه إلى المنزل عائدًا من زيارة لدى الأقارب وقد اتّصل به والده يحثّه على الإسراع في العودة إلى المنزل بسبب القصف على القطاع. أدلى محمد بإفادته في 7.5.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد، فقال:

محمد أبو الجديان. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 7.5.19

بعد اتّصال والدي بخمس دقائق وصلت إلى بوّابة البرج ثمّ دخلت إلى البناية. تمامًا في ذلك الوقت قُصف المنزل الذي أسكن فيه مع والدي. لاحقًا علمت أنّ الجيش قصف المنزل دون إنذار مسبق لا عبر مكالمة هاتفيّة ولا بصاروخ إنذار. أصاب الصاروخ المنزل إصابة مباشرة. أخذت أركض في بيت الدرج لكي أستطلع ما يجري. رأيت جميع سكّان العمارة ينزلون ركضًا من منازلهم. خشيت أن يكون أبناء عائلتي قد قُتلوا. لم يسمعني أحد. عندما وصلت إلى الطابق الرّابع - وفيه شقّة خالية - رأيت أنّ الطابق الخامس الذي أقيم فيه أنا ووالديّ وشقيقي عبد الرحمن قد هوى إلى الطابق الرّابع. نظرًا للدّمار الكبير والوضع الكارثيّ كنت على يقين بأنّ أبي وأمّي وأخي قد استُشهدوا.

جاء الجيران وأشخاص آخرون لكي يساعدوا. وجاء مسعفون وطواقم من الدفاع المدني وأخذوا يبحثون عن أسرتي وعن عائلة الغزالي سكّان الشقّة المقابلة لشقّتنا والتي هوت أيضًا إلى الطابق الرّابع. في الشارع رأيت جثث أفراد عائلة الغزالي: أحمد الغزالي وزوجته إيمان وطفلتهما ماريّا.

بيت درج مهدّم في برج الشيخ زايد. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 8.5.19

ذهبت مع أقاربي إلى المستشفى الإندونيسي لكي أتعرّف على جثّة أخي عبد الرحمن. بعون الله تمالكت نفسي من الانهيار. لم أصدّق أنّه هو. أخذت أردّد "إنّا لله وإنّا إليه راجعون".

بعد حلول الظلام توقّفت أعمال البحث عن طلال ورغدة أبو الجديان بسبب انقطاع الكهرباء. في صباح اليوم التالي تجدّد البحث عنهما وانتُشلت جثّتاهما من بين الأنقاض. عن المشاعر التي ألمّت به يقول محمد:

فجأة ودون سابق إنذار فقدت أنا وشقيقتاي أسرتنا بأكملها - الأب والأمّ والأخ - دون أيّة فرصة لوداعهم. كان القصف عنيفًا لدرجة أنّنا لم نعثر على الجثث سليمة. عند الدفن وضعنا جثمان أخي الصغير مع جثمان والدتي في قبر واحد. وُلد أخي بعد محاولات حمل استمرّت عشر سنوات ولذلك كان الصغير المدلّل. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. رحم الله والدي ووالدتي وأخي الصغير. أشعر الآن بأنّي وحيد في هذا العالم لا أب لي ولا أمّ ولا حتّى بيت لي بعد أن قصفوه بالكامل. أرجو من الله أن يلهمني الصبر على ما جرى لي.

محمد طه. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 8.5.19

محمد طه (26 عامَا) يقيم في الطابق الرّابع مع زوجته ووالدته وأخيه وزوجة أخيه. عند السّاعة 20:00 تقريبًا عاد طه من الصّلاة في المسجد المجاور. بدأ القصف بعد أن دخل محمد البناية وأخذ يصعد الدرج. في إفادة أدلى بها يوم 8.5.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال:

كان الانفجار هائلًا. كان محمد أبو الجديان قريبًا منّي وقد امتلأ وجهانا بالغبار وشظايا الزجاج. صعدت الدرج متّجهًا إلى منزلنا دون أن أتمكّن من رؤية شيء بسبب انقطاع الكهرباء. كان باب شقّتنا مفتوحًا والدخان والأنقاض من حولي. أخذت أنادي أخي وكان هو يصرخ ويردّ بأنّهم موجودون داخل الشقّة. عثرت على زوجتي ولكنّي لم أميّزها بسبب الغبار والدخان الأسود. من شدّة الانفجار طيّرها دفع الهواء إلى غرفة أخي أحمد.

في الغرفة نفسها كانت زوجة أخي الحامل في شهرها الثاني وقد تزوّجا قبل أربعة أشهر. الحمد لله أنّها كانت بخير هي والجنين. كان أخي خائفًا وأخذ يستدعي النجدة. سحبت زوجتي وسحب أخي زوجته وهبطنا الدرج بصعوبة بالغة. التقيت محمد أبو الجديان وأخبرني أنّ والده ووالدته وشقيقه قد استُشهدوا. طلبت منه أن ينزل برفقتي لأنّني خشيت أن يقصفوا البناية بصواريخ أخرى. نزلت إلى الشارع وهناك رأيت الجيران يستدعون النجدة. جثث الصبيّ عبد الرحمن وأبناء عائلة الغزالي كانت ملقاة في الشارع. كانت والدتي في البرج أثناء القصف ولكنّ جيراننا من الطابق الثالث وجدوها في بيت الدرج وأخذوها إلى الأسفل. سألت عن أحوالنا. أخذت والدتي وزوجتي وأخي وزوجته إلى برج آخر أكثر أمنًا.

في صباح اليوم التالي عدت إلى المنزل. المنزل مدمّر ولا يصلح للسّكن. لقد أصبحنا مشرّدين. نقيم حاليًّا في منزل شقيقتي في حيّ الدّرج. أدعو بالرّحمة لأرواح جيراننا الذين استُشهدوا - عائلة أبو الجديان وعائلة الغزالي وأدعو الله أن يصبّر جاري محمد الذي فقد كلّ عائلته. أنا مصدوم ممّا حدث لنا ولجيراننا. أشعر وكأنّني في كابوس خاصّة حينما أنظر إلى منزلنا فأراه قد أصبح أنقاضًا.

قصف محيط فيلا في بيت لاهيا 4.5.19

قرب السّاعة 21:00 من يوم السبت الموافق 4.5.19 أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا نحو كونتينر يستخدم كغرفة حراسة عند مدخل فيلتين محاذيتين يملكهما شقيقان من سكّان في بيت لاهيا. في ذلك الوقت كان داخل الكونتينر شخصان: حارس الفيلّا خالد أبو قليق البالغ من العمر 24 عامًا وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد وصديقه عطالله العطّار البالغ من العمر 30 عامًا وهو متزوّج وأب لولدين، ويعمل حارسًا في قاعة أفراح مجاورة. فور إطلاق الصّاروخ فرّ الاثنان خارجين من الحاوية واتّجها نحو مدخل إحدى الفيلّتين وحين طرقا الباب ولم يردّ عليهما أحد ركضا نحو الفيلّا المحاذية وهناك أطلق نحوهما صاروخ آخر قُتل جرّاءه خالد أبو قليق وجُرح عطالله العطّار.

أدلى العطار بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 19.5.1، قائلًا:

عطالله العطّار في المستشفى. تصوير: محمد صباح, بتسيلم، 16.5.19

في يوم السبت مساءً كنّا أنا وخالد جالسين نشرب الشاي داخل كونتينر الحراسة التي يجلس به. بعد ذلك وعند صلاة العشاء ذهب خالد إلى المسجد القريب في الحيّ وعدت أنا إلى قاعة الأفراح المجاورة لإعداد القهوة - كان خالد قد طلب ذلك - ثمّ رجعت إلى الكونتينر. عندما عاد خالد من المسجد جلسنا وشربنا القهوة. سمعنا إطلاق قذائف من مصادر فلسطينيّة من الجهة الشمالية - الغربية. قال لي خالد إنّه يرغب في أكل الملوخيّة التي أعدّتها والدته. أنا لم أرغب في الانضمام إليه.

عند السّاعة 21:55 تقريبًا أحسست الأرض ترتجّ ووقعنا أنا وخالد عن الطاولة التي كنّا نجلس فوقها. قال لي خالد "هيّا نركض نحو الفيلّا". ركضنا نحو باب الفيلّا وطرقنا الباب لكنّ أحدًا لم يردّ. اتّجهنا نحو باب الفيلّا المحاذية. رنّ خالد جرس الباب وقال "افتحوا الباب" ثمّ طرق الباب.

فجأة أحسست بموجة حرارة وآلام شديدة في جسمي وأذني ثمّ أغمي عليّ. بعد أن أفقت نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي. في البداية وصلت إلى قسم الطوارئ ومن هناك أدخلوني إلى قسم العناية المكثّفة. لاحقًا حوّلوني إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت لي عمليّة لإخراج الشظايا وتركيب بلاتين في رجلي اليسرى. بعد ذلك أعادوني إلى المستشفى الإندونيسي وهناك بتروا جزءًا من كاحل قدمي اليمنى وما زلت أرقد للعلاج هناك.

فقط بعد مرور خمسة أيّام قالوا لي إنّ صديقي خالد قُتل جرّاء إطلاق الصّاروخ.